.
الأدب والثورة فعلان متلازمان لهما الأثر الكبير في التأثير على المجتمع ليكسر ما يكبله بوعي وإبداع، هما المحفزان الأساسيان للحراك الثوري بشكل عام.
الأدب في الثورة وجد المساحة الحرة التي يصبو إليها منذ عقود، ومن خلالها استطاع كسر القيود، ليصرخ بالحرية بلا خوف، وليحمل رسالة الشعب المقهور، وشرح هموم اللجوء، وآلام المنفى، وقد استخدم الأدباء الثوار الأدب لنقد الواقع وشرح المعاناة والألم ووصف حالة اللجوء وتجربة النزوح والتهجير والمعاناة فكان وسيلة للمنفيين لتوثيق الحنين والأمل والبحث عن الهوية والسبيل للدعوة للصمود والحرية.
هذه التجربة انتجت مبدعين من رحم الثورة كان لهم الدور الكبير في صقل مشاعرهم والقدرة على التعبير عنها من خلال كتاباتهم التي ساهمت في إنجاح الثورات وتحقيق أحلام الأمل بالعودة والحرية، وكانت معاناتهم هي المحفز والسبب الأساسي في تفجير طاقاتهم الإبداعية الكامنة؛ كحال شاعرنا الذي نتناول أحد أعماله في هذا المقال، هو الشاعر (محمد طه العثمان) وديوان: عدنا إلى البلاد خياماً.
مدخل وجداني- الوطن
الوطن الذي يختزل الانتماء والحب كله.. ينتقي الشاعر العثمان إهداء ديوانه المفعم بمشاعر صادقة رهيفة وجدانية تفيض بكل المعاني العظيمة والوفاء للدرة الغالية النفيسة؛ للبلاد، لمن قدم التضحيات للماضي، للمستقبل ولكل دموع الأمهات ودماء الشهداء إلى عائلته للإخلاص الذي يسكن أعماق ذاته الإنسانية.
محاور ونقاط انطباعية:
الديوان تضمن مجموعة من أرقى القصائد الوجدانية مقسمة في عدة محاور وأبواب لكل منها خصوصيته ومميزاته ولمساته الخاصة الموَّصِفة لمراحل عاشها الشاعر وقد ارتبطت بتجاربه ومسيرته ومواقف من حياته. نلخصها فيمايلي:
الباب الأول: تضمن مجموعة من القصائد الوجدانية عناوينها: (حارس الفرح اليتيم، أسارير الضنا، سادن المعنى، نافذة الوهم، كاد يجلوني) نرى في المحور هذا طرحاً للأنا الإنسانية للشاعر والتشظي بين الواقع المرير والمعاناة وانكسار روحه من الخيبة والغدر والخذلان من جهة، وبين التمسك بالأمل والاعتداد بالنفس والحفاظ على نقاء روحه التي يستمد منها إلهامه من جهة أخرى، والبحث عن الذات النابعة من إرادته الروحية ونضاله وايمانه بالصمود للوصول الى وطن أجمل وحياة كريمة.
الباب الثاني: المحور حمل عنوان (البلاد في اكتمال سمائها) تضمن نصوص وطنية هي: (أمشي لكوثرها، عتبات من مجاز عتيق، أسرار نازفة في كوابيس دبك الجن، نهر من النعمى، نشيد الحرية، القمة الشماء).. تحدث الشاعر في هذا المحور عن الوطن معشوقه الأغلى. وعن الشام وهيامه بها وأمله الدائم الذي ينير قلبه بالعودة لها، ولم يغب عن باله التغني ببلدته التي حمل لها في قلبه كل حنين وفي باله أرق الذكريات عن طفولته وشبابه.
المحور الثالث: حمل عنوان على مقام النبوءة تضمن عناوين هي: (في حضرة البهاء، من وحي النور، سمو النور). وتفردت نصوصه في وصف خير الخلق الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ونصوص المحور تميزت بمفردات ومصطلحات رمزية نابعة من الروحانية التي اتصفت فيها شخصيه الشاعر المرحلة الزمنية لكتابة النصوص كانت بين عام 2004 لغاية عام 2016).
