عودة إرث آل كابوني:شيكاغو تصبح مسرحا لانتشار الجريمة من جديد



شيكاغو – تشعر تانيكا همفريس باليأس. يرقد جثمان ابنتها أمام مذبح كنيسة ستون تمبل بشيكاغو، في تابوت مفتوح، مبطن بالحرير القرمزي. وعلى الرغم من أن جهاني كانت ابنتها الكبرى، إلا أنها تصر على مناداتها "طفلتي". هذه السيدة ذات الـ41 عاما لديها تسعة أبناء: ستة ذكور وثلاث إناث. وتعبر عن حزنها قائلة "أصبح لدي الآن ثمانية فقط".


تعد جهاني واحدة من ضحايا الجريمة: أصيبت بطلق ناري في الرأس مباشرة شوه وجهها. ويكشف مصرعها عن الوجه البشع للواقع العنيف الذي تعيشه شوارع مدينة شيكاغو، حيث تنتشر عصابات من الشباب بالأحياء الفقيرة جنوب وغرب المدينة بينما تتابع الشرطة بشكل شبه يومي كيف تقوم مجموعة من المراهقين بإزهاق أرواح المزيد من الضحايا. لم تعثر همفريس على السكينة حتى في الجنازة، لم تكد تبدأ مراسم الدفن بعد، إلا وقد اقتحمت مجموعة من الشباب، أعضاء في عصابة أخرى، الكنيسة في ضجة كبيرة لتوديع الفتاة القتيلة. أخرجوا هواتفهم النقالة من جيوب سراويلهم، وتكفي رسالة نصية واحدة إلى الخصوم لتخريب مراسم التأبين، تقترب الشرطة يفر المقتحمون. هذا هو حال مدينة شيكاغو عام 2018، مدينة آل كابوني رجل العصابات الأشهر على مر التاريخ الحديث، عادت لتصبح عاصمة الجريمة، حيث تصل معدلات جرائم القتل إلى ذروتها في أحياء ممفيس وبالتيمور، بينما يسود قانون الشارع في العديد من الأحياء على ضفاف بحيرة متشيجان أكثر من أي مكان آخر. معدلات الجريمة في ارتفاع، خاصة في فصل الصيف، ويقصد بالجريمة في هذا المكان حوادث القتل. تجدر الإشارة إلى أن اسم شيكاغو عصر الجريمة المنظمة والعنف ارتبط محليا وعالميا باسم آل كابوني (17 كانون ثان /يناير 1899 - 25 كانون ثان/ يناير 1947) ويعرف أحيانا باسم سكارفيس. وهو رجل أعمال وعضو في عصابة أمريكية، وقد كان ذو سمعة سيئة في زمن حظر الكحوليات في الولايات المتحدة بصفته المؤسس المشارك ورئيس مافيا شيكاغو، وكان تحت حماية الاتحاد الصقلي للمافيا. وسع آل كابوني نشاطه في تجارة الخمور من خلال وسائل العنف المتزايدة، وكانت علاقاته الناجحة مع العمدة ويليام هيل ثومبسون وشرطة المدينة تعني أنه أصبح في مأمن من تطبيق القانون. اصبح آل كابوني محط الأنظار، كما تبين من هتافات المتفرجين عندما ظهر في ألعاب الكرة. وقد قدم تبرعات إلى جمعيات خيرية مختلفة واعتبره الكثيرون بأنه "روبن هود العصر الحديث". ومع ذلك، فقد تضررت صورة شيكاغو في عصره بسبب مذبحة يوم القديس فالنتين، التي قتل فيها سبعة من عصابة منافسة في وضح النهار. وهذا العام تشير التقارير الرسمية أن 77 شخصا أصيبوا بطلق ناري في أول عطلة نهاية أسبوع من شهر آب/ أغسطس الماضي، من بينهم 12 لقوا مصرعهم، وبعد ذلك ببضعة أسابيع بدأت الشرطة التحقيق مع أحد المشتبهين، ولم تكن النتائج مشجعة، نظرا لأن المئات من العصابات تنتهك القانون وغالبيتهم مراهقون في الثانية عشرة من عمرهم، ولكنهم مسلحون، يتعاركون من أجل المخدرات، أو المال أو فرض السيطرة على الحي. قد يرى البعض أن حرب