ما هي خطة ترامب القادمة والحقيقية في سوريا...؟

16/11/2019 - واشنطن بوست- ترجمة عربي 21


في الطريق الى بيت ولادة - 4 - ظمأ الألفة



عذرا يا صديقي المحب ان بالفلسفة والفكر أمللناك فقد داهمتني كل هذه الافكار عن عصرابن رشد وعنه امام تمثاله في قرطبة واوشكت ان انسى اني أغذ السير باتجاه بيت ولادة وان هناك من يمكن ان يكون قد اصابه الملل فسيرة الفلاسفة ليست مثيرة كسيرة الشاعرات خصوصا اللواتي من طينة بنت المستكفي .


تمثال ابن حزم في أرباض بني مغيث في قرطبة القديمة
تمثال ابن حزم في أرباض بني مغيث في قرطبة القديمة
المهم انك وبعد ان تجتاز تمثال ابن رشد وبعده فندق امستاد وسط خضرة وماء , وقرطبيات بلحاظ سود ورموش فاتكة ستتنحرف يمينا من أخر بوابة في السور وذلك قبل ان تصل الى تمثال الفيلسوف الروماني سينكا الذي تفتخر قرطبه بانجابه مع فلاسفتها وشعرائها المسلمين واليهود والمسيحيين . وما ان تنحرف يمينا وكل ما في هذه المدينه يشجع على الانحراف والاستقامه معا ستجد نفسك في "كازا برافو" التي تقودك بعد انحرافه اخرى على اليمين الى "جالا المنصور" وهناك في ذلك الزقاق الضيق والعابق بالشذا الغامض ستجد دار ولادة في انتظارك وهي تحمل الرقم 26 في جالا المنصور ان صحت توقعاتي التي بنيتها على الغريزه الجمالية وعلى مجموعة قرائن شعرية ألمحنا اليها بايجاز وحان أوان توضيحها .
لقد افترضت استنادا الى اشعار متيمها وضحيتها ابن زيدون ان ولادة كانت تسكن في الحي الغربي من قرطبه , فهو يصفها مرة بالقمر الذي يطلع من الغرب :
يا قمرا مطلعه المغرب
قد ضاق بي في حبك المذهب
وفي قصيدة اخرى جاءت قافيتها بائية بالصدفه يشبهها بالشمس التي تطلع من الجهه الغربية ايضا :
انساني التوبه من حبه
طلوعه شمسا من المغرب
وبما ان الجانب الغربي من قرطبه - الارباض الغربية بلغة ابن حزم - شاسع ومتسع ويصعب حصره , فقد انتظرت محتارا الى ان جاءت القرينة الثالثه في قصيدة سينيه يشنع فيها عليها ضمنا , أو لعله يتظارف ويداعبها فيتهمها بأنها من اليهود :
ليس منك الهوى ولا انت منه
اهبطي مصر انت من قوم موسى
واذا جمعت قرائن الحي الغربي مع قرينة قوم موسى جاز الافتراض بأن ولادة كانت تسكن قرب حي اليهود بالمدينه العتيقه وربما تحديدا على اطراف ذلك الحي اليهودي الذي كان ككل احياء اليهود في القرون الوسطى - غيتو – مغلق على أهله ومصالحهم ومعاشهم وتلك الصفات التي ترد في الشعر تنطبق جميعها على المكان الذي حددناه , والذي يقع على بعد امتار قليلة من "السيناجوج" اليهودي الذي يربض في مدخل الشارع المؤدي اليه الفيلسوف ابن ميمون .
وقد يعترض معترض على هذا التحديد بقول ربما كانت ولادة تسكن عند باب اليهود الذي يقود الى الرصافه التي بناها عبدالرحمن الداخل تيمنا برصافة جده هشام في الشام , واعتراض من هذا النوع لا بد ان يسقط تلقائيا حين نعلم من متابعة التطور العمراني الذي مرت به قرطبه ان المسلمين كرهوا تلك التسمية من بدايتها وغيروا اسم باب اليهود الى باب الهدى في فترة مبكرة من عمر التاريخ الاسلامي في تلك المدينه العريقه التي ينسبون تأسيسها الى الامبراطور الروماني اوكتافيو .