الباب الرابع: حمل عنوان (بواكير) كتبها الشاعر في مرحلة مبكرة (2001-2004) عناوين النصوص (مناجاة التراب، الأرق المجدول، رقصة النور، أغنية الأمل، حنين، للبحر رائحة الغياب). هذه النصوص تنشر لأول مرة فلم تتح لها فرصة رؤية النور إلا بعد تحقيق الحلم المنشود للشاعر بالتحرير، وقد كانت بمثابة مغامرة أعادنا الشاعر فيها إلى ذكرياته، هذا المحور الذي أفضل تسميته تاج المجموعة وأغلب الشواهد التي اقتبستها لاحقاً في هذه القراءة كانت من هذا المحور لما أثر في نفسي من عمق المشاعر وعصارة الإبداع فيها.
الأسلوب الروحاني
امتاز ديوان الشاعر بالروحانية والسكينة، فجاء مكثفًا بالمعاني التي تتجاوز الحدّ الحرفي، وتدعو القارئ للتأمل في قضايا الهوية والانتماء والتضحية والتأمل في العلاقة بين الإنسان والأرض والخالق، وحملت معانيه دلالات قوية عن صمود الروح رغم الظروف.. وركزت على الأمل في البقاء:
لاطفْتَني وَجِلاً وراعِشُك الجَحود أراح في جسدي الخناجرَ مَسكنا
فبسطتَ غدرَك في حيائي وانهزامي مثل نارٍ هَمَّ عن فمها الجنى.
يظهر فيما سبق عمق المعاناة الإنسانية من خلال الإشارة إلى ألم نفسي وجسدي عميق، ويتحدث الشاعر عن تجربة الغدر التي قاساها بحيث تركت أثراً عميقاً في نقسه تجاوزت الآلام الجسدية هزت ثقته بالآخرين وفي الحياة نفسها، وهو ما يمس جوهر الروح وتجاربها القاسية.
اللغة والجزالة ورمزية المعاني والأوزان الشعرية:
لم يختر العثمان درباً سهلًا، بل تخيَّر السبيل الصعب، فجاءت أغلب القصائد موزونة بحرفية متنوعة وانتقى البحور الشعرية التي تعتمد على التفعيلة المنسجمة في كل الأبيات (كالبحر الكامل والطويل والبسيط والبحر الوافر) وهذا يعني الالتزام الدقيق بالإيقاع الموسيقي المنتظم والتناغم الصوتي المعتمد على تكرار التفعيلات والأوزان التي تضفي جمالاً ورونقاً للنص، هذا الاختيار له دلالات على تمكن الشاعر من قواعد اللغة العربية وخبرة نحوية قل نظيرها وأسلوب يعتمده عتاولة الشعر، وهو يمكن الشاعر من التنقل بين النغمات لتفادي الرتابة، ويحتاج حرفية وإتقان لغوي حقيقي ليتمكن الشاعر من تحمل عبء وجرأة صياغة النص على هذا النحو الأمر الذي يكسبه جزالة في النص وكمالاً في المعنى.
كما اختار الشاعر لديوانه لغة رمزية قوية موحية تناولت ثيمات الغياب والذاكرة والبحث عن الذات لغة عاطفية لوصف حنينه للوطن، كأنه الندى والعطر والهمس واستمداد النور منه والأمل:
أُجلُّ فِيكِ النّدى؛ والعطر؛ والهمسا وأسرِقُ اللّيل من عينيكِ والشمسا
نرى الحنين جلياً في هذا البيت حيث استخدم الشاعر أسلوب التضاد حين ذكر الليل والشمس وجمال العينين الذي يبدد ظلمة الليل وهي استعارة عن الأمل الذي يبدد الظلام وحلمه بالفجر القريب.
(استعان بالاستعارات المكنية، (الطباق) مثلاً، كدليل على الحرفية اللغوية وبراعة في استخدام الأساليب البلاغية التي تثير دهشة الباحث وتحفز ذهنه.
كما تجلت مشاعر الحب العميق والطهر في معانيه والتعلق بالذكريات، ولكن هذا لم يفقده الأمل في المستقبل:
ما زلت أرشف من رياك عطر غدي أحنو على صدرك الساهي إذا يأسى
فأرسم الشفق المعسول رابيةً راحت تضللُ منّا ذلك المرسى
نرى الشاعر هنا يجد في رائحة محبوبته أملاً في المستقبل ويجد السكينة والأمان بالاقتراب من صدرها ويرسم صورة الشفق الجميل كأنه نقطة الوصول المنشودة بينهما، نرى الزخم العاطفي واضحاً ليضفي على النص كل بهاء.
