في الطريق الى بيت ولادة - 4 - ظمأ الألفة

19/10/2019 - محيي الدين اللاذقاني


صناعة قوارب الصيد تواجه الاندثار في سواحل غزة



غزة - تواجه صناعة قوارب الصيد مؤشرات الاندثار في قطاع غزة المطل على البحر الأبيض المتوسط بفعل التراجع شبه الكلي على طلب الجديد منها.


صناعة قوارب الصيد  في غزة
صناعة قوارب الصيد في غزة
ولا يتعلق الأمر بهجران متعمد للبحر من الصيادين بل بما تفرضه إسرائيل من قيود على عملهم طوال أكثر من 12 عاما من فرض الحصار المشدد على القطاع بحسب مسئولين محليين. فمع تراجع مهنة الصيد وارتفاع تكلفة إنشاء القوارب توقف الصيادون عن صناعة وشراء قوارب جديدة واكتفوا بإصلاح وصيانة مراكبهم القديمة بتبرعات من جهات مانحة خارجية. ويعد عبدالله النجار في الستينات من عمره، إنه أقدم صانع للقوارب الكبيرة في غزة ويقول إنه الوحيد تقريبا الذي يمارس المهنة حاليا على مستوى القطاع كله. ويبدو النجار وكأن له من أسمه نصيب فقد أمضى حياته منذ كان لم يتجاوز 14 عاما من عمره في تحويل عينات خشب الأشجار الضاربة في القدم إلى قوارب تناطح الأمواج وتعود برزق البحر الوفير. لكن الرجل يشتكي لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، من أن رزق البحر لصيادي غزة "لم يعد وفيرا" وصناعة القوارب تحولت إلى ذاكرة حرفة مهددة بالاندثار والانقراض كليا. ويقول إنه لا يذكر بالتحديد عدد المراكب الكثيرة التي صنعها طيلة سنوات عمله لكن هذا كان قبل تقييد السلطات الإسرائيلية عمل الصيادين الفلسطينيين، عندها بدأ يقل انتاجه من القوارب حتى بات يقتصر اليوم على أعادة ما أتلفه الاستهداف الإسرائيلي المتكرر. ويقول وهو يقوم بإعادة تأهيل أحد القوارب، إن عددا من القوارب أفرجت عنها إسرائيل قبل أسابيع بموجب تفاهمات التهدئة مع الفصائل الفلسطينية "وصلت في حالة تالفة جدا ما استدعى إعادة تصميمها من جديد وذلك يشمل الخشب ومواد الفيبر ". ويؤكد النجار أنه يُصر على التمسك بحرفة بات هو سر بقائها إلى اليوم، لكنه يشير بحزن إلى أنه توقف عن صناعة القوارب الجديدة منذ نحو سبع سنوات تقريبا. ويعزو ذلك إلى ارتفاع التكلفة التي تضاعفت 10 مرات عن السابق بسبب ارتفاع تكلفة المواد بحيث أن تكلفة الحسكة الصغيرة الذي يتراوح طولها بين 6 إلى 7 أمتار أصبحت تبلغ أكثر من 12 ألف دولار وهو ما لا يستطيع الصياد توفيرها. كما يشير إلى ندرة المواد الخام المستخدمة في صناعة القوارب واستمرار قيود إسرائيل بالنسبة للبحر أمام الصيادين وهو ما أدى بمجمله بتراجع هذه الصناعة إلى حد خطر الاندثار. وغير بعيد عنه تتواجد مساحة يطلق عليها "مقبرة المراكب" في غزة حيث تتراكم قوارب أكلها التراب وصارت هياكل أثر ارتفاع تكلفة صيانتها بعد الحظر الإسرائيلي على إدخال معدات الصيد إلى قطاع غزة. ويؤكد بكر مسؤول الصيادين في اتحاد لجان العمل الزراعي في غزة زكريا لـــــــ(د.ب.أ)، أن صناعة السفن والقوارب متوقفة في غزة بسبب ارتفاع التكلفة وانعدام الصيد ما أدى الى تراجع عدد المهنيين العاملين في هذا المجال. ويقول بكر إن السلطات الإسرائيلية "تفرض قيودا مشددة على ادخال المحركات القوية المستخدمة في القوارب وتشترط الا تتعدى قوة المحرك 25 حصان"، منوها إلى أن هذه السياسة مستخدمة منذ أيام الاحتلال البريطاني لفلسطين كما يؤكد كبار الصيادين. ويشير بكر إلى أن عدم ادخال محركات ذات قدرة عالية لا يساعد الصيادين على تسيير قواربهم التي تكون محملة بالأسماك، إذ يحتاج الصيادون إلى محركات تبلغ قدرتها 40 حصانا على الأقل. ويوضح أن المحركات الموجودة تم إدخالها عبر الانفاق السابقة بين قطاع غزة ومصر لكن غالبيتها توقف عن العمل لأسباب متعددة ما يفرض العمل على ادخال محركات ذات قدرة كبيرة. وبحسب بكر تمنع السلطات الإسرائيلية إدخال السلك المجدول والذي يستخدمه الصيادون في قواربهم، وأن غالبية المعدات المستخدمة في الصيد باتت ممنوعة ما عدا شباك الصيد. وينبه إلى أن "الدخل المالي للصياد في غزة يتراوح ما بين 100 إلى 150 دولار أمريكي لا تكفي لسد الاحتياجات اليومية للصياد الذي سيقوم بصيانة القوارب، وأن قطاع غزة الآن يحتاج لصيانة كل المراكب الكبيرة تحديداً المراكب التي يفترض أن تبحر حتى 15 ميلا. وتكرر إسرائيل إغلاق ساحل بحر قطاع غزة ودرجت على زيادة وتقليص مساحات الصيد المسموح العمل فيها وفقا لاعتبارات التطورات الميدانية في إجراء يعتبره الصيادون الفلسطينيون بمثابة عقابا جماعيا. وربطت إسرائيل مساحات الصيد قبالة ساحل بحر قطاع غزة بالتطورات الميدانية بما في ذلك الرد على أي تصعيد ضمن مسيرات العودة الشعبية وإطلاق البالونات الحارقة من القطاع على جنوب أراضيها. وتتواصل مسيرات العودة منذ 30 آذار/مارس 2018 شرق قطاع غزة قرب السياج الفاصل مع إسرائيل للمطالبة برفع الحصار الذي تفرضه الدولة العبرية على القطاع منذ منتصف عام 2007. وقتل أكثر من 300 فلسطيني في مواجهات أسبوعية مع الجيش الإسرائيلي ضمن مسيرات العودة وأدت إلى اندلاع موجات توتر متكررة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل انتهت بوساطات من مصر وقطر والأمم المتحدة. ونصت اتفاقيات التهدئة المتكررة على تخفيف إسرائيل قيودها المفروضة على عمل الصيادين في غزة ضمن إجراء هو بالأساس مطلبا فلسطينيا، لكن سرعان ما يتم التراجع عنه بحسب التطورات الميدانية. ويقول صيادون في غزة إن ربط أرزاقهم بالتطورات الميدانية يحول حياتهم إلى جحيم ويدفع الكثير منهم إلى حد الإفلاس والتخلي عن ركوب البحر،. ويبلغ عدد الصيادين في قطاع غزة نحو أربعة آلاف يعملون على ما يزيد عن 700 مركب، فيما يعتاش من صيد وبيع الأسماك نحو 70 ألف نسمة بحسب إحصائيات فلسطينية رسمية. وفرضت إسرائيل قيودها على عمل الصيادين الفلسطينيين في غزة ضمن حصارها المشدد المفروض على القطاع منذ منتصف عام 2007 إثر سيطرة حركة "حماس" الإسلامية على الأوضاع فيه. وتبرر الدولة العبرية هذه القيود باعتبارات أمنية مثل مكافحة عمليات التهريب عبر البحر أو احتمال شن الفصائل الفلسطينية هجمات تستهدفها من خلال البحر. ويقول مسئولون فلسطينيون إن رفع كامل القيود الإسرائيلية على عمل الصيادين غزة من شأنه زيادة الإنتاج وتخفيض أسعار أنواع الأسماك لتكون في متناول سكان القطاع البالغ عددهم زهاء مليوني نسمة ويعانون من معدلات قياسية من الفقر والبطالة. ويبلغ إجمالي إنتاج غزة من الصيد حاليا أقل من 1500 طن سنويا بعد أن كان يتجاوز 5 آلاف طن سنويا قبل فرض الحصار الإسرائيلي على غزة، مع فروق في الجودة بحسب وزارة الزراعة في القطاع.

عماد عبد الموجود
الاثنين 16 سبتمبر 2019