ويوجد موقد يعمل بالكيروسين يبذل قصارى جهده ليصد غائلة البرد، ولكنه كان من الصغر لدرجة أن صفية وشقيقها محمود، وأبنائهما الذين يبلغ عددهم 11 طفلا باتوا على وشك التجمد وكأن الموقد لا وجود له.
وكانت هذه العائلة قد هربت منذ عامين من القذائف التي تنهال على الناس وسط الحرب الأهلية الدائرة في سورية، بحثا عن المأوى في دولة لبنان المجاورة.
ووجدت العائلة سقفا تحتمي تحته في قرية جبلية تقع شرقي العاصمة اللبنانية بيروت على الطريق المؤدي إلى الحدود مع سورية، وحصلت العائلة على غرفتين مظلمتين وركن للمطبخ، بالإضافة إلى حجرة ضيقة تستخدم كحمام، وعدد من الحشايا للجلوس والنوم عليها.
وفي هذا اليوم كان الطقس باردا للغاية، فقد تساقطت الثلوج بكثرة، لدرجة أن الشرطة أغلقت طريق المرور المؤدي إلى الجبال اللبنانية، وفي الشارع الذي يقع أمام نزل العائلة كانت الأقدام تنغرس حتى الكاحل داخل الجليد الناعم، بينما كان كثير من أطفال كل من صفية ومحمود لا يرتدون في أقدامهم حتى الجوارب.
ويحاول الرجل وشقيقته التأقلم والتعايش مع الأوضاع الجديدة وأن يعتنيا بأطفالهما على الرغم من غياب زوجة محمود وزوج صفية، وكان زوج صفيه قد توفى منذ أسابيع بعد إصابته بمرض عضال، ولم تستطع صفية الحصول على عمل، بينما تمكن شقيقها محمود من العثور على وظيفة يدوية مؤقتة في المنطقة.
ويعيش أفراد العائلة أساسا على المعونة التي يحصلون عليها من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، ويستطيع أطفالهما الذهاب إلى المدرسة على الأقل، وتقول صفية /٣٤ عاما/ إن " مستقبل الأطفال سيكون أفضل إن شاء الله ".
وتعد هذه العائلة نموذجا نمطيا يوضح مصير اللاجئين السوريين في لبنان.
وسجلت المفوضية السامية للاجئين نحو 2ر1 مليون لاجىء، غير أنه من المحتمل أن يكون العدد الحقيقي أعلى من ذلك بكثير، وتشير بعض التقديرات إلى أن عدد اللاجئين السوريين في لبنان وصل إلى 2ر2 مليون لاجىء، مما يشكل عبئا خطيرا على دولة مثل لبنان التي يبلغ تعدادها ستة ملايين نسمة.
ويعد وضع اللاجئين السوريين في لبنان مأسويا بشكل خاص، حيث تحظر لبنان إقامة مخيمات رسمية للاجئين بعكس الوضع في تركيا والأردن والعراق.
وتريد الحكومة اللبنانية أن تمنع اللاجئين من الإقامة الدائمة على الأراضي اللبنانية، خشية أن يؤدي تدفقهم إلى اختلال التوازن الدقيق والذي اهتز بالفعل بين المجموعات السكانية والعرقية من السنة والشيعة والمسيحيين والدروز التي تعيش جنبا إلى جنب في لبنان.
ويسعى اللاجئون ومعظمهم من النساء والأطفال في ظل عدم وجود مخيمات رسمية إلى الحصول على المأوى أينما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، حيث ينامون في المباني التي لا تزال تحت الإنشاء والجراجات والعشش التي تقام من ألواح الخشب والبلاستيك، أو داخل خيام تقام في العراء ويحصلون عليها من منظمات الإغاثة.
وتقول نيتي كيلي رئيسة فرع مفوضية اللاجئين في لبنان إن الأحوال تزداد صعوبة عاما بعد عام، ويقل عدد السوريين باستمرار الذين يتمكنون من الحصول على وحدة سكنية عادية، وتضيف " إنهم أنفقوا كل مدخراتهم ولم يعد لديهم مال ".
وصارت المعركة ضد البؤس صعبة بالنسبة لمفوضية اللاجئين بسبب نقص الاموال، وفي العام الماضي احتاجت هذه الوكالة الدولية 451 مليون دولار لتزويد اللاجئين بالضرورات الاساسية الملحة، ولكن المانحين قدموا ما نسبته 64 في المئة فقط من المبلغ المطلوب.
واستقرت نحو ألف أسرة في مدينة صيدا الساحلية بمساعدة مفوضية اللاجئين على مساحة من الأرض خالية تتاخم شاطىء البحر، وتمكنت هذه الأسر اعتمادا على أنفسها من بناء بيوت مؤقتة من الحجارة وألواح الخشب والبلاستيك، وتعيش إحدى الأسر داخل حظيرة سابقة للدواجن.
ويشكو خالد محمد السيرايس الذي هرب مع زوجته وأبنائه الخمسة من مدينة درعا السورية الى لبنان قائلا " ليس لدينا مطبخ أو حمام أو تدفئه ".
ويدخل خالد إلى هذا المأوى ليشير إلى المكان الذي تتساقط منه قطرات الماء من شروخ بالسقف، ولا يوجد بالمكان حتى باب ليحمي أفراد الأسرة من البرد والمطر.
وفي مأوى مجاور توجه امرأه ترتدي ثيابا سوداء الانتقادات للسلطات اللبنانية.
وتعيش المرأة التي تبلغ من العمر 60 عاما مع أبنائها وأحفادها، ومع لاجئين آخرين داخل غرفة واحدة تبلغ مساحتها تقريبا عشرة أمتار مربعة، وتقول المرأة إن 25 شخصا ينامون في هذه الغرفة أثناء الليل .


الصفحات
سياسة