خاطب الشاعر رمزًا نورانياً كعنوان حمل الجمال بلغة وجدانية رومانسية كما استخدم فيها مفردات طبيعية (كالنور والليل والليلك والغيم) وخلق من خلالها نبضاً شاعرياً جسد الجمال والصفاء، كما جاءت لغته عميقة بنبرة من الشجن والشوق والأمل الذي يغسل همومه ويجدد أحلامه الباقية:
يا رقصة النور حنّت ليل إرهاقي قد جالها الرّجعُ من أنسام أشواقي
طفولة الحسن نامت في ربا تعبي والليلك الفضي يكسو حلمنا الباقي
نلاحظ فيما سبق تلك الرمزية المتعمقة في النص، فالشاعر وصف تأثير رقصة النور التي ترمز عنده للأمل والحب كلحظة عابرة من الجمال في حياته التي كانت مليئة بالتعب والإرهاق حيث خففت هذه اللحظة من وطأة ليله الطويل وحياته التي نسي فيها كل جميل بسبب إرهاق روحه، ورمز بزهور الليلك للنقاء والجمال الذي يغطي أحلامه بالاستمرار رغم التعب كله.
الارتباط العميق بالأرض: مناجاة التراب
الأمل بالبقاء والاتصال الوجداني بالأرض وحب العودة تجلى واضحاً في كل حرف من ديوان الشاعر حتى لو كانت هذه العودة كخيَّام على أرض الوطن، فالشعور العميق بهذا الانتماء والشوق له كوجد عاشق لمحبوبته، والأمل بالعودة والصمود رغم كل الظروف والتطلع إلى حياة كريمة والتعبير عن المعاناة الداخلية والرغبة بالاستقلال جعلت الشاعر ينقل مشاعره بشكل مؤثر ومعبر.
استخدم الشاعر صوراً بيانية أنيقة وتشابيه عميقة (زند الحياة) استعارة مكنية و(صراخ الحر) كناية عن الألم والمعاناة، كما شبّه التراب بالإنسان السمح الذي يندى طراوة ويهتف باسم الله وشبه الروح بالفراشة الطاهرة مما يعمق الدلالات العاطفية والفكرية ويمنح تأثيراً جمالياً وعمقاً دلالياً للنص:
فكان الترابُ السّمحُ يندى طراوةً ويهتف باسم اللّه، إنْ مرَّ داعياً
فأَلبَسَ دمع العين طُهرَ فراشةٍ وغافلَ فجرَ العابرينَ مُناجيا
نرى في الأبيات السابقة مناجاة الشاعر للفجر والتراب ليجد في سموحته ضالته والذي يتجاوب معه ويهتف باسم الله كما يواصل تصوير الاتصال الروحي حيث الدموع تصبح نقية شفافة كالفراشات، ويناجي الفجر والتراب بعيداً عن أعين المارة مما يدل على خصوصية وعمق التجربة.
السمو النوراني البحث الروحي:
العثمان عبر عن رحلة داخلية، ليصل إلى فهم أعمق، واتصال روحي بعيداً عن الانشغالات الدينية، تعلق بالجمال الروحي ومدلولاته المتمثلة بحب الله ورسوله ولم ينس في خضم معاناته تمسكه بحبال الله ووصف الحب الأسمى لرسوله (كأنه الجمال الفائق، النور) بلغة فصيحة قوية وزخم مع المحافظة على وزن وقافية النصوص الموحدة ببراعة قل نظيرها، كما يظهر الشوق واللهفة الروحانية في النصوص (لهف غماماتي) والألم من خذلان الآخرين، لكن السكينة والتطهير تبدو واضحة مما يدل على وصوله لحالة من الخلاص والصفاء كقوله:
رسولُ حبٍّ يُربّي الصدق غرسَ ندىً والحبُّ لا يرتوي إلا إذا غُرسا
كل هذا الإيمان جعل قلب الشاعر صامداً بالحب، متمسكاً بالعزة والمكانة المقدسة للوطن ومبادئه مؤمناً بالأمل الراسخ في المستقبل، لأنه يملك هدفًا مقدساً عليه تحقيقه معتداً بنفسه مهما تطلب الأمر من تضحيات، فمدلولات هذه النصوص تشير إلى قدرة على إيصال المعاني العميقة والمكثفة في أبيات قليلة مما تمنح القارئ خيارات متعددة للتأويل.
