عيون المقالات

الطبل في إدلب والعرس شرق الفرات

19/09/2021 - باسل المعراوي

المختفون قسرياً.. جريمة متمادية

16/09/2021 - عبد الحسين شعبان

الصراع على البادية..انسحاب أميركي أم معركة المعارك؟

15/09/2021 - العقيد عبد الجبار العكيدي

المثقف الآن وفي كل آن

12/09/2021 - د. أحمد برقاوي

درعا ، حوران والتاريخ

12/09/2021 - د- عبد الناصر سكرية


سيّد قطب ما زال يقودهم من قبره






المدخل ..ربما يستغرب كثيرون أننا نتحدث عن سيّد قطب اليوم، الذي انتهى مشنوقًا عام 1966، نتيجة الحكم عليه بتدبير انقلاب ضدّ قيادة “ثورة يوليو” التي كانت تحكم مصر آنذاك، حيث تزعّم قطب تنظيمًا داخل جماعة الإخوان المسلمين، واتُهم التنظيم بالعمل على تغيير نظام الحكم بالقوة في مصر.

والحديث عن سيّد قطب اليوم ليس ترفًا فكريًا، يلوكه التيار التنويري بلا أي معنى! ومن يفكّر بتلك الطريقة هو جزء من المشكلة! لكونه لا يعلم مدى تأثير سيّد قطب، حتى يومنا هذا، في التنظيمات الإسلاموية المتطرفة، وإنّ أيّ مشكلة لا تُعالج من جذورها ستنبعث مرة أخرى، بدليل أن مثل هذه التنظيمات المتطرفة تتوالد، بكلّ يسر وسهولة، لأن سيّد قطب ما يزال يحكم فكر وسلوك هؤلاء، من قبره!


