تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

واقع النخب في سوريا اليوم

18/08/2026 - حسام جزماتي

نحن وحاييم والماضي المستمر

13/08/2026 - يوسف بزيا

داخل مكتب الرئيس 11

01/08/2026 - سامر حبيب


سوسيولوجيا التملّق السوري: ردٌّ على نوّار نجمة ومقاله “مكر التاريخ”





بينما ينتقد نجمة في مقاله العقل العربي الغارق في الخرافات والانقلابات العسكرية التي "تجتر الشعارات الكبرى وتبحر في محيطات الصغائر"، فإنه يعجز تماماً عن تقديم البديل التنويري أو المؤسساتي أو الديمقراطي


 ‎طالما شكّل  التاريخ ، بأحداثه وتحولاته ومفاصله الكبرى، مادة دسمة للاستدعاء والتوظيف السياسي، لا سيما في لحظات الانكسار الجيو سياسي والتحولات البنيوية العميقة التي تشهدها الدول والمجتمعات. في هذه اللحظات الفاصلة، يتحول التاريخ إلى فرصة تسعى من خلاله النخب البيروقراطية والمتلونة إلى إيجاد مظلات معرفية تبرر قفزها السريع من المركب الغارق إلى المركب الثاني الجديد. في هذا السياق بالذات، يأتي مقال “مكر التاريخ” للكاتب نوّار نجمة، ليقدم نموذجاً كلاسيكياً فجاً على كيفية استخدام السرد  التاريخي لذر الرماد في العيون كآلية وظيفية. إن المقال في جوهره لا يستهدف قراءة التحولات التاريخية قراءة مجردة أو تنويرية، بل يسعى إلى صياغة تبرير فلسفي لظاهرة “التكويع” السياسي السريع، والتنصل من إرث عقود من الولاء المطلق لـ”بيت الأسد” طمعاً في خطب ود السلطة الجديدة بقيادة أحمد الشرع في مرحلة ما بعد الثامن من كانون الأول 2024.

مراجعجغرافية
 

‎لا يمكن بأي حال من الأحوال قراءة نص نوّار نجمة، بمعزل عن خلفيته السوسيوسياسية وسياقه العائلي المباشر، فالكاتب ليس مثقفاً مستقلاً، بل هو ابن الدبلوماسي السابق إلياس نجمة، الذي أمضى عقوداً طويلة يمثل نظام الأسد في المحافل الدولية، نافحاً عن أطروحاته وشرعيته ومشكلاً جزءاً لا يتجزأ من الماكينة الدبلوماسية الرسمية للمنظومة السابقة. وهو الموقع الذي لا يُمنح إلا عبر قنوات التزكية والولاء المطلق للأجهزة الحاكمة.

‎وتتجلى مفارقات هذا الامتداد في أنه بينما كان والده يشغل منصب سفير النظام البائد في فرنسا ويدافع عن شرعيته في قلب العواصم الأوروبية، كان نوّار نجمة نفسه طالباً يتابع دراسته في كلية الطب بجامعة باريس، مستفيداً من ريع تلك الحظوة العائلية والدبلوماسية . يتبدى التناقض الصارخ والانفصام الفكري في نص نجمة عندما يستشيط غضباً فجائياً على “الجيوش الطائفية” و”علب الصفيح العشوائية المذهبية التي أحاطت بدمشق”. إن هذا الوصف التشريحي لآليات المنظومة السابقة والمشروع الإيراني الملحق بها، يأتي اليوم من قلم شخص كان حتى الأمس القريب والده جزءاً من المؤسسة التشريعية والسياسية التي شرعنت وجود هذه القوى، وصوّتت على الميزانيات والاتفاقيات، وغطت الممارسات الطائفية والميدانية بالصمت والمباركة والتصفيق. إن غياب أي ملمح من ملامح “النقد الذاتي” أو المراجعة الأخلاقية الشجاعة في المقال يحول الهجوم على “نمور الورق” في طهران وبيروت من موقف فكري مبدئي إلى مجرد “هجاء سياسي ووظيفي” مطلوب لتقديم أوراق الاعتماد والولاء للسلطة المنتصرة. إن هذا التحول الجذري السريع ليس صحوة ضمير معرفية، بل هو آلية دفاعية غايتها حجز مقعد مريح في حافلة العهد الجديد.

العربوشعوب الشرق الأوسط
 

‎يقع نوّار نجمة في فخ “الانتقائية التاريخية الفاضحة” عندما يبدأ بسرد مفاصل من التاريخ الإسلامي، حيث يركز مدفعه النقدي واستهزاءه على صراعات الإمامة والنفوذ لدى الفاطميين، وأتباع إسماعيل بن جعفر الصادق وموسى الكاظم، وصولاً إلى مغامرات حسن الصباح في قلعة ألموت وجماعة الحشاشين. يسعى الكاتب من خلال هذا الحفر الانتقائي إلى إيصال رسالة محددة تخدم سرديته الآنية: تصوير المحور السياسي والمذهبي المهزوم في دمشق وبيروت على أنه امتداد تاريخي طبيعي لتلك الحركات الباطنية أو القلاع المعزولة الغارقة في الخرافة والمؤامرات والاغتيالات السياسية.

