زواج سيرينا المسلمة بأنطوني المسيحي صارت قصة مثيرة للجدل



حفل زفاف فتاة مسلمة وشاب مسيحي في لبنان يثير موجة تفاعل واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. قصة الزواج المختلط أثارت إعجاب الكثيرين، لكنها اصطدمت بتحديات عديدة ترويها العروسة سيرينا .


"الاختلافات الدينية تجمع المحبين"، كانت هذه الرسالة التي سعى إليها منتجو أغنية زفاف مدونة الموضة المسلمة سيرينا مملوك ورجل الأعمال المسيحي أنطوني قاعور، الأغنية التي دمجت بين الترانيم المسيحية والآذان قد أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي مسلطة الضوء مرة أخرى على زواج المسلمات بالمسيحيين في لبنان، وعلى الزواج المختلط بشكل عام. إذ غردت الحقوقية اللبنانية شهد العطري عبر حسابها على تويتر، معبرة عن فرحتها بما وصفته بـ"أجمل عرس حضاري.." أما الفنان اللبناني راغب علامة فقد غرد بدوره مدافعاً عن الزفاف ضد الاتهامات التي أخذت اتجاهات أخرى تتعلق بتكاليف الزفاف. بينما كان النصيب الأكبر من التعليقات على فيديو الزفاف عبر يوتيوب، ما بين رافض للتوجه الذي قام به العريسان في الأغنية التي مزجت بين الآذان والترانيم المسيحية، وما بين معجب بهذه الفكرة الجديدة. هذه القضية كانت تثير الجدل منذ عقود من الزمن، وزادت حدته مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، إذ وفرّت التكنولوجيا مساحة تواصل ما بين مختلف معتنقي الديانات والطوائف، وساهمت في تسليط الضوء على قصص حب أو زواج بين معتنقي ديانات مختلفة، وظروف التعايش بين الطرفين. ويعقب منتج الأغنية سليم عساف على الانتقادات الموجهة لمضمون وشكل الأغنية، قائلا: "هذا العمل الفني كان من أجل التعبير عن الحالة التي تعيشها لبنان، والتأكيد على حقيقة لبنان، وأن الاختلاف الديني يجمعنا ولا يفرقنا". زفاف سيرينا ليس الأول من نوعه، إذ شهدت لبنان عدة زيجات لمسلمات من مسيحيين في السنوات الأخيرة، وقد عُقد بعضها داخل كنائس وأمام المحاكم الروحية، ففي عام 2017 تم زفّ الفتاة المسلمة مروى فواز إلى شاب مسيحي داخل الكنيسة التي عقدت زواجهما أمام عائلتيهما، على الرغم من اعتراض البعض على ارتداء الفتاة الحجاب داخل الكنيسة. على وقع أغنية زفافهما المتميزة، سلّم والد سيرينا يدها إلى زوجها أنطوني قاعور، في تحد للتقاليد والقيود التي تفرضها منظومة قانونية واجتماعية سائدة في البلد المعروف بتعدده الطائفي والديني. "إنه تحد لواقع الحياة والاختلافات الدينية" كما تقول سيرينا . وحول قصة حبها وزواجهما تقول سيرينا إن الثقة منذ البداية كانت عوناً لتخطي جميع العقبات. فقد واجه زواج سيرينا من أنطون لتحديات كثيرة، تمحورت حول قانونية الزواج في لبنان، مما دفعهم إلى عقد زواج مدني في قبرص، ومن ثم تسجيله عبر السفارة اللبنانية. إلا أنها متفائلة حول المستقبل: "أعتقد أنه في ضوء الوضع الراهن في لبنان والاهتمام الذي يحظى به الزواج المختلط، فإنه على الأرجح سيتم إصدار مرسوم يضفي الطابع القانوني على الزواج المختلط". إشكالية الزواج المختلط تكتسي طابعا معقدا في المجتمع اللبناني الذي يتألف من 18 طائفة مختلفة. وتبدأ تعقيداتها في المستوى المجتمعي والديني، وصولا إلى القوانين التي تساهم في إقامة حواجز في طريق الراغبات والراغبين في الزواج من شخص معتنق لديانة أو طائفة مختلفة. وتقول المحامية اللبنانية ميساء شندر أن الزواج في لبنان يتم فقط إما عن طريق المحاكم الشرعية للمسلمين، أو الزواج في المحاكم الروحية للمسيحيين، وتضيف: "لا يوجد في لبنان زواج مدني، وهذا ما يضع معوقات أمام الراغبين في الزواج المختلط". ولا يوجد في البلد قانون يحكم الزواج المختلط والذي بدأ بالانتشار مؤخراً. وبرأي رئيسة الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة لورا صفير: "المشكلة الحقيقية تبدأ مع توجهات رجال الدين، ممن يرفضون هذا النوع من الزواج"، وتوضح صفير أن امتداد الأفكار الأصولية يؤثر على توجهات الشباب لتجاوز جميع هذه العراقيل الطائفية. وتكتسي إشكالية الزواج المختلط تعقيدا أشد لدى النساء المسلمات، كما تؤكد صفير، ففي حين أن المرأة المسيحية المتزوجة من مسلم تواجه الرفض، فإن هذا الرفض يكون مضاعفاً لدى النساء المسلمات، إذ يندرج الزواج المختلط لديهن تحت طائلة المحرمات. وتذكر شندر أن بعض النساء المسلمات ممن يغيرن دينهن إلى المسيحية أمام المحاكم الروحية، يواجهن مشكلة حقوقية إن رغبن في العودة إلى الإسلام، "يتم إلغاء الحقوق المترتبة عن زواجها إن قررت العودة إلى دينها". ويذكر الباحث في مركز اللاهوت الإسلامي من جامعة توبنغن معز خلفاوي أن معظم المشاكل تأتي دائما من الأسرة، وهي ترتبط دوماً بزواج المسلمات من رجل غير مسلم، ويضيف: "في لبنان، يتعلق الأمر بالطابع العرقي والديني للجماعات، إذ أن بعض المجموعات السياسية والثقافية هي أكثر أهمية من الجماعات الدينية". هذه العراقيل القانونية جعلت العديد من الراغبين بالزواج المختلط في لبنان يلجؤون إلى عقد قران مدني في قبرص أو في اليونان، وتقول الأخصائية النفسية اللبنانية رانيا سليمان إن هذا الزواج لا يتم الاعتراف به إلا في قبرص، مما يولد تعقيدات في الحصول على سجل عائلي وأوراق ثبوتية، وتذكر: "ينسب الطفل للوالدين دون أن يتم اعتباره زواجاً، والاعتراف بوجود الطفل يرتبط بتثبيت زواج الأهل، وإن قام الأب بتثبيت الطفل كابنه، فتلقائياً يتم تسجيل الطفل بناء على دين الأب". "بعض المجتمعات المتزمتة تعنف الفتيات المسلمات ممن يرغبن في الزواج مع مسيحيين"، هكذا تصف صفير معاناة النساء اللائي يرغبن في تحدي القيود الدينية، وتضيف أن الإشكالية تمتد إلى خسارة المرأة لحقوقها، مما يضعها في ظل معاناة نفسية واجتماعية، إذ تواجه النساء في هذا النوع من الزواج معاناة أكبر، ربما تصل إلى التعنيف الجسدي والنفسي. ويشكل الزواج المختلط للفتيات المسلمات خطراً على حياتهن داخل المجتمعات المحافظة، ويمكن أن يؤدي إلى جرائم تحت ما يسمى "جرائم الشرف"، كما تؤكد لنا سليمان "يتم اعتبار هذا الزواج محرماً، وخروجاً عن الدين". ومن جهته يذكر خلفاوي أن التعزيز الديموغرافي المرتبط بالمرأة كرمز للخصوبة والنمو، يجعل من الصعب التخلي عنها لطوائف أخرى، والسماح لها بإنجاب أطفال في بيئة اجتماعية وإقليمية مختلفة، ويوضح: "الزواج ما بين الطوائف هو واحد من أكبر التحديات للأديان التوحيدية الثلاثة، ولكن يبدو أن لبنان من بين رواد هذه التغييرات، إذ يتخذ موقفاً أكثر تساهلاً". ويعتقد نشطاء من المجتمع المدني في لبنان أن مبادرات الزواج المختلط يمكن أن تتحول إلى ظاهرة واسعة، لكن ذلك يتطلب شروطا من أهمها الدعم القانوني ورعاية من المجتمع المدني، كما تشير صفير. وبالنسبة لسيرينا فإن زواجها من أنطوني له مقومات نجاح، وتعلل ذلك بأن زوجها أنطوني قاعور مسيحي مخلص، ولكن في ذات الوقت يقدر ويحترم دينها الإسلامي، وما يجمعهما هو القيم الإنسانية، وتنصح الزوجة الشابة المقبلين على الراغبين في الزواج المختلط: "عليهم أن يكونوا صريحين، وأن يختاروا شركائهم بعناية، والتفاهم حول تربية الأطفال دون إجبارهم على دين معين".

دويتشه فيله
الاحد 15 سبتمبر 2019