عن خلافات أهل الحكم في سوريا

20/09/2019 - أكرم البني


سوريا في مواجهة وحش «التتريك»



وسط الأزمة الإيرانية الأخيرة، التي تُحدِث كثيراً من الضوضاء وتصدر جلبة مخيفة، يكاد المتابع لشؤون الشرق الأوسط وشجونه يغفل وحشاً آخر يقترب الهوينى من المنطقة بأطماع استعمارية تاريخية، لا تختلف في توجهاتها العرقية وعداواتها التاريخية عما تفعله إيران في المنطقة.
الوحش المقابل للعالم العربي في حاضرات أيامنا هو وحش «التتريك»، بمعنى المحاولات الجارية على قدم وساق من قبل تركيا إردوغان، من أجل بسط صبغتها على جيرانها من العرب، وسوريا في المقدمة، ولو كان الحظ أوفى لها عبر أذرع «الإخوان المسلمين»، لكانت الآن تقرأ أحلامها القديمة من جديد، لكنه من حسن الطالع أن تم وأد المشروع في مهده.


فارق شاسع بين تركيا كمال أتاتورك الذي طلب قبل وفاته من كبير دبلوماسييه، نعمان منمنجي أوغلو، عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة، وتجنب المغامرات العسكرية الساعية إلى ضم الأراضي، الأمر الذي جنَّب تركيا ويلات الحرب العالمية الثانية، وتركيا إردوغان التي تسيطر دون أي وجه حق على أراضٍ عربية في شمال سوريا، وتحاول تغيير معالم وملامح الأوضاع الجغرافية والديموغرافية، بل أبعد من ذلك، إنها تسعى إلى محو الثقافة العربية من الأصل عبر أذرع عديدة، منها اللغة والعملة والإعلام.
تتريك سوريا خطة تركية ممنهجة منذ أن دخلت قواتها مناطق الشمال بحجة مقاومة الأكراد المتمردين، وقد بدأت فصولها من خلال مناهج تعليمية مصبوغة بصبغة تركية مطلقة، وبلغة لا علاقة لها بالعربية، وفي خلفيتهم التاريخية الاستعمارية أن هزيمة أي شعب أو أمة تبدأ من عند نقطة إزالة الرصيد الحضاري، وتدمير المعين التاريخي الذي تقوم به اللغة بتقوية جدار النسيج الاجتماعي، والحقد التركي على اللغة العربية تشهد به أحداث عديدة طوال العهد العثماني البائد.
الذين قُدّر لهم السير في شوارع شمال سوريا، حيث الاحتلال التركي الأحدث، اكتشفوا قدر النيات المستقبلية للخلافة الوهمية، التي تظن أن التاريخ يرجع إلى الوراء، عبر إطلاق أسماء تركية على الشوارع، وتغيير أسمائها العربية، بل إلى أبعد من ذلك، فقد حرموا الآباء من تسمية أبنائهم بأسماء عربية، وفرضوا عوضاً عنها أسماء تركية.
الخطة التي نتحدث عنها لا توفر الحياة الاقتصادية للسوريين في تلك المنطقة، حيث عمد الاحتلال العثمانلي الجديد إلى بلورة اقتصاد تركي تابع لأنقرة وإسطنبول مباشرة، وبحيث يكون منبتّ الصلة عن دمشق وكبريات المدن السورية، من خلال مجموعة من البنوك التركية المباشرة، التي لا تتعاطى إلا بالعملة التركية، ولا علاقة لها باقتصادات سوريا، ليضحي التغيير شكلاً وموضوعاً.
ما تفعله تركيا في شمال سوريا منافٍ ومجافٍ لجميع الشرائع الدولية، التي تمنع المحتل من أي محاولة لتغيير الهوية التاريخية أو السكانية للأراضي التي يحتلها، ومع ذلك نرى إردوغان وصحبه يقومون بطرد العرب السوريين من مدنهم وقراهم واستبدال بهم وبشكل فج ومباشر، إرهابيين يدورون في فلك الحكومة التركية، التي تيسر لهم التنقل من وإلى سوريا، والدليل على مصداقية ما نقول به توطين الإرهابيين النازحين من الغوطة الشرقية، محل السكان الأصليين، في مناطق مثل إقليم عفرين السوري بنوع خاص.
يكتب الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي، مايكل يونغ، من معهد كارنيغي للشرق الأوسط حول امتلاك تركيا تطلعات استعمارية جديدة في شمال سوريا، مشيراً إلى نيات تركية طويلة المدى في ضم الأراضي السورية إليها مرة وإلى الأبد، بل إن من يقرأ بعمق وتحليل لما يقول، يدرك أن تنظيم «داعش» لم يكن إلا أداة من أدوات تركيا، لتحقيق مطامعها التاريخية في الأراضي السورية، فالأراضي التي استولت عليها تركيا منهم باتت مجبرة على التعاطي باللغة التركية، والمستشفيات يتم فيها الإحلال والاستبدال بأي عنصر عربي، آخر تركياً، بينما تشي معطيات عدة، مثل إشارات السير التركية، وقوات الشرطة المدربة على أيدي أتراك، ومكاتب البريد التي بناها أتراك، إلى أن الدور التركي يتنامى باطراد وبشكل ينذر بالبقاء طويلاً، ودون خطة للانسحاب في المدى المنظور.
ليس سراً القول إن الأتراك لديهم مشروع هيكلة جديدة لمنطقتي عفرين وجرابلس اللتين تسيطران عليهما الآن، وحديث المسؤولين الأتراك في الفترة الماضية لم يبخل بالإشارة إلى كونهما أراضي كانت خاضعة للاحتلال العثماني من قبل.
تركيا اليوم تضيف فصلاً جديداً من فصول الاستيلاء على الأراضي العربية السورية، وقد كان الفصل الأول متمثلاً في احتلال لواء إسكندرون، الذي لا يزال يُعتبر في سوريا المحافظة الخامسة عشرة، ويُطلق عليه «اللواء السليب»، وحتى لا تنسى الأجيال العربية السورية ما فعله الاحتلال طوال العقود الماضية.
ولعل السؤال المثير ختاماً: «هل تستغلّ تركيا حالة الارتباك الحادثة في المنطقة لإشعال حروبها العرقية، وإحياء نزعتها القومية المتطرفة، التي لا تحمل خيراً للعرب؟».
يقتضي الجواب تنادياً عربياً - عربياً، للوقوف صفاً في مواجهة أطماع تركيا ومشروعاتها الاستعمارية في المنطقة العربية.
الخلاصة: التتريك الوجه الآخر لعملة «الإخوان» والإرهاب.
--------------
الشرق الاوسط
 

إميل أمين
الجمعة 24 ماي 2019