الشوارع تقتصر على بضعة أحياء جنوب وغرب المدينة البالغ تعداد سكانها ثلاثة ملايين نسمة. معظم هذه المناطق فقيرة، وغالبية سكانها من ذوي البشرة السمراء فرصهم ضئيلة في إثبات ذاتهم في المجتمع. في هذه الأحياء نمى الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما خبراته السياسية الأولى، وفي نفس المدينة ترعرت زوجته ميشيل. تنتمي ضواحي متنزه جارفيلد إلى هذه النوعية من الأحياء، حيث تقع خارج نطاق سيطرة الشرطة، على الرغم من أنها قد تحاول منع وقوع ما هو أسوأ والسيطرة على العنف. يقول رئيس دائرة الشرطة إيدي جونسون "إنهم يطلقون النار، والسبب هو الاعتقاد أنها وسيلتهم للبقاء على قيد الحياة. ويرى إيدي أن على المحاكم ووكلاء النيابة اتخاذ المزيد من التدابير الفعالة، كما يرى أن غالبية الجرائم تقع نتيجة للتناحر بين عصابات الشوارع. لا تتعدى نسبة جرائم القتل التي يتم الكشف عنها في شيكاغو الـ14%، بينما تصل نسبة جرائم القتل مقارنة بعدد السكان إلى ضعف تلك التي ترتكب في نيويورك، وهذا يضع عمدة الولاية رهام إيمانويل أمام معضلة كبيرة لصعوبة العثور على أفراد للخدمة في الشرطة، كما فشلت مساعيه في إرسال سيارات دورية لحفظ الأمن. وهكذا أصبح عمدة الولاية الذي يتولى منصبه منذ سبع سنوات، هدفا للانتقادات، التي تتهم السلطة بالفساد، والتعنت والعنصرية. يؤكد القس الأفروأمريكي جريج ليفنجستون الذي يترأس منظمة "التحالف من أجل شيكاغو جديدة" أن "شيكاغو أكثر مدن الولايات المتحدة عنصرية"، مضيفا "هنا توجد مدينتان متباينتان: الشمال الأنيق على ضفاف بحيرة متشيجان، حيث يحتسي الأغنياء المنعمون الشمبانيا ويستمتع السياح بالعمارة الفريدة لناطحات السحاب العصرية، ومن جانب آخر الجنوب والغرب حيث الإهمال والجريمة". يقوم ليفنجستون بجمع المال لمساعدة الفقراء، ولولا دعمه لما تمكنت تانيكا همفريس من سداد تكاليف دفن وجنازة ابنتها. أخبر المرأة حين ساعدها "أنا أحبها ياسيدتي، أتدرين؟"، ثم يرحل. تتنتشر مبادرات شعبية مثل مبادرات ليفنجستون بصورة متسارعة في شيكاغو، ولكنها لا تعدو أن تكون منظمات صغيرة تسعى لتحسين الأوضاع في الجوار. يتزعم مارشوان باكون منظمة "لكي تصبح رجلا كن إنسانا"، والتي يعمل من خلالها متطوعون مباشرة مع طلبة المدارس الذين يشعر مدرسوهم أنهم معرضون للتهديد، وقد تمكنت هذه المبادرة من مساعدة 6800 فتى و 1800 فتاة. تقول المتحدثة باسم الولاية فيرونيكا ريسا ""نجحنا في زيادة نسبة خريجي المدارس بنسبة 20%. لقد تعلم الشباب أن يتحلوا بالحلم قبل الرد بعنف على أي استفزاز. المدرسون في الفصول دورهم لا يقل أهمية عن دور الشرطة، ولكن هناك شرطة عنصرية وهناك مديرون مستفزون". يرى المراقبون أن الأوضاع في شيكاغو تشهد تحسنا بطيئا. في الوقت الراهن هناك شخص يصاب بطلق ناري كل ثلاث ساعات، وشخص يلقى حتفه كل 15 ساعة، وكلما طال الزمن اعتبر هذا إنجازا، ولكن مهما تحسنت الأحوال، فإن الوقت قد فات بالنسبة لتانيكا همفريس.

مايكل دونهاوزر
السبت 8 ديسمبر 2018


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan