وهنا تكمن مفارقة المرحلة: لقد حسمت معركة الشرعية في الخارج، وانتقلت إلى الداخل، فالمواطن الذي صفق للعلم في المحافل الدولية بات يطرح سؤالاً أبسط في ظاهره وأعمق في جوهره: ماذا تغير في يومي أنا؟ وعلى جودة الجواب عن هذا السؤال يبنى رصيد المرحلة كلها.
والمجتمع الذي يطرح السؤال يتغير هو نفسه بسرعة لافتة، وقد عاد أكثر من مليون ومئتي ألف لاجئ خلال عام واحد، فارتفع عدد السكان قياساً بما كان عليه قبل التحرير.
إنه مجتمع شاب عائد، تلتقي فيه ذاكرتان إعلاميتان: جمهور عاش عقوداً تحت الإعلام الموجه، وجمهور اعتاد التعددية والنقد في المناطق المحررة وبلاد الشتات، ومن لقائهما تتولد حساسية عالية تجعل كلّ حادثة قابلة لأن تتحول خلال ساعات إلى موجة رأي عام.
وتحت هذا المشهد تتحرك طبقات أخرى تشد البنيان كله: بنية رقمية تنهض على عجل، إذ يتصل تسعة ملايين ونصف المليون سوري بالإنترنت فيما يبقى ثلثا المجتمع خارج الشبكة، وقد تضاعفت سرعات الإنترنت الخلوي في عام واحد؛ وجفاف يضغط على الزراعة والأرياف حتى صار الماء من ملفات الاستقرار الداخلي بامتياز؛ وإطار قانوني انتقالي ما زالت قوانينه الكبرى، من الاستثمار إلى الإعلام، قيد الكتابة.
وفي قلب هذا كله يقف الإعلام شاهداً وفاعلاً في آن واحد، يشبه المشهد الإعلامي السوري اليوم مدينة فتحت أبوابها بعد حصار طويل: أكثر من أربعمئة وخمسين ترخيصاً صدرت لمؤسسات جديدة، ووسائل عادت من المنفى محملة بخبرة السنوات الصعبة حتى تجاوزت صفحات كبراها اثني عشر وستة عشر مليون متابع، وإعلام رسمي يبني مصداقيته حجراً فوق حجر، وجيل من صناع المحتوى الأفراد تخطت قنواتهم جمهور المؤسسات العريقة. حرية لم يعرفها السوريون منذ نصف قرن، وسوق واعدة لم تجد بعد ميزانها، إذ لا يملك أحد حتى الآن قياساً موثوقاً لمن يشاهد ماذا.
على أن قراءة هذا المشهد بعين الإنصاف تقود إلى خلاصة مطمئنة في عمقها: إن ما تعيشه سوريا هو مخاض بلد يولد من جديد، وكل ما نراه من فجوات وضغوط هو الوجه الطبيعي للحظات التأسيس الكبرى في تاريخ الأمم. ومن يحسن تحليل البيئة بأبعادها كلها يدرك أن المؤشرات العميقة تتجه صعوداً: شعب يعود، واقتصاد يتنفس، وشباب يشكلون ثلث المجتمع، وحرية تتسع، وعالم يفتح ذراعيه.
والموفق في مثل هذه اللحظات من يحسن قراءتها بأفقها الواسع، فيرى الاتجاه العام قبل العثرة العابرة، ويبني للسنوات قبل العناوين، ويسعى نحو الأفضل والتقدّم إلى الأمثل بخطى ثابتة، بينما يفوت خير هذه اللحظة من يستغرق في المحطات والمواقف اليومية حتى تحجب عنه الطريق. فالبلاد التي تكتب نفسها من جديد تكافئ أصحاب النظرة البعيدة، والصفحات الأولى من كل كتاب عظيم هي التي تصنع روحه، وهذه الصفحات تكتب الآن.
---------
الثورة


الصفحات
سياسة