المشاعر والزخم العاطفي:
بدا واضحاً في نصوص الديوان ذلك الحب الذي ملأ قلب الشاعر مثل ما امتلأ ألماً معاناة الشوق والرجاء في الوصل مشاعر اختلطت وبدت واضحة، جعلتنا نبحر في أعماقها مع عاطفته الجياشة التي تعلو تارة وتهدأ تارة أخرى، مشاعر الحنين والغربة والألم والغياب ومشاعر البحث عن الذات وإحساس الشوق والأمل المحترق حيث تتداخل الذاكرة مع الظل والمرايا والطريق، ومشاعر الحزن والضياع، ومشاعر الأمل والمقاومة كقوله:
ما شاخ طفل حكايتي… لكنما
تاهت بصحراءِ الطغاة الأبحرُ
فمشيت نحو الطير في وكناته
حتى تسرب من خطاي العنبرُ
هذه الرمزية الدالة عن الحرية والأمان ورائحة العنبر تدل على الأثر الطيب والباقي رغم الصعاب، وهذا الزخم يغوي الباحث للخوض أكثر في سلاسة المعاني وتدفقها، فهي أحاسيس عاصفة قوية أثرت على قوة النصوص الموسيقية التي ناسبت تدفق مشاعره الجياشة.
عدنا إلى البلاد خياماً تجربة متكاملة في حضرة الشعر:
عدنا إلى البلاد خياماً عبرت عن حالة النزوح والعودة والتفاعل مع الوطن وعمق الارتباط العاطفي الوجداني به، والإرادة القوية والاعتماد على النفس في مواجهة التحديات التي تتطلبها تلك العودة،
عدنا إلى البلاد خياماً تعبر عن العودة الجسدية، ولكن بروح مؤقتة دالة ربما على الشعور بالغربة حتى في الوطن:
لا شيء يرفعني نحوي سوى يده
مازلت أعدو وخطوي يقتفي شبحي
الدلالة الرمزية في الشطر الأول تعبر عن الاعتماد على قوة خفية معينة إلهية ربما، كانت مصدرا لرفعة الشاعر كما يكمل إصراره على الاستمرار في المضي والسعي الدائم وملاحقة ذاته وهدفه.
خاتمة:
حارس الفرح اليتيم.. جنة الحلم.. ثوب السراب، من أين أبدأ.. فهذه المعاني ليست حنظلاً.. في الحقيقة هو الشعر وجد موطناً على شغاف قلب الشاعر الرهيفة، وعلى حدود مداد اليراع خطّ العثمان سيمفونية عن العودة والأمل من رهاف روح تجرعت الألم ليزهر ربيعاً وأقحوانا.
كل نصوص الديوان تعكس صراعاً داخلياً بين المعاناة والأمل، وبين الحزن والضياع، لكن عمق الحنين ينتصر والعودة للوطن هي الهدف حتى لو كانت رمزية (خياماً).
تجربة ناضجة متكاملة:
تميز الديوان بالإيقاع الموسيقى والتكثيف اللغوي العذب وتوازن القوافي والأبيات، وتفّرد باستخدام قواعد اللغة بشكل احترافي والغنى بالمعاني العميقة والمشاعر الجياشة.
الديوان عصارة تجربة الشاعر في المنفى والغربة والتهجير وقد عبر العثمان من خلاله عن تجربة ناضجة وناتجة من رحم المعاناة، وكان هذا الإصدار فريداً من نوعه وملهماً لشعراء عصره ممن عاشوا تلك التجربة ومرجعاً لهم، أنها لغبطة كبيرة وسعادة أن كان لي شرف قراءة هذا الإصدار الرائع الذي استمتعت بكل حرف فيه واستشعرت عمق المعاني التي أخذت بكل مضمون فيها موضعاً في جوارحي.
الأدب والثورة فعلان متلازمان لهما الأثر الكبير في التأثير على المجتمع ليكسر ما يكبله بوعي وإبداع، هما المحفزان الأساسيان للحراك الثوري بشكل عام.
الأدب في الثورة وجد المساحة الحرة التي يصبو إليها منذ عقود، ومن خلالها استطاع كسر القيود، ليصرخ بالحرية بلا خوف، وليحمل رسالة الشعب المقهور، وشرح هموم اللجوء، وآلام المنفى، وقد استخدم الأدباء الثوار الأدب لنقد الواقع وشرح المعاناة والألم ووصف حالة اللجوء وتجربة النزوح والتهجير والمعاناة فكان وسيلة للمنفيين لتوثيق الحنين والأمل والبحث عن الهوية والسبيل للدعوة للصمود والحرية.
هذه التجربة انتجت مبدعين من رحم الثورة كان لهم الدور الكبير في صقل مشاعرهم والقدرة على التعبير عنها من خلال كتاباتهم التي ساهمت في إنجاح الثورات وتحقيق أحلام الأمل بالعودة والحرية، وكانت معاناتهم هي المحفز والسبب الأساسي في تفجير طاقاتهم الإبداعية الكامنة؛ كحال شاعرنا الذي نتناول أحد أعماله في هذا المقال، هو الشاعر (محمد طه العثمان) وديوان: عدنا إلى البلاد خياماً.
مدخل وجداني- الوطن
الوطن الذي يختزل الانتماء والحب كله.. ينتقي الشاعر العثمان إهداء ديوانه المفعم بمشاعر صادقة رهيفة وجدانية تفيض بكل المعاني العظيمة والوفاء للدرة الغالية النفيسة؛ للبلاد، لمن قدم التضحيات للماضي، للمستقبل ولكل دموع الأمهات ودماء الشهداء إلى عائلته للإخلاص الذي يسكن أعماق ذاته الإنسانية.
محاور ونقاط انطباعية:
الديوان تضمن مجموعة من أرقى القصائد الوجدانية مقسمة في عدة محاور وأبواب لكل منها خصوصيته ومميزاته ولمساته الخاصة الموَّصِفة لمراحل عاشها الشاعر وقد ارتبطت بتجاربه ومسيرته ومواقف من حياته. نلخصها فيمايلي:
الباب الأول: تضمن مجموعة من القصائد الوجدانية عناوينها: (حارس الفرح اليتيم، أسارير الضنا، سادن المعنى، نافذة الوهم، كاد يجلوني) نرى في المحور هذا طرحاً للأنا الإنسانية للشاعر والتشظي بين الواقع المرير والمعاناة وانكسار روحه من الخيبة والغدر والخذلان من جهة، وبين التمسك بالأمل والاعتداد بالنفس والحفاظ على نقاء روحه التي يستمد منها إلهامه من جهة أخرى، والبحث عن الذات النابعة من إرادته الروحية ونضاله وايمانه بالصمود للوصول الى وطن أجمل وحياة كريمة.
الباب الثاني: المحور حمل عنوان (البلاد في اكتمال سمائها) تضمن نصوص وطنية هي: (أمشي لكوثرها، عتبات من مجاز عتيق، أسرار نازفة في كوابيس دبك الجن، نهر من النعمى، نشيد الحرية، القمة الشماء).. تحدث الشاعر في هذا المحور عن الوطن معشوقه الأغلى. وعن الشام وهيامه بها وأمله الدائم الذي ينير قلبه بالعودة لها، ولم يغب عن باله التغني ببلدته التي حمل لها في قلبه كل حنين وفي باله أرق الذكريات عن طفولته وشبابه.
المحور الثالث: حمل عنوان على مقام النبوءة تضمن عناوين هي: (في حضرة البهاء، من وحي النور، سمو النور). وتفردت نصوصه في وصف خير الخلق الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ونصوص المحور تميزت بمفردات ومصطلحات رمزية نابعة من الروحانية التي اتصفت فيها شخصيه الشاعر المرحلة الزمنية لكتابة النصوص كانت بين عام 2004 لغاية عام 2016).