سيّد قطب وتنظيم 65 أو تنظيم العَشَرات! بعد نجاح “ثورة يوليو”؛ انتسب سيّد قطب إلى جماعة الإخوان، على إثر خلافه مع قيادة الثورة في شباط/ فبراير عام 1954، حيث كان داعمًا لها، وبمقام مستشار للضباط الأحرار، فبدأت الخصومة معهم! ([1]). أصدر مجلس قيادة الثورة قرارًا بترخيص جديد لكلّ المجلات والصحف المصرية، وكان قطب قد كُلّف برئاسة تحرير صحيفة “الإخوان المسلمون”، وعبد الناصر يشغل في الثورة آنذاك منصب وزير الداخلية، فجاءه قطب ليحصل على ترخيص للصحيفة، وكانت بينهما معرفة جيدة، كونهما من حيث الأصل من مدينة واحدة “أسيوط”، فسأله عبد الناصر: “هل أنت من الإخوان يا أخ سيّد؟”، فأجابه: “لم أكن فكنتُ” ([2]). شكّلت مجموعة من الإخوان تنظيمًا داخل الجماعة! ترأسه قطب، اشتهر هذا التنظيم إعلاميًا باسم “تنظيم 65″، وإخوانيًا بتنظيم “العَشَرات”، لقضائهم عشر سنوات بالمعتقل، خمسة منها أيام عبد الناصر، والأخرى أيام السادات، حتى تم العفو عنهم بصفقة إخوانية/ ساداتية، لتوسيع عمل الصحوة الإسلامية من جهة، ولمواجهة التيارين الناصري والشيوعي في الجامعات من جهة أخرى. كان من مخططات التنظيم تفجير القناطر الخيرية ومحطات الكهرباء ومراكز الهاتف وشركة المياه، لإحداث فوضى، يتم خلالها اغتيال قيادات “ثورة يوليو”، وعلى رأسهم جمال عبد الناصر. فصدر الحكم عليه مع ثلاثة من رفاقه بالإعدام، وعلى بقية أفراد التنظيم بالمؤبّد، وتم تنفيذ الحكم، بالرغم من مناشدات رسمية وإسلامية لعبد الناصر، وقد أصدر مرشد الإخوان آنذاك حسن الهضيبي كتابًا، بعنوان (دعاة لا قضاة)، برَّأ من خلاله الجماعة من “تنظيم 65” وأفكار سيّد قطب. الفكري القطبي ودوره في محنه جماعة الإخوان في مصر بعد ثورة يناير 2011؟ إن فكر قطب له دور كبير بما جرى لجماعة الإخوان المسلمين في مصر بعد ثورة يناير، واصطدام الجماعة مع المؤسسة العسكرية التي أنهت حكمهم، وانقلبت عليهم، واعتقلتهم، وانتهت جماعة الإخوان بمصر، وقد كان لتنظيم 65 الدور الأبرز في هذه المحنة. سنة 1977، في مقر الجماعة، يأتي الخبر إلى المرشد بأن أحكامًا بالإعدام صدرت على أعضاء من التكفير والهجرة، بعد اغتيالهم للشيخ حسين الذهبي وزير الأوقاف آنذاك؛ فكتب المرشد عمر التلمساني رسالةً بعنوان (احذروا تنظيم العشرات فهم ليسوا إخوانًا)! وأُرسلت إلى الشيخ مناع القطان (مسؤول الإخوان في السعودية) وإلى الشيخ القرضاوي في قطر، وإلى بقية مسؤولي الإخوان في الخليج، قال فيها: هؤلاء هم تنظيم سيد قطب “تنظيم 65” من أصحاب الفكر التكفيري الذين قضوا في السجن عشر سنوات، وعندما خرجوا -أطلق السادات سراحهم- أطلقنا عليهم تنظيم العشرات، هؤلاء ينتمون إلى أفكار غير أفكارنا ([3]). زعيم التكفير والهجرة شكري مصطفى كان تلميذًا لقطب، ورفيقه في المعتقل، وهو معجب جدًا بأفكاره، ومن تنظيم العشرات سابقًا، وكان التلمساني بعد تفاهمه مع السادات لا يريد أن توصم الجماعة بأي عمل عنفي، ففي رسالة التلمساني التي ذكرنا بعضًا منها آنفًا، أورد أسماء بعض أعضاء تنظيم العشرات، ومنهم محمود عزت ومحمد بديع! حاول مصطفى مشهور أن يبرر رسالة التلمساني، حتى لا يُغْضِب تنظيم العشرات! ولكن كان الأمر قد انتشر. التلمساني يعرف أفكار قطب جيدًا، وكذلك تنظيم العشرات، لأنه كان معهم في المعتقل، وتم انتدابه من الجماعة لمناقشة أفكار قطب الراديكالية في المعتقل، وهو مدرك لخطورتهم، حتى قيل بأن هذا التنظيم خطف قطار الإخوان باتجاه آخر غير اتجاه المؤسس حسن البنّا. بعد نجاح ثورة يناير2011، جاء القرضاوي إلى مصر، ووجد هؤلاء يقودون الإخوان، محمد بديع ومحمود عزت وعزت الشاطر ومحمد مرسي، ويدافعون بشدة عن أفكار قطب؛ فسأل الدكتور سليم العوّا: “مَن هؤلاء؟”