اللاذقاني، الذي يعرف في المشهد الثقافي العربي شاعراً وكاتباً ومفكراً، يستعيد في كتابه الجديد، الأندلس من خلال مدخل يبدو للوهلة الأولى شخصياً وعاطفياً، لكنه يتسع تدريجياً ليصبح بحثاً، في التاريخ والهوية والمنفى والحضارة.
من بيت ولادة إلى الذاكرة الأندلسية
ينطلق الكتاب من فكرة البحث عن بيت الأميرة الأموية ولّادة بنت المستكفي في قرطبة، لكن هذا الخيط السردي لا يبقى محصوراً في سيرة هذه الشاعرة الأندلسية أو في قصتها مع الشاعر ابن زيدون، بل يتحول إلى مدخل أوسع لاستعادة الأندلس بوصفها فضاءً للحب والثقافة والتحولات السياسية.
وفي هذا السياق، يستحضر اللاذقاني عدداً من الشخصيات النسائية والتاريخية التي تركت أثراً في الوجدان الأندلسي، مثل اعتماد الرميكية وصبح البشكنجية، رابطاً بين حضور المرأة والتكوين الرمزي والسياسي للأندلس.
ومن أبرز أفكار الكتاب إصراره على النظر إلى الأندلس بوصفها ثمرة تفاعل مُركب، لا يختزل في أصل واحد، فهي، كما يلمّح المؤلف، نتاج تداخل العناصر العربية والأمازيغية والمشرقية والمغاربية في آن واحد.
لغة شاعرية ورؤية واسعة خارجة عن التصنيف
الكتاب مكتوب بلغة تحمل بصمة اللاذقاني المعهودة، لغة مشغولة بعناية، تميل إلى الإيقاع الشعري والتأمل، وتمنح المادة التاريخية طابعاً وجدانياً واضحاً، لتمثل هذه اللغة إحدى نقاط قوة العمل، لأنها تساعد على تحرير التاريخ من جفاف العرض التقليدي، وتقرّبه من القارئ عبر حسّ سردي وثقافي مشوّق.غير أن هذه السمة نفسها تجعل الكتاب مفتوحاً على أكثر من تصنيف: هل هو رواية؟ أم سيرة ثقافية؟ أم كتابة في تاريخ الأندلس؟ أم نصّ تأملي عن المنفى والهوية والعشق؟ والظاهر أن المؤلف لا يسعى أصلاً إلى حسم هذا السؤال، بل يراهن على هذا التداخل بوصفه جزءاً من طبيعة الكتاب.
ومن هنا تأتي جاذبية العمل، لكن أيضاً مصدر الالتباس فيه، إذ قد يرى بعض القراء في هذا الانفتاح على الأجناس الأدبية ميزة تمنحه فرادته، بينما قد يفضّل آخرون قدراً أكبر من التحديد والصرامة في البناء.
ولا يقتصر الكتاب على استعادة الشخصيات والأحداث، بل يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حين يحاول قراءة الأندلس باعتبارها أحد الجذور المهمة في التكوين الحضاري الأوروبي، من خلال أثرها في العلوم والفنون والترجمة واللغة.
وفي هذا الإطار، يتوقف المؤلف عند بقايا الأثر الأندلسي في الإسبانية نفسها، مستعيداً مفردات وصوراً نباتية ولغوية وعاطفية تربط بين الشام والأندلس، والمنفى والذاكرة.
أندلس الوجدان.. ما وراء التأريخ الصرف
في الفصل الأخير المعنون “فانتازيا التاريخ”، يقترب اللاذقاني من الروايات المتداولة عن الأندلس الشرقية والغربية، محاولاً إعادة تأملها من زاوية تجمع بين التوثيق والانفعال الأدبي، حيث يبدو الكتاب هنا أقل ميلاً إلى التأريخ الأكاديمي الصرف، وأكثر اقتراباً من قراءة حضارية وشخصية للتاريخ.في المحصلة، لا يقدّم “في الطريق إلى بيت ولادة” سيرة تقليدية لولادة بنت المستكفي، ولا دراسة تاريخية بالمعنى الأكاديمي الدقيق، بل نصاً ثقافياً واسع الأفق، يزاوج بين الحب والمنفى والذاكرة والتاريخ، وهو كتاب قد لا يغري القارئ الباحث عن التصنيف الواضح بقدر ما يجذب القارئ الذي يستهويه التداخل بين الأدب والتاريخ، وبين السرد والتأمل.
نبذة عن الكتاب والمؤلف
صدر كتاب “في الطريق إلى بيت ولادة” حديثاً عن دار العين للنشر في القاهرة، في 223 صفحة من القطع المتوسط.أما محيي الدين اللاذقاني، فهو صحفي وكاتب وشاعر سوري، ولد في قرية سرمدا عام 1951، وحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة الإسكندرية، ثم عمل في الصحافة بالدول العربية والمهجر، وعُرِف بكتابته لعمود يومي بعنوان طواحين الكلام في أكثر من صحيفة عربية، واستقرّ في لندن منذ أوائل الثمانينيات، وأصدر عدة دواوين شعريّة، منها عزف منفرد على الجرح، وكتب بحثية، منها أدب الرحلات ونورس بلا بوصلة.


الصفحات
سياسة