‎إن حصر الكاتب لظاهرة الصراع على السلطة، وتغيير المذاهب، والاغتيال السياسي في بقعة جغرافية وعقائدية بعهدة (الفاطمية والإسماعيلية) يمثل عملية تسطيح معرفي متعمد. فهو يحاول إيهام القارئ بأن بقية فترات التاريخ الإسلامي كانت واحة من الاستقرار السلمي والديمقراطي، وأن المأزق الطائفي أو الدموي طارئ وغريب عن “الجسم الطبيعي”. هذه القراءة المبتسرة لا تهدف إلى التنوير، بل تفضح رغبة الكاتب في التماهي التام مع المزاج السياسي والعقائدي السائد للسلطة الحالية، عبر شيطنة الخصوم المهزومين تاريخياً وعقائدياً، متناسياً أن التاريخ لا يمكن تجزئته لخدمة أوراق اعتماد سياسية مؤقتة.

تاريخ
 

‎أمام هذا التسطيح والانتقائية الفاضحة التي مارسها نجمة، يتجلى التهافت الفكري لأطروحته بوضوح عند تذكر الحوادث بالأدلة والوثائق التاريخية  أن الصراع الدموي على السلطة والاغتيال السياسي لم يكن يوماً حكراً على فرقة دون أخرى، أو طائفة دون غيرها، بل كان “بنية أساسية” ورافداً ملازماً للتاريخ السياسي الإسلامي منذ الصدر الأول وفي أوج عهود الخلافة.

‎فكما إن معظم الخلفاء والانتفاضات السياسية في صدر الإسلام وفي العهدين الأموي والعباسي انتهت بالاغتيالات والحروب الطاحنة (بدءاً من استشهاد ثلاثة من الخلفاء الراشدين في صراع حول طبيعة الحكم والولاية، وصولاً إلى مجازر العباسيين التي تتبعت بني أمية حتى القبور). أن هذه الصراعات كانت صراعات بشرية دنيوية محصورة على كُرسي الحكم والنفوذ والثروة، وليست حروباً مقدسة أو صراعاً بين حق ومطلق. بالتالي، فإن قفز نوّار نجمة فوق هذه الحقائق الكبرى واستهدافه حقبة تاريخية مذهبية بعينها دون سواها، يثبت أنه لا يكتب قراءة تجريدية، بل يمارس “بروباغندا طائفية ” غايتها التقرب من الحاكم الجديد عبر استعارة أدبياته الإقصائية ذاتها، مسقطاً من حسابه الأمانة العلمية والعمق المعرفي.

سياسة
 

‎في محاولة لشرعنة هذا التحول المباغت، يسقط الكاتب في مغالطة سوسيولوجية فادحة عندما يدعي أن تحول الشعوب والمذاهب بين ليلة وضحاها (كما حدث في مصر الفاطمية حسب زعمه) هو استجابة لـ”الطبيعة البشرية”، وأن يوم 8 كانون الأول أعاد الناس “كما كانوا” لأن “المستحيل هو تغيير الطبيعي”. إن الكاتب هنا لا يتحدث عن سوسيولوجيا الشعوب، بل يحاول صياغة “صك براءة أخلاقي ونفسي” لتحوله الشخصي وتحول النخب التي يمثلها، فالمقال عبارة عن رسالة تبريرية ذاتية مفادها: “نحن لم نغير مواقفنا تملقاً أو خوفاً، بل استجبنا للطبيعة البشرية والحتمية التاريخية التي تجعل المقاومة عبثية”.

‎هذا التبسيط أن التحولات الكبرى والدستورية في سورية هي مجرد عودة عفوية وتلقائية لـ”لطبيعة”، هو استنتاج ساذج.. لأن التغييرات كانت نتاج صراع دامٍ وممتد وتوازنات قوى دولية ومحلية شديدة التعقيد، وتضحيات هائلة قدمها شعب كامل طوال سنوات. إن تصوير انهيار المنظومة السابقة كأنه فعل عادي وطبيعي يتجاهل المسؤولية الجنائية والسياسية للنظام الذي كان الكاتب ووالده جزءاً منه، ويختزل الثورة والتحول الاجتماعي المعقد في معادلة تبسيطية باردة تشبه “موت إمام وولادة إمام آخر” لملء الفراغ البيروقراطي.

‎بينما ينتقد نجمة في مقاله العقل العربي الغارق في الخرافات والانقلابات العسكرية التي “تجتر الشعارات الكبرى وتبحر في محيطات الصغائر”، فإنه يعجز تماماً عن تقديم البديل التنويري أو المؤسساتي أو الديمقراطي. إن الهجوم الحاد على “الحروب العبثية العدمية” للمحور المهزوم، وسقوط “نمور الورق” في طهران وبيروت، لا يقابله في المقال أي رؤية حقيقية لبناء دولة المواطنة، أو القانون، أو العدالة الانتقالية، بل يكتفي بالمسارعة للترحيب بـ”أعتاب نصر كبير في الشام”.

مراجعجغرافية
 

‎هذا الانتقال السريع والمباشر يكشف أن العقلية التملقية للنخبة البيروقراطية لم تتغير في جوهرها وأدواتها، بل تغير فقط موضوع المديح ووجهة القبلة السياسية. الكاتب مستعد على الفور لإعادة إنتاج نفس آليات التملق والتسويق للحاكم الجديد، مستبدلاً شعارات “المقاومة والممانعة” البائدة بقرابين المديح لـ”العهد الجديد”، مما يثبت أن الأقلام البيروقراطية لا تبحث عن الحقيقة أو مصلحة الشعوب، بل تبحث دائماً عن مظلة السلطة المنتصرة أياً كان لون رايتها أو منطلقاتها العقائدية.

‎إن “مكر التاريخ” الحقيقي والمفارقة الساخرة لا تكمن في انهيار الدول وتغير المذاهب كما حاول نوّار نجمة أن يثبت في معالجته الأدبية، بل تكمن في قدرة النخب والرجالات الذين ترعرعوا في كنف الاستبداد على إعادة تدوير أنفسهم، وتغيير جلودهم السياسية والفكرية بين ليلة وضحاها بلا خجل أو حرج أخلاقي. لقد أراد نوّار نجمة في مقاله هذا أن يغسل يديه و تاريخ عائلته من إرث النظام السابق عبر تبني سردية هجائه، ولكنه من حيث لا يدري، قدم وثيقة دامغة تدين الهشاشة الفكرية والانتهازية السياسية للنخب التي تقتات دائماً على موائد المنتصرين، وتثبت أن “المستحيل” الحقيقي ليس تغيير المذاهب، بل هو زرع المبدأ الأخلاقي الثابت في نفوس أدمنوا التملق لكل من يعتلي العرش.

‎مما يثبت أن الأقلام البيروقراطية لا تبحث عن الحقيقة أو مصلحة الشعوب، بل تبحث دائماً عن مظلة السلطة المنتصرة أياً كان لون رايتها أو منطلقاتها العقائدية

‎إن “مكر التاريخ” الحقيقي والمفارقة الساخرة لا تكمن في انهيار الدول وتغير المذاهب كما حاول نوّار نجمة أن يثبت في معالجته الأدبية، بل تكمن في قدرة النخب والرجالات الذين ترعرعوا في كنف الاستبداد على إعادة تدوير أنفسهم، وتغيير جلودهم السياسية والفكرية بين ليلة وضحاها بلا خجل أو حرج أخلاقي. لقد أراد نوّار نجمة في مقاله هذا أن يغسل يديه وتاريخ عائلته من إرث النظام السابق عبر تبني سردية هجائه، ولكنه من حيث لا يدري، قدم وثيقة دامغة تدين الهشاشة الفكرية والانتهازية السياسية للنخب التي تقتات دائماً على موائد المنتصرين، وتثبت أن “المستحيل” الحقيقي ليس تغيير المذاهب، بل هو زرع المبدأ الأخلاقي الثابت في نفوس أدمنوا التملق لكل من يعتلي العرش.

‎يا سيد نجمة، إن الاستدعاءات التاريخية التي توظفها في مقالاتك لتبرير التحولات وفرض الرؤى السياسية لا تستقيم مع الحقائق العلمية. فأيام حكم الفاطميين لمصر، لم يجبر الإسماعيليون أحداً على الدخول في مذهبهم، إذ لم يكن ديناً تبشيرياً ، بل احترموا التعددية المجتمعية والشرائع القائمة هناك.

‎كفى عسفاً  بالتاريخ ومحاولة لَيّ عنق الأحداث لتمرير الحاضر يا سيد نوار نجمة!  التاريخ يُعلمنا أيضاً في موازناته السياسية الكبرى أن الحسن بن علي بن أبي طالب بايع معاوية بن أبي سفيان لحقن الدماء وحفظ
السلم الأهلي، و ليس للإحتماء ولا للمسارح السياسية التي تتقنون اعتلاءها
------------
العربي القديم

 
 

 


نوار الماغوط
الاربعاء 26 أغسطس 2026