"قطار الثورة" يصل نهايته إيذانا بـ"فرح السودان"

17/08/2019 - عادل عبد الرحيم / الأناضول


رغم ماضيها الكئيب بلجراد تتحول للحداثة وتجذب بسحرها المبدعين



بلجراد - لاورا ليفاندوفسكي– عندما تصل إلى مطار بلجراد، فأول شيء تلاحظه هو الرائحة المنبعثة من المراحيض. وفي أكشاك البيع سيدات يرتدين أحذية ذات كعوب عالية رفيعة، ويضعن طبقات سخية من أحمر الشفاه، ينفثن دخان السجائر ،مما يجعل المكان يمتلأ بضباب دخاني .
وفي مطارات أخرى قد يتم استقبال السياح بمجموعة منتقاه من المشروبات الطبيعية رائعة المذاق وأطعمة نباتية، غير أن هذا الترحيب لا تجده في مطار العاصمة


 الصربية، فهل هي المدينة الواعدة حقا كما يزعم المدونون المعنيون بشؤون السفر على مواقع التواصل الاجتماعي ؟
ويقال إن بلجراد أصبحت الآن مدينة حديثة ومنخفضة الأسعار ونابضة بالحياة الثقافية، كما كان الحال مع برلين في تسعينات القرن الماضي، وأنها صارت الجوهرة الخفية بمنطقة البلقان.
وبالنسبة للأشخاص الذين لم يسبق لهم زيارة صربيا التي كانت جزءا من الجمهورية اليوغوسلافية السابقة، فإنه يمكن مقارنة الرحلة إلى بلجراد بزيارة دار للسينما حيث ما يهم المتفرج هو محتوى ما يعرض على الشاشة.
وأول نصيحة للزائر هي أن ينسى كآبة المطار، وبعد ذلك سيجد أن الرحلة داخل سيارة الأجرة حتى وسط المدينة تبدو وكأنها زيارة للماضي، فالسيارة تمر بمشروعات تشييد خرسانية ضخمة وبصفوف لا تكاد تنتهي من المباني الشاهقة التي تضم وحدات سكنية.
وتسود لمسة من الجمود في المعمار وكأنه معرض مصغر للأحداث الوحشية التي مرت بها المدينة في أواخر القرن العشرين، وأحد الأمثلة على ذلك "برج جينيكس" أو "البوابة الغربية للمدينة"، المشيدة من ناطحتي سحاب متصلتين تشع منهما ذكرى لماض قاس.
فقد تعرضت بلجراد مرارا للدمار وإعادة البناء خلال الأعوام الماضية، ولكن ثمة تركة بقيت شاهدة على أحداث تاريخية مضت أثرت بلمساتها على المدينة خلال القرون القليلة الماضية، مثل المباني الرائعة التي شيدت على الطراز الكلاسيكي الجديد والفيلات المصممة على طراز الفن الجديد السائد في أواخر القرن التاسع عشر، وبقايا آثار من عهد الإمبراطورية العثمانية، ومن هنا تبدو بلجراد ذاتها مثل موقع لتصوير فيلم سينمائي.
وذات مرة وصف عمدة برلين مدينة بلجراد بأنها "فقيرة ولكنها جذابة وفاتنة".
وهذا الوصف بالجاذبية يدفعنا لزيارة شبه جزيرة آدا الاصطناعية، وغالبا ما يوصي السكان المحليون بزيارة هذا المكان، ردا على التساؤلات بشأن الأماكن التي يمكن زيارتها للاستمتاع بالطابع الأصيل لهذه المدينة.
فيمكنك في آدا أن تستمتع بالشراب وأنت مسترخ على الشاطئ وهي تجربة لن تجدها في صربيا بكاملها التي لا تطل على سواحل.
وهذه الجزيرة الاصطناعية تبعد بمسافة تقطعها سيارة الأجرة في عشر دقائق من وسط بلجراد، والقيام بجولة حول البحيرة تمر بالعديد من أكشاك البيع والمطاعم، والزي المفضل هنا هو اللباس الرياضي.
ويقول رادوفان بيسيتش الذي يدير مع شقيقة حانة على الشاطئ إن "درجة الحرارة ترتفع في الصيف لتصل إلى 35 درجة مئوية.
ويضيف "لم يتغير الكثير هنا على مر السنوات"، ويقيم بيسيتش في آدا على مدى الأعوام العشرين الماضية، وإن كان قد أمضى ست سنوات منها في روسيا وجنوب أفريقيا وقبرص.
غير أن بلجراد جذبته للعودة كما فعلت بالكثيرين من أبنائها الذين سعوا لمغادرتها بعد انتهاء الحرب، وفي هذا الصدد يصف بلجراد بأنها "تتمتع بقوة جذب فريدة من نوعها".
بينما يقول لوكا لازوكيش وهو متخصص في تكنولوجيا المعلومات "إن مزيدا من الأشخاص يسعون إلى إعادة وضع المدينة على الخارطة العالمية.
ويضيف "إنك لا تستطيع أن تندمج في المشهد هنا بسهولة، ولكن بمجرد دخولك فيه ستكتشف بلجراد أخرى مختفية تحت السطح".
وكان كثيرون من سكان بلجراد قد غادروا هذه المدينة التي مزقتها الحرب متجهين إلى مراكز تنبض بالحياة الثقافية مثل نيويورك، ويقول لوكا لازوكيش "إنهم الآن يعيدون هذه الحياة الثقافية إلى مدينتهم مرة أخرى".
وإلى جانب رجال الأعمال المحليين يوجد أيضا نظراء لهم قدموا من الدول المحيطة مثل البوسنة والهرسك والجبل الأسود، مما جعل بلجراد بوتقة انصهار لثقافة منطقة البلقان.
وتعد بلجراد مكانا مناسبا للأغنياء، ولكنها تمد ذراعيها أيضا للزوار الأقل دخلا، فالإيجارات المعقولة ومعالم الإلهام في كل ركن تجعل المدينة من أكثر المواقع التي يبحث عنها المبدعون من مختلف أنحاء العالم في الوقت الراهن.
ويتم تشبيه دوركول أقدم ضاحية في بلجراد بضاحية ويليامزبرج ببروكلين الكائنة بنيويورك كما يوضح لازوكيش، ويقول "إنها كانت تعد أكثر الأماكن خطورة في بلجراد، ولكنها أصبحت الآن رائعة".
وعندما تعلم أن بلجراد حافلة بجواهر الاتجاهات الحديثة في العالم والمختبئة تحت السطح، فستبدأ في مشاهدتها في كل مكان، في المتاجر التي تعرض بطريقة مبتكرة منتجات حديثة، وأسواق تبيع منتجات قيمة غالية الثمن، وأماكن مشتركة للعمل.
وفي سوق بيوجرادسكي ترى نحو 20 شابا يزاولون عملهم على الحاسوب المحمول ، وتضم صالة السوق التي تبلغ مساحتها ألف متر مربع محال لأرقى الأزياء والزهوروالجعة يدوية الصنع ومنصات بيع الأطعمة النباتية، ولا يوجد أي مجال للمناظر الكئيبة في هذا المكان.
ومن هنا تصبح بلجراد مكانا يجب أن يراه الزوار المحبين للثقافة، وهي تستقبلهم على مدار الساعة من الاثنين إلى الجمعة كما تقول المغنية مايا لويز.
وربما لا تمثل بلجراد فيلم ميلودراما، ولكن فيلم حب، وكل ما في الأمر أنه حب ليس من أول نظرة .

لاورا ليفاندوفسكي
الاحد 21 يوليوز 2019