ولا بد ان ولاده كانت تعابث جاراتها , ومهجه بالتحديد , ما بين ( المنصور وروميرو ) الذي يقود الى ساحة سالازار حيث الطيور تداعب جبهة تمثال الغافقي الذي يربض في تلك الساحة تحت اشجار عمرها من عمر الزمان .
لقد حل المساء رخيا ومنعنعا وصار لا بد ان نغادر ذلك الشارع المسكون بالشبق والعبق وتلك الدار التي كانت صاحبتها تطل من سطحها على نهر الوادي الكبير الذي اغرم به قبلها شيخ العاشقين وصريع الشقراوات الذي قال في كتابه المسطور بثقة ما بعدها ثقه انه خبير بشؤون النساء ويعرف عنهن ما لا يعرفه احد غيره . فهو القائل :
"واعلم ان قيافة النساء في من يميل اليهن أنفذ من قيافة مدلج في الأثار" . هكذا صرح بأستاذية لا يخفيها , ولا ينبغي له ان يخفيها ذلك الخبير النسائي الكبير الذي تعده الثقافات الأوروبية قبل العربية إماما في الغزل , وقد جاءت تلك الخبرة لأبي محمد بن حزم من المعاشرة المبكرة للنساء والتعايش الطويل مع الأنوثه المقطرة تحت سقف واحد , فهو القائل :
"شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن ما لا يعلمه غيري , لاني ربيت في حجورهن ونشأت بين ايديهن , ولم اعرف غيرهن ولا جالست الرجال إلا وأنا في حد الشباب وحين تفيل وجهي" .
ولك ان تعتبر تلك الطفوله الطويله والمراهقه الممتده بين النساء الركيزه الأولى التي نهضت عليها تلك الشخصيه المبدئيه المثيرة للجدل , فكل ما في الأنثى يجذبنا الى الأعلى كما يقول الشاعر الألماني جوته , وهذه لمحة حدسيه بارعة ادركها قبله ابن حزم مؤلف طوق الحمامة حين لاحظ بقلب العاشق وعقل الخبير ان الحب يدفع الى التسامي والعلو , وان المحب يفعل الأعاجيب ليطلق الواقع ويرتفع الى حجم المثال ارضاء للمحبوبه , والحقيقة ان الجاحظ قد سبق الاثنين في النص على أفضلية المرأة حين قال انها أرفع حالا من الرجل لأنها تُخطب , وتُراد , وتُعشق , وتُطلب , وحين يقع الخطر هي أول من يُفدى ويُحمى .
ألقيت التحية على شيخ العاشقين ابن حزم , وكان تمثاله يربض فوق ساقية جف ماؤها خارج السور , ورأيته يمسك صحيفته بشماله , ويشبك ابهامه بزناره في محاولة سريعة لاصلاح هندامه قبل النزول من فوق تلك القاعده المربعه التي اختاروها له على مدخل حي بلاط مغيث حيث عاش وأسرته في الربض الذي انشأه مغيث الرومي غلام الوليد بن عبد الملك الذي دخل قرطبه من ذلك المكان بحدود عام 92 للهجره , وأقام فيه دون أن يدري ان شمس بني أمية ستشرق ثانيه منه بعد ان غيبتها الفتن , وازالها الظلم والفساد من سماء دمشق .
ولا يمكن لك مهما كنت محبا للانتقاد الا ان تثني على عبقرية اختيار تلك البقعه لابن حزم الجديد , فهناك كان يقع باب العطارين الذي ذكره اكثر من مرة في ( طوق الحمامة ) حيث تجتمع النساء , وينشط بيع العطر والمساويك والثياب والبخور , وعلى هامش تلك الأنشطه الفرعية يعيش النشاط الأساسي المتمثل في تبادل الغزل ورسائله وشجونه وحكاياه , فعند ذلك الباب الذي يطلقون عليه اسم باب اشبيليا احيانا - كما قال - كانت عجائز قرطبه يرحن ويجئن بين الجنسين محملات بالرسائل والهدايا , ويواصلن سعيهن في السلم والحرب لجمع الرؤوس بالحلال .
وقد اخلص ابن حزم لتقاليد باب العطارين وعجائزه , واعطاهن فصلا مستقلا في كتابه الغرامي الشهير ووصف مهامهن بالسفارة , وأطلق على الباب الخاص بهن اسم "السفير" وأظهر احتراما كبيرا لدورهن ولم يعتبرهن كغيره من "الغلاظ" بمرتبة القوادات المحترفات لأنه كان وككل محترم متحضر يرى في المرأة شيئا آخر غير الجنس وحده وما هو طبعا بالقليل , ومن هذا المنطلق اجتهد ابن حزم ليبعد عنهن "السفيرات"اية شبهة من شبهات القوادة فقد كن – على ذمته – يعتبرن وصل الأحبة والتقريب بين القلوب العاشقة ثوابا يؤجرن عليه .
وكان ابن حزم كما نظن يعاني مرضا خطيرا أسمه ظمأ الألفة ليس للمرأة فقط ولكن للأشجار والطيور وأحجار الطرقات , فمن هذا الطريق الممتد من( سان باسيليو )الى رملة قرطبة كان يعبر يوميا في طريقه من الجامع واليه , وكان يجمع أخبار العشق والعشاق قبل فلورنتينو أريسا في "الحب في زمن الكوليرا". ويشهد العالم ينهار من حوله لبنة اثر لبنة فيتشبث بالموده والألفة الانسانيه ليقاوم بهما كل ذلك الخراب . وكيف لا يفعل ذاك ويلجأ الى ذلك الحضن الحميم وهو القائل عن الود :
اودُك وداً ليس فيه غضاضه
وبعض مودات الرجال سراب
اذا حُزته فالأرض جمعاء والورى
هباء وسكان البلاد ذباب
لقد عجز المستشرق الهولندي رينهارت دوزي الذي اكتشف النسخة الوحيدة المعروفه من كتاب "طوق الحمامه" عام 1841 للميلاد بين مخطوطات جامعة ليدن , عجز عن ان يفهم عذابات تلك الروح العربية , او ان يعرف مصدر النبع الذي تستقي منه ذلك الشغف بالموجودات , وتلك الحالات الراقية المتسامية من الحب , لذا رد هو وغيره حالات الحب الروحي في كتاب "طوق الحمامه" والحب العذري بعامة الى الأصول المسيحيه , وكانوا في ذلك الموقف على خطأ , فقد نشأت قصص الحب العذري بين القبائل البدويه المسلمه . ولو كانت قصصه ذات أصول مسيحيه لازدهرت في الحيرة أو عند الغساسنه في الشام أو في نجران على ابعد تقدير .
ولم يكن ابن حزم الذي استكثروا عليه ذلك السمو , انطلاقا من اشتهار الثقافة العربية بالحسيه والشهوانيه , عاشقا عذريا , ولا منظّرا للعذريه , بل لم ترد لفظة "عذري" في كتابه قط لأنه لم يكن يرى بكلاسيكية غبية ذلك التعارض بين الروح والجسد , وهذا ما سنتعرف عليه بالتفصيل بعد العبور سريعا على الرمز المشهور لراهب طيبه الذي أحرق أصابعه بالنار ليقاوم بلهبها فتنة امرأة هجمت عليه بأقوى أسلحتها , ولوحت له عن بعد ببطاقة دعوى يصعب رفضها .