، متسائلًا عن فكرهم. فأجابه العوا: “إنهم تنظيم العشرات يا مولانا”. فردّ القرضاوي فاغرًا فاه: “أهم هم؟ أهؤلاء الذين حذّرنا منهم التلمساني في رسالته الشهيرة؟ أأصبحوا الآن قادة للإخوان!! إنا لله وإنا إليه راجعون”. وأدرك القرضاوي أن الفكر القطبي انتصر على الفكر البناوي -نسبة إلى حسن البنا- وأن الجماعة ذاهبة إلى مآلات خطيرة! ([4]). كيف حكمت أفكار قطب الجماعات المتطرفة؟ مَنْ درَس فكر سيد قطب فسيتبين له أن فكره يقوم على أربع مصطلحات فقط، هذا الفكر المنبثق عن تلك المصطلحات يوجب سلوكًا محددًا يجب أن يلتزم به من يؤمن به، وهو ما تؤمن به التنظيمات الإسلاموية المتطرفة كلّها، بدءًا من تنظيم التكفير والهجرة مرورًا بتنظيم القاعدة، ووصولًا إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وحتى جبهة النصرة بقيادة الجولاني الآن. هذه المصطلحات الأربعة هي “العزلة الشعورية”، و”العزلة الجغرافية”، وهي ناتجة عن المصطلحين الاثنين الأساسيين الذي نظّر لها قطب، وهما “جاهلية المجتمع” و”الحاكمية” ([5]). وسنقوم باستعراض المصطلحات الأربعة، ودورها في ثقافة وسلوك التنظيمات المتطرفة، لنثبت صدق ادّعائنا. أولًا: جاهلية المجتمع حَكَمَ سيد قطب في أفكاره المتأخرة التي كتبها في المعتقل، بعد خلافه مع مجلس قيادة ثورة يوليو ([6])، بأن المجتمع المصري مجتمع جاهلي، وبما أنه لا يرفض الحكم الناصري الذي يعدّه قطب حُكمًا مخالفًا لحاكمية الله، ولا يعمل بشرع الله، فبالتالي كلّ من رضيَ بحكم عبد الناصر، وانصاع له، فهو جاهلي، ولو أدّى شعائر الإسلام، ونطق الشهادتين! وحول تلك المسألة قال قطب: يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة… لا لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله، ولكنها تدخل في هذا الإطار، لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتهــا… فهي -وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله- تعطي أخص خصائص الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها، وشرائعها، وقيمها، وموازينها، وعاداتها، وتقاليدها….موقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية كلّها يتحدد في عبارة واحدة: أن يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها ([7]). ولم يكتفِ قطب بالحكم على المجتمع المصري بالجاهلية، إنما عمّم فكرته وحكمه على البشرية كلّها قائلًا: ارتدّت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظلّ فريق منها يردد على المآذن “لا إله إلا الله” ([8])،وهذا هو بالضبط حُكم التنظيمات المتطرفة اليوم على المجتمعات كلها. وشبّه المجتمعات الإسلامية بالمجتمعات الجاهلية قبل نزول رسالة الإسلام، من خلال مقارنة غريبة، إذ قال: إنما كان شركهم الحقيقي يتمثل ابتداءً في تلقّي منهج حياتهم وشرائعهم من غير الله، [لا عبادة الأصنام تقربًا واستشفاعًا إلى الله]، الأمر الذي يشاركهم فيه اليوم أقوامٌ يظنون أنهم مسلمون على دين محمد، كما كان المشركون يظنون أنهم مهتدون على دين إبراهيم ([9]). هذا بعض ما قاله قطب عن جاهلية المجتمع، ولو تدبّرنا ثقافة وسلوك التنظيمات الإسلاموية المتطرفة في هذا الباب، فسنجد أنها لم تخرج قيد أنملة عن أفكار سيّد قطب، التي تُدَرَّس في كهوف تلك التنظيمات حتى يومنا هذا، وهي قاموسهم المقدس فكريًا، كما أن فتاوى ابن تيمية قاموسهم المقدس فقهيًا! وكنا نعرف ذلك نظريًا، ولكن عندما تمت أسلمة الثورة السورية، وجاء المهاجرون القطبيون المنتمون إلى السلفية الجهادية، رأيناهم كيف يطبقون ذلك. فكان حُكمهم على المجتمع السوري بأنه مجتمع جاهلي، سواء أكان مع النظام أم مع الثورة، فمن لا يقبل بالحاكمية الإلهية، ولا يُكفِّر من لا يقبل بها، فهو من هذا المجتمع الجاهلي، مهما فعل في الثورة، ولذلك اعتبروا كل من لا يقبل بأفكارهم هم (صحوات)، وقد أعدموهم في معتقلاتهم، واغتالوا عددًا كبيرًا من الناشطين الثوريين الإعلاميين وغيرهم، بتلك الذريعة. بل أكثر من هذا، حتى التنظيمات الجهادية الإسلاموية كـ “أحرار الشام” و”أحفاد الرسول” وغيرهما، حُكم عليهم بالجاهلية، ولاقوا إعدامات بالجملة من تنظيم “داعش”، بذريعة جاهليتهم، ولم يسلم بعض من المدنيين من تلك الفتوى، فكثيرون قضوا نحبهم بسبب هذه الرؤية القطبية، ولذلك نقول: ما زال سيّد قطب يقودهم من قبره! ثانيًا: العزلة الشعورية؟ أسس سيد قطب نظرية العزلة الشعورية، عندما أدلجها في كتابه “في ظلال القرآن”، كنتيجة حتمية لقناعته بجاهلية المجتمع قائلًا: “هنا يرشدنا الله إلى اعتزال معابد الجاهلية التي هي المساجد التي نعبد الله فيها واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد نحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي” ([10]). وشدد على وجوب الإيمان بتلك العزلة، ليصحَّ إيمان عضو الجماعة فقال: “لا نجاة للعصبة المسلمة في كل أرض من أن يقع عليها العذاب إلا بأن تنفصل عقيديًّا وشعوريًّا ومنهج حياة عن أهل الجاهلية من قومها، حتى يأذن الله لها بقيام دار إسلام تعتصم بها، وإلا أن تشعر شعورًا كاملًا بأنها هي الأمة المسلمة، وأن ما حولها ومن حولها ممن لم يدخلوا فيما دخلت فيه جاهلية، وأهل جاهلية” ([11]). هنا، ألزم قطب كل منتسب إلى تلك التنظيمات المتطرفة في الإيمان بجاهلية المجتمع! لذا يجب أن يعتزله، ولكون العزلة الجغرافية غير ممكنة التحقق، أيام سيد قطب، فلا بد من أن يعيش العزلة الشعورية أولًا! لذلك حتى أعضاء جماعة الإخوان المسلمين آنذاك أطلقوا على المؤمنين بأفكار قطب، قبل انكشاف تنظيمهم ومحاكمتهم، اسم “الغرباء”، لكونهم غريبين عن الجميع في كلّ شيء. والعزلة الشعورية هي صناعة رابطة نفسية روحية عَقَدية بين أعضاء التنظيم، ليعيش العضو تلك العزلة مع وجوده في الجغرافية الجاهلية. وهذه العزلة تمنعه من الذوبان في المجتمع الجاهلي، والاندماج فيه! فلا تغدو ثقافة المجتمع الجاهلي ذات تأثير فيه، وهي -علميًا- مسألة نفسية، ولو أننا حللناها فسنجد أنها خادمة لفكرة طاعة الأمير دون أي مخالفة، وخادمة كذلك لتماسك التنظيم. وإن تحليل العزلة الشعورية يُظهر أنها نوع من إعادة صياغة الدين، وفق مفاهيم سياسوية خادمة لمشروعية التنظيم بطريقة دينية، فهي تصنع عقيدة سياسوية/ دينية مغلقة! لا تقبل مجرد النقاش فيها مع الآخرين، وتستهزئ بأي فكر آخر يخالفها! ومن سلوكاتها، خلوة العضو المنظم لتلك الجماعات مع نفسه، مرتين يوميًا على الأقل، ومرة أو أكثر أسبوعيًا مع أعضاء جماعته، ليتخيلوا أنفسهم أنهم يعيشون وحدهم في مجتمع مثالي إسلامويًا، لا يشاركهم فيه أحد من المجتمع الجاهلي! فبالعزلة الشعورية الفردية، يتلو الفرد أذكارًا دينية، ويقرأ القرآن وتفسيراته من خلال أعلام تلك التنظيمات شرطًا! وتُمنع عليه القراءة لأي عالم إسلامي آخر، مهما علا كعبه! أما في العزلة الشعورية الجماعية، فيتحلقون حول بعضهم، ويشبّكون أيديهم، ويقرؤون وِرْدًا دينيًا مملوءًا بالدعاء من أجل نُصرة الجماعة، وينتهي الوِرْد بالدعاء من أجل تحقيق حاكمية الله عزّ وجل التي بايعوا أميرهم عليها، أو الموت دونها! ويترتب على العزلة الشعورية سلوكات أخرى، تتمثل بأن عضو التنظيم لا يحقّ له أن يخالط الآخرين المختلفين مع أيديولجيته، ولا يشتري من محلّ طعام أو لباس إلا من عضو معه في التنظيم، والأكثر خطورة أن العزلة الشعورية يجب أن تولِّد اعتقادًا عند العضو بأن الأخ “الأيديولوجي” أقرب وأهمّ من الأخ “البيولوجي”! كذلك فإن صاحب العزلة الشعورية لا يصلّي الجمعة، اقتداءً بسيّد قطب، الذي كان يعدّ كل مساجد العالم مساجدَ ضرارٍ لا تجوز الصلاة فيها! لكونها مقدمة للانخراط بالمجتمع الجاهلي ([12]). هذه البِدعة القطبية تناولتها التنظيمات المتطرفة إسلامويًا، وعملت بها، وطبقتها تمامًا، كمرحلة انتظار تحقيق الحلم، بتحقيق النصر وإقامة مجتمع إسلاموي، وزادت عليها، من أفكار أبي الأعلى المودودي، ما أطلق عليه المودودي “التميز عن المجتمع” حتى في الهيئات، فجاء كتابه “الحجاب” سنة 1964، ومعه دخلت ظاهرة الحجاب العالم الإسلامي عصر الصحوة، وذكوريًا كان التميز بـ “لحية القيامة”، حيث تترك اللّحية دون تهذيب مهما طالت، وهذا اعتقاد يهودي لا علاقة للإسلام به، وكذلك أدخل الثوب “الباكستاني” أو ما يُعرف خطأً بالثوب الأفغاني، حيث يكون ثوب الرجل قصيرًا جدًا، وتحته بنطال من جنسه، الذي بات يتميز به أعضاء تنظيم القاعدة سابقًا وطالبان، وكذلك فيما بعد عناصر “داعش” و”النصرة”، وبذلك ما زال سيد قطب يقودهم من قبره! ثالثًا: العزلة الجغرافية؟ العزلة الجغرافية لها مرحلتان: مرحلة قبل التمكين، وأخرى بعد التمكين؛ فقبل التمكين تكون من خلال معسكرات صغيرة، يخرج إليها أعضاء التنظيم، للتدريب على الرياضة واستخدام السلاح، بحجة أنهم ذاهبون إلى الترفيه في الإجازات، ولها بُعدٌ فقهي كذلك، لإسقاط فرض الجمعة عن الجماعة ومفارقة الجماعات المسلمة، فكما هو معلوم فقهيًا أن صلاة الجمعة في المسجد وحضور خطبتها فريضة، لذلك بخروجهم يوم الجمعة إلى الريف، تسقط عنهم فريضة الجمعة! أما بعد التمكين، فهي الحيّز الجغرافي الذي يعيش فيه التنظيم بعد أن يستغلّ فوضى ما، في بلدٍ ما، فيتخذ لنفسه معسكرات منعزلة جغرافيًا عن المجتمع الجاهلي، تعيش فيها عناصر التنظيم مع أسرهم، بحيث تتربى المرأة والأطفال بالعزلة الجغرافية، وتعيش أفكارها، وتمارس حياتها على نظم وقوانين الجماعة، ولا تقبل قوانين غيرها! حتى لو كانت إسلامية ([13])، وهذا ما مارسته العائلات الداعشية، حتى بعد أسرها واعتقالها في مخيم الهول بمحافظة الحسكة، إذ ما زالت تعيش العزلة الشعورية والجغرافية حتى داخل المعتقل. أطّر سيد قطب العزلة الجغرافية لأنصار تنظيمه، ولمن آمن بأفكاره من بعد، كخطوة تلي العزلة الشعورية عند التمكين في تفسير الآية الكريمة: {وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} يونس:87. بعد أن قرر فيما سبق دخول مسلمي العصر في إطار المجتمع الجاهلي، حيث قال: “هنا يرشدهم الله إلى اعتزال معابد الجاهلية (مساجدها)، واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد تحسّ فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي” ([14]). وقد علل قطب نظريته تلك بتكفير المجتمعات كلها، فشرعنها قائلًا: إنه ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم، قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله والفقه الإسلامي ([15]). وهذا الأمر تحقق لتلك الجماعات الإسلاموية المتطرفة، عندما تسللوا إلى سورية، بحجة نُصرة السوريين المظلومين ضد نظام الأسد، ولكنهم بنوا معسكراتهم وعاشوا في مناطق منعزلة جغرافيًا عن المجتمع الجاهلي في مجمعات سكنية لا يساكنهم فيها أحدٌ ممن لا يؤمن بأفكارهم. وعندما سيطر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” على مناطق شاسعة من سورية، بقي أعضاؤه يعيشون في مناطق سكنية خاصة بهم، لتطبيق العزلة الجغرافية، وكذا فعل تنظيم جبهة النصرة قبل تغيير اسمه! ومن أكثر المؤمنين بالعزلة الجغرافية، الحزب التركستاني، وكذلك تنظيم “حرّاس العقيدة”، الموجودان في سورية اليوم! وهؤلاء مؤدلجون بدرجة متطرفة جدًا. ولهذا كلّه ما يزال سيد قطب يقودهم من قبره. رابعًا: الحاكمية: يُعدُّ سيّد قطب أهمّ منظري الحاكمية عربيًا، والتنظيمات المتشددة تبنت أفكاره، وعملت بها، ولقد طرحها من خلال كتابيه “في ظلال القرآن”، و”معالم في الطريق”، ونال هذان الكتابان شهرة عربية واسعة. يبدأ بالتنظير لها بقوله: “والذين لا يفردون الله بالحاكمية، في أي زمان وفي أي مكان، هم مشركون، لا يُخرجهم من هذا الشرك أن يكون اعتقادهم أن لا إله إلا الله مجرد اعتقاد، ولا أن يقدموا الشعائر لله وحده” ([16]). وينتج عن هذا الاعتقاد القطبي تكفير المجتمعات المسلمة كلّها، مهما فعلت، وهذا ما انتهى إليه قطب نفسه بقوله: “ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم” ([17]). هذا الاعتقاد القطبي مخالف لهدي النبي ﷺ الذي عدَّ النجاشي مؤمنًا، لمجرد اعتقاده بالله، فصلّى عليه حين موته، على الرغم من أن النجاشي لم يطبّق شيئًا من الحاكمية التي ابتدعها قطب! لكن عدم تطبيق حاكمية الله، عند قطب، يلغي وجود الإسلام، وبذلك يكون كل مسلم، وإن أدى الشعائر ونطق الشهادتين، من أهل الجاهلية، من دون أدنى شك عنده، إذ قال: “إن وجود الإسلام قد توقّف… هذا طريق، والطريق الآخر أن تظن هذه الحركات لحظة واحدة أن الإسلام قائم، وإن هؤلاء الذين يدّعون الإسلام ويتسمّون بأسماء المسلمين هم فعلًا مسلمون…فإن سارت الحركات في الطريق الأول سارت على صراط الله وهداه… وإن سارت في الطريق الثاني، فستسير وراء سراب كاذب” ([18]). ثم يكشف قطب عن البعد السلطوي والسياسي لمفهوم الحاكمية، بقوله: “إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان، إفراده بها اعتقادًا في الضمير وعبادة في الشعائر وشريعة في واقع الحياة ([19])”. ويبدو البعد السياسي لمفهوم الحاكمية واضحًا عنده، إذ يقول: “وليس الطريق أن نخلّص الأرض من يد طاغوت روماني أو طاغوت فارسي إلى يد طاغوت عربي، فالطاغوت كله طاغوت، إن الأرض لله… وليس الطريق أن يتحرر الناس في هذه الأرض من طاغوت إلى طاغوت، إن الناس عبيد الله وحده لا حاكمية إلا لله، لا شريعة إلا من الله، ولا سلطان لأحد على أحد، وهذا هو الطريق” ([20]). إنه ينطلق من الحاكمية، ويريد السياسة والسلطة، وهذا واضح في قوله: “إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان إفراده بها اعتقادًا في الضمير وعبادة في الشعائر وشريعة في واقع الحياة” ([21]). حينما طرح ابن تيمية، في القرن الثامن الهجري، تقسيمات التوحيد، وغدت من مُسلمات الإيمان والاعتقاد عند اتباع المنهج السلفي، أسس شرعيًا لمفهوم التوحيد الذي يجب أن يلتزم به أتباع مدرسته، واتّبعه في ذلك التقسيم الملايين من المسلمين، حيث بيَّن أن التوحيد يقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، ثم علّلها، لاهوتيًا، وآمن بها التيار السلفي بمختلف مدارسه، ولكن ابن تيمية أبقاها ضمن المفهوم اللاهوتي، ولم يتكلم بها من منظور سياسي. والأشاعرة ردوا عليه بشدة، ورفضوا تلكم التقسيمات، واعتبروها بدعة ما أنزل الله بها من سلطان. جاء سيد قطب ليضيف التوحيد الرابع لهم، حيث أطلق عليه توحيد الحاكمية! فأصبحت عند تلك التنظيمات المدار التي من دونها لا يكون الإسلام صحيحًا، بالرغم من أن كثيرًا من أتباع المدرسة السلفية التقليدية خالفوه في ذلك؛ إذ أقروا بالحاكمية! ولكنْ لم يجعلوها ضمن تقسيمات التوحيد. يرى المفكر الإسلامي محمّد أبو القاسم حاج حمد، في كتابه “الحاكمية”، أنّ هذا المفهوم القطبي يقود إلى عطالة الإنسان وسلبيّته ليوقعه في مقولة الجبر، فعمد قطب إلى استنطاق القرآن حول الحاكميّة، لينتهي إلى أنّ “طرح المقابلة بين حاكميّة الله وحاكميّة البشر أمرٌ لا يستقيم فلسفيًّا، وفق منهجيّة القرآن المعرفيّة، وذلك للفارق الجوهريّ بين الطّبيعتين”؛ ذلك أنّ مجال الحاكميّة الإلهيّة الوجود لا التّشريع، وهي خاصّة بالمرحلة الإسرائيليّة ولا علاقة للمسلمين بها ([22]). هذه النظرية القطبية للحاكمية تحكم التنظيمات الإسلاموية المتطرفة كلها، وتعدّ عدم الإيمان بالحاكمية خروجًا عن الإسلام، وإيمانًا بالحكم البشري التي وضعته خطأً مقابلًا لحكم الله عزّ وجل. وكان تنظيم “داعش” يدرّسها في معسكرات التوبة التي شيدها للسوريين المعتقلين. المشكلة عند قطب أنه قدم مفهومًا ثيوقراطيًا لإدارة المجتمع والدولة، وعلى نهجه سارت التنظيمات الجهادية، نتج عن ذلك أن التنظيمات المتطرفة كلها آمنت بأفكاره، فحكمت بأن العلمانية والديمقراطية والقومية شرك، لكونها خروجًا عن حاكمية الله سبحانه، واستلهموا من حاكمية سيد قطب تكفيرَ من يؤمن أو يدعو إلى هذه الأشياء، واعتبار المجتمع يعيش جاهلية! لذلك نقول: إن سيّد قطب يتحكم فيهم من قبره. النتيجة أعلم أن المتعاطفين مع سيّد قطب كثيرون، ولكني أعلم أن التعاطف مع الحقّ يجب أن يكون أكثر، وأن سُنة سيد قطب التي سنها، نتيجة قراءة راديكالية للإسلام، جعلتنا ندفع ثمنها آلاف أرواح الشباب، فضلًا عن انعدام الأمن والأمان، وتعطل التنمية، إضافة إلى دور هذه الأفكار القطبية في إعادة تدوير أنظمة الاستبداد دوليًا، بذريعة محاربة الإرهاب، ولقد أساء إسلام الدولة كثيرًا إلى إسلام الدعوة، ونسخ إسلام العنف إسلامَ التسامح، وأفسدت تلك النظريات ربيعنا العربي، وإن زجّ الدين في المعارك السياسية السلطوية هو إساءة كبرى إلى الدين، وتلويث لطهارته، فهل ينتهي القطبيون عن ذلك؟! [1] ـ أكد سيد قطب ذلك في كتابه (لماذا أعدموني) قائلًا: كنتُ أعمل مع مجلس قيادة الثورة يوميًا أكثر من (12) ساعة. حلمي نمنم: سيد قطب وثورة يوليو، ميرت للنشر، القاهرة 1999. ص: 111. [2] ـ المصدر السابق، ص:116. [3] ـ ثروت الخرباوي: سر المعبد؛ الأسرار الخفية لجماعة الإخوان المسلمين. ط: 20. دار نهضة مصر للنشر. القاهرة، ص: 293. [4] ـ المرجع السابق: ص:300. [5] ـ سيد قطب استعار المصطلحات الأربعة من آخرين؛ وقام بأدلجتها؛ والتعبير عنها بأسلوبه الأدبي المدهش؛ ولكنها في الحقيقة هي ليست من بنات أفكاره؛ ولعلّنا نفرد مادة مستقلة لهذا البحث المهم مستقبلًا، إن شاء الله. [6] ـ سيد قطب كان شبه مستشار فكري لمجلس قيادة الثورة، بعد نجاح الضباط الأحرار في انقلابهم، وكان متحمسًا للثورة ومدافعًا عنها، ولكن عبد الناصر، عندما شكل أول حكومة للثورة، لم يختر قطب في منصب وزير التعليم؛ وهو ما كان يرغب فيه قطب؛ فحدث خلاف معهم انتهى بقطيعة بينهم. [7] ـ سيد قطب. معالم في الطريق. دار الشروق. القاهرة. ص101-103. [8] ـ سيد قطب. في ظلال القرآن. دار الشروق. القاهرة. ج:4. ص:2009. [9] ـ سيد قطب. في ظلال القرآن. دار الشروق. القاهرة. ج:3. ص: 1492. [10] ـ سيد قطب: في ظلال القرآن. دار الشروق. القاهرة. ج:3. ص:1816. [11] ـ سيد قطب: في ظلال القرآن. دار الشروق. القاهرة. ج:4. ص:2122. [12] ـ ذكر ذلك علي عشماي أحد مؤسسي الجماعة، في كتابه “التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين”، دار الهلال. القاهرة. 1993. [13] ـ غالبًا ما تؤدي العزلة الجغرافية إلى ما يشبه الانفصال عن الوطن؛ وكذلك فعلت تنظيمات عدة مثل “بوكو حرام” و”طالبان” وغيرهما. وهذا ما حدث في الباكستان وبنغلادش عن الهند. ويحدث اليوم في أفغانستان. [14] ـ سيد قطب: في ظلال القرآن. دار الشروق. القاهرة. ج:3. ص: 1816. [15] ـ سيد قطب: في ظلال القرآن. دار الشروق. القاهرة. ج:4. ص: 4122. [16] ـ سيد قطب: في ظلال القرآن. مرجع سابق. ج: 2. ص: 1492. [17] ـ المرجع السابق. ج: 4. ص:4122. [18] ـ سيد قطب: العدالة الاجتماعية. دار الشروق القاهرة1415هـ. ص:216. [19] ـ معالم في الطريق. مرجع سابق. ص: 42. [20] ـ المرجع السابق: ص:31. [21] ـ المرجع السابق. ص: 43. [22] ـ رؤوف دمق: قراءة في كتاب الحاكميّة لمحمّد أبو القاسم حاج حمد. موقع مؤمنون بلا حدود. www.mominoun.com/articles/ الحاكمية-لمحمد-أبو-القاسم-حاج-حمد - 2678 --------------- مركز حرمون للدراسات المعاصرة

احمد الرمح
السبت 11 سبتمبر 2021