الباب الرابع: حمل عنوان (بواكير) كتبها الشاعر في مرحلة مبكرة (2001-2004) عناوين النصوص (مناجاة التراب، الأرق المجدول، رقصة النور، أغنية الأمل، حنين، للبحر رائحة الغياب). هذه النصوص تنشر لأول مرة فلم تتح لها فرصة رؤية النور إلا بعد تحقيق الحلم المنشود للشاعر بالتحرير، وقد كانت بمثابة مغامرة أعادنا الشاعر فيها إلى ذكرياته، هذا المحور الذي أفضل تسميته تاج المجموعة وأغلب الشواهد التي اقتبستها لاحقاً في هذه القراءة كانت من هذا المحور لما أثر في نفسي من عمق المشاعر وعصارة الإبداع فيها.
الأسلوب الروحاني
امتاز ديوان الشاعر بالروحانية والسكينة، فجاء مكثفًا بالمعاني التي تتجاوز الحدّ الحرفي، وتدعو القارئ للتأمل في قضايا الهوية والانتماء والتضحية والتأمل في العلاقة بين الإنسان والأرض والخالق، وحملت معانيه دلالات قوية عن صمود الروح رغم الظروف.. وركزت على الأمل في البقاء:
لاطفْتَني وَجِلاً وراعِشُك الجَحود أراح في جسدي الخناجرَ مَسكنا
فبسطتَ غدرَك في حيائي وانهزامي مثل نارٍ هَمَّ عن فمها الجنى.
يظهر فيما سبق عمق المعاناة الإنسانية من خلال الإشارة إلى ألم نفسي وجسدي عميق، ويتحدث الشاعر عن تجربة الغدر التي قاساها بحيث تركت أثراً عميقاً في نقسه تجاوزت الآلام الجسدية هزت ثقته بالآخرين وفي الحياة نفسها، وهو ما يمس جوهر الروح وتجاربها القاسية.
اللغة والجزالة ورمزية المعاني والأوزان الشعرية:
لم يختر العثمان درباً سهلًا، بل تخيَّر السبيل الصعب، فجاءت أغلب القصائد موزونة بحرفية متنوعة وانتقى البحور الشعرية التي تعتمد على التفعيلة المنسجمة في كل الأبيات (كالبحر الكامل والطويل والبسيط والبحر الوافر) وهذا يعني الالتزام الدقيق بالإيقاع الموسيقي المنتظم والتناغم الصوتي المعتمد على تكرار التفعيلات والأوزان التي تضفي جمالاً ورونقاً للنص، هذا الاختيار له دلالات على تمكن الشاعر من قواعد اللغة العربية وخبرة نحوية قل نظيرها وأسلوب يعتمده عتاولة الشعر، وهو يمكن الشاعر من التنقل بين النغمات لتفادي الرتابة، ويحتاج حرفية وإتقان لغوي حقيقي ليتمكن الشاعر من تحمل عبء وجرأة صياغة النص على هذا النحو الأمر الذي يكسبه جزالة في النص وكمالاً في المعنى.
كما اختار الشاعر لديوانه لغة رمزية قوية موحية تناولت ثيمات الغياب والذاكرة والبحث عن الذات لغة عاطفية لوصف حنينه للوطن، كأنه الندى والعطر والهمس واستمداد النور منه والأمل:
أُجلُّ فِيكِ النّدى؛ والعطر؛ والهمسا وأسرِقُ اللّيل من عينيكِ والشمسا
نرى الحنين جلياً في هذا البيت حيث استخدم الشاعر أسلوب التضاد حين ذكر الليل والشمس وجمال العينين الذي يبدد ظلمة الليل وهي استعارة عن الأمل الذي يبدد الظلام وحلمه بالفجر القريب.
(استعان بالاستعارات المكنية، (الطباق) مثلاً، كدليل على الحرفية اللغوية وبراعة في استخدام الأساليب البلاغية التي تثير دهشة الباحث وتحفز ذهنه.
كما تجلت مشاعر الحب العميق والطهر في معانيه والتعلق بالذكريات، ولكن هذا لم يفقده الأمل في المستقبل:
ما زلت أرشف من رياك عطر غدي أحنو على صدرك الساهي إذا يأسى
فأرسم الشفق المعسول رابيةً راحت تضللُ منّا ذلك المرسى
نرى الشاعر هنا يجد في رائحة محبوبته أملاً في المستقبل ويجد السكينة والأمان بالاقتراب من صدرها ويرسم صورة الشفق الجميل كأنه نقطة الوصول المنشودة بينهما، نرى الزخم العاطفي واضحاً ليضفي على النص كل بهاء.
خاطب الشاعر رمزًا نورانياً كعنوان حمل الجمال بلغة وجدانية رومانسية كما استخدم فيها مفردات طبيعية (كالنور والليل والليلك والغيم) وخلق من خلالها نبضاً شاعرياً جسد الجمال والصفاء، كما جاءت لغته عميقة بنبرة من الشجن والشوق والأمل الذي يغسل همومه ويجدد أحلامه الباقية:
يا رقصة النور حنّت ليل إرهاقي قد جالها الرّجعُ من أنسام أشواقي
طفولة الحسن نامت في ربا تعبي والليلك الفضي يكسو حلمنا الباقي
نلاحظ فيما سبق تلك الرمزية المتعمقة في النص، فالشاعر وصف تأثير رقصة النور التي ترمز عنده للأمل والحب كلحظة عابرة من الجمال في حياته التي كانت مليئة بالتعب والإرهاق حيث خففت هذه اللحظة من وطأة ليله الطويل وحياته التي نسي فيها كل جميل بسبب إرهاق روحه، ورمز بزهور الليلك للنقاء والجمال الذي يغطي أحلامه بالاستمرار رغم التعب كله.
الارتباط العميق بالأرض: مناجاة التراب
الأمل بالبقاء والاتصال الوجداني بالأرض وحب العودة تجلى واضحاً في كل حرف من ديوان الشاعر حتى لو كانت هذه العودة كخيَّام على أرض الوطن، فالشعور العميق بهذا الانتماء والشوق له كوجد عاشق لمحبوبته، والأمل بالعودة والصمود رغم كل الظروف والتطلع إلى حياة كريمة والتعبير عن المعاناة الداخلية والرغبة بالاستقلال جعلت الشاعر ينقل مشاعره بشكل مؤثر ومعبر.
استخدم الشاعر صوراً بيانية أنيقة وتشابيه عميقة (زند الحياة) استعارة مكنية و(صراخ الحر) كناية عن الألم والمعاناة، كما شبّه التراب بالإنسان السمح الذي يندى طراوة ويهتف باسم الله وشبه الروح بالفراشة الطاهرة مما يعمق الدلالات العاطفية والفكرية ويمنح تأثيراً جمالياً وعمقاً دلالياً للنص:
فكان الترابُ السّمحُ يندى طراوةً ويهتف باسم اللّه، إنْ مرَّ داعياً
فأَلبَسَ دمع العين طُهرَ فراشةٍ وغافلَ فجرَ العابرينَ مُناجيا
نرى في الأبيات السابقة مناجاة الشاعر للفجر والتراب ليجد في سموحته ضالته والذي يتجاوب معه ويهتف باسم الله كما يواصل تصوير الاتصال الروحي حيث الدموع تصبح نقية شفافة كالفراشات، ويناجي الفجر والتراب بعيداً عن أعين المارة مما يدل على خصوصية وعمق التجربة.
السمو النوراني البحث الروحي:
العثمان عبر عن رحلة داخلية، ليصل إلى فهم أعمق، واتصال روحي بعيداً عن الانشغالات الدينية، تعلق بالجمال الروحي ومدلولاته المتمثلة بحب الله ورسوله ولم ينس في خضم معاناته تمسكه بحبال الله ووصف الحب الأسمى لرسوله (كأنه الجمال الفائق، النور) بلغة فصيحة قوية وزخم مع المحافظة على وزن وقافية النصوص الموحدة ببراعة قل نظيرها، كما يظهر الشوق واللهفة الروحانية في النصوص (لهف غماماتي) والألم من خذلان الآخرين، لكن السكينة والتطهير تبدو واضحة مما يدل على وصوله لحالة من الخلاص والصفاء كقوله:
رسولُ حبٍّ يُربّي الصدق غرسَ ندىً والحبُّ لا يرتوي إلا إذا غُرسا
كل هذا الإيمان جعل قلب الشاعر صامداً بالحب، متمسكاً بالعزة والمكانة المقدسة للوطن ومبادئه مؤمناً بالأمل الراسخ في المستقبل، لأنه يملك هدفًا مقدساً عليه تحقيقه معتداً بنفسه مهما تطلب الأمر من تضحيات، فمدلولات هذه النصوص تشير إلى قدرة على إيصال المعاني العميقة والمكثفة في أبيات قليلة مما تمنح القارئ خيارات متعددة للتأويل.
المشاعر والزخم العاطفي:
بدا واضحاً في نصوص الديوان ذلك الحب الذي ملأ قلب الشاعر مثل ما امتلأ ألماً معاناة الشوق والرجاء في الوصل مشاعر اختلطت وبدت واضحة، جعلتنا نبحر في أعماقها مع عاطفته الجياشة التي تعلو تارة وتهدأ تارة أخرى، مشاعر الحنين والغربة والألم والغياب ومشاعر البحث عن الذات وإحساس الشوق والأمل المحترق حيث تتداخل الذاكرة مع الظل والمرايا والطريق، ومشاعر الحزن والضياع، ومشاعر الأمل والمقاومة كقوله:
ما شاخ طفل حكايتي… لكنما
تاهت بصحراءِ الطغاة الأبحرُ
فمشيت نحو الطير في وكناته
حتى تسرب من خطاي العنبرُ
هذه الرمزية الدالة عن الحرية والأمان ورائحة العنبر تدل على الأثر الطيب والباقي رغم الصعاب، وهذا الزخم يغوي الباحث للخوض أكثر في سلاسة المعاني وتدفقها، فهي أحاسيس عاصفة قوية أثرت على قوة النصوص الموسيقية التي ناسبت تدفق مشاعره الجياشة.
عدنا إلى البلاد خياماً تجربة متكاملة في حضرة الشعر:
عدنا إلى البلاد خياماً عبرت عن حالة النزوح والعودة والتفاعل مع الوطن وعمق الارتباط العاطفي الوجداني به، والإرادة القوية والاعتماد على النفس في مواجهة التحديات التي تتطلبها تلك العودة،
عدنا إلى البلاد خياماً تعبر عن العودة الجسدية، ولكن بروح مؤقتة دالة ربما على الشعور بالغربة حتى في الوطن:
لا شيء يرفعني نحوي سوى يده
مازلت أعدو وخطوي يقتفي شبحي
الدلالة الرمزية في الشطر الأول تعبر عن الاعتماد على قوة خفية معينة إلهية ربما، كانت مصدرا لرفعة الشاعر كما يكمل إصراره على الاستمرار في المضي والسعي الدائم وملاحقة ذاته وهدفه.
خاتمة:
حارس الفرح اليتيم.. جنة الحلم.. ثوب السراب، من أين أبدأ.. فهذه المعاني ليست حنظلاً.. في الحقيقة هو الشعر وجد موطناً على شغاف قلب الشاعر الرهيفة، وعلى حدود مداد اليراع خطّ العثمان سيمفونية عن العودة والأمل من رهاف روح تجرعت الألم ليزهر ربيعاً وأقحوانا.
كل نصوص الديوان تعكس صراعاً داخلياً بين المعاناة والأمل، وبين الحزن والضياع، لكن عمق الحنين ينتصر والعودة للوطن هي الهدف حتى لو كانت رمزية (خياماً).
تجربة ناضجة متكاملة:
تميز الديوان بالإيقاع الموسيقى والتكثيف اللغوي العذب وتوازن القوافي والأبيات، وتفّرد باستخدام قواعد اللغة بشكل احترافي والغنى بالمعاني العميقة والمشاعر الجياشة.
الديوان عصارة تجربة الشاعر في المنفى والغربة والتهجير وقد عبر العثمان من خلاله عن تجربة ناضجة وناتجة من رحم المعاناة، وكان هذا الإصدار فريداً من نوعه وملهماً لشعراء عصره ممن عاشوا تلك التجربة ومرجعاً لهم، أنها لغبطة كبيرة وسعادة أن كان لي شرف قراءة هذا الإصدار الرائع الذي استمتعت بكل حرف فيه واستشعرت عمق المعاني التي أخذت بكل مضمون فيها موضعاً في جوارحي.


الصفحات
سياسة