(كل مقاومة مرشحه للأنهيار مهما طالت وتدعمت حصونها) .. هكذا ناجى راهب طيبه نفسه ذات مساء , وهو يبحث عن مخرج من محنته المتمثله بامرأة كانت تتجرد من ثيابها كل مساء وتأتيه ماشيه تحت ضوء القمر لتزلزل كيانه وصومعته وعالمه الجاف المرشح للسقوط تحت اضعف ضربة حب أو لمسة حنان . وتخلصا من تلك الحالة المرعبة قرر راهب طيبه التقي أن يقاوم النار بالنار , فأشعل حطبه وانتظر على الجمر الى ان بدأ يشعشع دون لهب , ثم وضع اصابعه فيه ليتخلص منها ويعذب نفسه التي تغويه باللمس بالقضاء على ادواتها اللامسة .
ان مقاومة الأقصى بالأقصى والسلاح الثقيل بما هو اثقل منه والتخلص من أداة الجريمه قبل التفكير بارتكابها والنظر الى الخطيئة الجسديه كجريمه مميته للروح , مؤشرات تنتمي الى مجتمع مختلف عن المجتمع القرطبي , والى عقلية مختلفة عن عقلية ابن حزم الذي روى تلك القصة في "طوق الحمامه" منسوبة الى طبيب يهودي , وهي من القصص الشائعة في الأدبيات المسيحية التي حاول اقطابها على الدوام اقامة حواجز منيعة بين الروح والجسد . وكان ابن حزم الذي حير المستشرقين بأفكار الحب السامي قد أتى من ثقافة حلت ذلك التعارض , وخففت من بعض تلك الحواجز , ووجدت ان من الممكن ان تعيش الروح دون الحاجة لإماتة الجسد .
وعند هذا المفرق الذي ينتمي الى السهل الممتنع حضاريا اخطأ دوزي , ثم اخطأ ماسينيون , والتقط أطراف الخيط الرهيف والصائب البارون فون شاك صاحب كتاب "شعر العرب وفنهم في اسبانيا وصقلية" الذي كان من اوائل من انتبهوا الى السمات الحضارية الاندلسية المتعلقة بالموقف من المرأة . فقد تخلصت قرطبة من احادية الجاذبية الجسديه وصارت تنظر الى ثقافة النساء وفنونهن وذكائهن وملاحة احاديثهن وتضع كل ذلك فوق اغراء الجسد في ميزان الترجيحات القرطبية .
وفي محيط من هذا النوع تشرب مؤلف "الطوق" تقاليد الحب السامي دون عقد مسبقة , ولما لم يجد ارث الخطيئة الاولى على كتفيه كمجاوريه من فلاسفة وشعراء قشتالة , فقد تحدث عن الحب بتلقائيه ساحرة , وزين احاديثه باعترافات صريحة صدرت عن مجرب نظر الى الوصل كمحطة ضائعة بين عشقين , او كسراب عابر "مارويت من ماء الوصل ولا زاردني الا ظمأ" وهي عبارة شديدة الانسانية تحيل الى ذلك التوق الدائم الى حب كبير غير قابل للانطفاء .
ان الحب الجسدي لا يشبه شيئا بمقدار شبهه للقطارات السريعة التي لا هدف لها الا الوصول الى المحطة , أما الحب الروحي القابل للحياة فيشبه الجدول العذب الرقراق الذي يتبختر متهاديا بين الضفتين , فيداعب الفراشات ويلون الازهار , ويستريح في الظلال , ويعابث بحبور ملحوظ الطيور والاشجار , مستمتعا بالحالة منذ منبعها دون ان يفكر بما ينتظره عند مصبها .

واياك ان تظن ان العشاق الروحيين اقل انانية من العشاق الماديين , فهم يمتنعون عن الوصل طمعا بالجائزه الكبرى التي ينالونها حين تصبح الرغبة املا خالدا في النفس , وشمعة دائمة الاشتعال . وقد كانت قرطبه تعرف النوعين ولكنها ورغم سمعتها بالمباذل كانت تحتفي بعشاق الروح , وتحاول ان تؤنسن حالات الحب وتخرج بها من بهيميتها وبدائيتها . فهي مدينة عذبة الروح وواسعة الأفق وتساعدك طبيعتها الودودة على تمديد الشساعة الأصلية لسمعتها التاريخية وأفقها الجمالي منذ أن أطلقت عليها الراهبة روزيتا في القرن التاسع عشر الميلادي لقب ( جوهرة العالم الساطعة).
ان ابن حزم الذي كان يسكن حومة بلاط مغيث على طريق الزهراء خلاصة عطرة لتلك المدينة التي تشدني قبل اخواتها الاندلسيات
فكلما عبرت الاندلس يشدني الشوق الى قرطبة أكثر من غيرها لا شوقا لولادة وابن زيدون وابن ميمون وابن رشد بل قبلهم جميعا لابن حزم الفقيه العاشق الذي أطلنا الوقفة عند تمثاله لانه يستحق فهو الذي صنع بلطفه ورقته وجمال مخيلته المشدودة الى واقعها بخيوط من حرير تاريخا لرومانسيات القرون الوسطى عند الاوربيين وعندنا فلهجته وتسامحه وبذخه الروحي الحميم تختلف جميعها عن كل ما ألفناه من كتب الحب وحكاياته في التراث المشرقي .
وما يزال في الجعبة بقية من رشفات قرطبية حول ولادة وعشاقها فالى الغد او بعده لنتابع على صهوة الشوق أخبار أميرة الغرام والأنتقام

محيي الدين اللاذقاني
السبت 19 أكتوبر 2019