أوروبا "أسقطت تيريزا ماي كما أسقطت مارغريت ثاتشر"

25/05/2019 - برايان ويلير وغيفن ستامب - بي بي سي نيوز



في تجربتي الثورتين الفرنسية والسورية



إذا كانت جميع الثورات العالمية تشترك في هدف واحد، هو استبدال أنظمة الحكم الديكتاتورية بنظم حكم ديمقراطية، فإن مسار الثورات يختلف اختلافاً كبيراً فيما بينها، بسبب اختلاف طبائع العمران (ابن خلدون)، أو اختلاف نظام الحكم وظروفه التاريخية (مونتسكيو). هكذا كانت في أوروبا ثورتان كبيرتان: الأولى إنكليزية عام 1688 سلمية الطابع، ولم تحمل أية تكاليف، والثانية كانت فرنسية عام 1789، حملت طابعاً عنيفاً منذ بدايتها، إلى أن وصلت إلى عهد الرعب مع روبسبير واليعاقبة. وفي العالم العربي، تراوحت الثورات بين النموذجين، فكانت الثورة التونسية كناية عن الثورة الإنكليزية، في حين كان النموذج السوري قريباً جداً من النموذج الفرنسي.


 
وبسبب قوة الملكية المطلقة، لم تكن في فرنسا مؤسسات فاعلة اجتماعياً وسياسياً، لا طبقة نبلاء ولا برلمان قادران على مواجهة الحكم الملكي المطلق، وكان من نتائج ذلك مجتمع يواجه مشكلات كبيرة في تكيّفه مع المشاركة السياسية. وقد طوّر الفلاسفة الفرنسيون الذين كانوا غير فاعلين في الحياة السياسية، بسبب الاستبداد الملكي، أيديولوجيات مثالية مفارقة للواقع، باسم العقل والحقوق والطبيعة والحرية والمساواة.. إلخ، وطبعت هذه الأيديولوجيات التنوير الفرنسي بطابعها: فولتير يدعو إلى إعلان الحرب على الكنيسة، وديدرو يدعو إلى قتل الملك، وآخرون يجاهرون بالإلحاد، ويضعون الدين في مرتبةٍ دونية مع العامة. وهكذا تمت ردكلة المفاهيم السياسية، وباسم هذه الأيديولوجيات ستكشف الثورة عن أنيابها، وتنجب عهد الرعب الفرنسي في أثناء الثورة.
في ظل ملكية القرن السابع عشر، لم تكن البرجوازية الفرنسية رأس حربة التحديث التي تأخذ الريف معها إلى عالم الرأسمالية الصناعية، بل كانت خاضعةً للتنظيم الملكي، وموجّهة نحو 
إنتاج السلاح والكماليات، من أجل زبائن محدّدين. وللحد من هيمنة الطبقة الإقطاعية، زاد اعتماد الملك على البرجوازية الصاعدة، بإدخالهم في المؤسسة البيروقراطية للدولة، وكان من نتيجة ذلك أن هذه الطبقة الجديدة بدأت تتبنّى مقولات الدولة، وتتسم بسماتٍ مشابهةٍ لسمات الإقطاع، وهذه ممارسةٌ ميزت فرنسا عن إنكلترا.
وإذا كان بيع المناصب، في المراحل الأولى من نمو الملكية، قد ساعد على حشد الطبقة البرجوازية، من أجل هجوم الملك على الإقطاع، فقد كشف اللجوء المستمر إلى تلك الحيلة عن إضفاء السمات الإقطاعية على الطبقة البرجوازية، يؤكد أستاذ التاريخ المقارن بارنغتون مور.
هنا تلاقت مصالح البرجوازية البيروقراطية وتباعدت في الوقت نفسه مع مصالح الإقطاع، وكان أساس الخلاف في طبيعة العلاقة مع الدولة، وأدّى عدم التفاهم بينهما إلى عدم استقرار شمولي للمسار السياسي الفرنسي. ولذلك خاضت الديمقراطية الفرنسية صراعا عنيفا مع إقطاع رجعي، ودولة ذات صلة وثيقة بقوىً تحاول الحفاظ على الوضع الاجتماعي وتثبيته، وفي مقدمتها الكنيسة التي لم تشهد أي حركة إصلاح، وهو ما يفسر سبب الحركة العنيفة المناهضة للدين والكهنوت. وكان لرد الفعل الملكي، أو الثورة المضادة، الدور الرئيسي في تحويل انتفاضة جماهيرية محدودة إلى ثورة انتفاضة واسعة، ثم الثورة، حيث أدّت عملية محاصرة باريس بالجنود إلى دفع فقراء المدينة إلى اقتحام سجن الباستيل، للحصول على السلاح للدفاع عن أنفسهم، وقد شكل سقوط الباستيل بداية التحرير، لكنه شكل بداية الاتجاه الراديكالي للثورة الذي سيعبر عنه في عدة محطات: اجتياح قصر تويليري عام 1792، وإعدام الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت في 21 يناير/ كانون الثاني 1793، وانتفاضة باريس الكبرى نهاية مايو/ أيار عام 1793.
ويُرجع الفيلسوف والمؤرخ، إريك هوبسبام، ضعف الاتجاه الثوري المعتدل، وطغيان الاتجاه الراديكالي، ممثلا باليعاقبة، إلى غياب طبقة قادرة على أن تطرح نفسها بديلا اجتماعيا، في وقتٍ لم يستطع الفلاحون في الريف طرح مبادراتٍ، واكتفوا بالبقاء قوة مسكونية رديفة، وبالتالي لم يكن أمام البرجوازية إلا اللامتسرولون الذين كانوا القوة الضاربة للثورة، ورمز يساريتها.
وكان من نتيجة طابع الحكم المطلق، وغياب الإصلاح الحقيقي في الدولة، أن أمسكت القوى الشعبية بمسار الثورة على حساب قوة الأفكار لدى الفلاسفة الذين لم يستطيعوا التأثير في مجرى السياسة، وكل ما قاموا به هو التفكير الجريء والخيالي، لأنهم كانوا أقل حريةً في استشارتهم، أو تقديم النصيحة.
مع اختلاف التجربة التاريخية، ثمّة تقاطعات مهمة تجمع التجربتين، الفرنسية والسورية، أولهما الحكم المطلق، بغض النظر عن المرجعيات السياسية أو الإبستيمولوجية أو الدينية المؤسّسة للشرعية.
بدأ نظام البعث بطموحات اجتماعية كبيرة، واستطاع تكوين نخبة حاكمة، عبر ائتلاف عابرٍ 
للطوائف، ولها قاعدة اجتماعية متنوعة طائفيا أيضا، إلا أن فشله في تحقيق تقدم اقتصادي حقيقي من جهة، وطبيعة النظام الشمولي من جهة ثانية، قد أدّيا إلى إهمال الروابط المؤسساتية مع المجتمع، والاستعاضة عنها بولاءات بدائية وزبائنية، واستيعاب مصالح بيروقراطية عابرة للطوائف في جهاز الدولة عبر الأيديولوجيا الشعبوية الممأسسة في الحزب الحاكم.
وقد أحدث حافظ الأسد، بوصوله إلى السلطة، قطيعة مع المراحل السابقة التي شهدتها البلاد منذ الاستقلال، إن كان على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو حتى الاجتماعي، فمعه بدأت مرحلةٌ لها قواعدها ونظمها الحاكمة التي أنهت مرحلة الانقلابات والاضطرابات السياسية، وأنهت معها أيضا إمكانية أي حراكٍ سياسي مستقبلي، لقد تطلب الأمر تغيير منظومة التحالفات السائدة، لجعل الاستقرار السياسي إمكانية حقيقية.
عمد الأسد، بدايةً، إلى تأسيس منظومة حكم قائمة على علاقةٍ، تداخلية/ تخارجية في آن معا، للمؤسستين العسكرية والحزبية، بدأ أولا بتعزيز قاعدته العسكرية في الجيش، وهي قاعدة متنوعة طائفيا، لتحقيق هدفين متكاملين: ضمان ولاء الجيش له وفصل الجيش عن الحزب من أجل التخلص من ضغوطه الأيديولوجية الراديكالية، ثم اتجه إلى تعزيز مجموعة من الضباط العلويين الموثوقين في المناصب الحساسة، للتخلص من ضغوط المؤسسة العسكرية، الأمر الذي أعطاه قدرةً أكبر على التحرّك في السياسة، بمعزل عن ضغوط المؤسسة العسكرية التي وسمت تاريخ سورية الحديث.
هكذا أصبحت المؤسستان، العسكرية والأمنية، من توابع السلطة، لا من توابع الدولة، فيما أصبحت أيديولوجيا البعث أداة للهيمنة الفكرية للسلطة. وكان حصيلة ذلك تدمير البرجوازية السورية الحقيقية، وإلحاق ما تبقى منها بمؤسسات النظام، نوعا من الرشى السياسية والاقتصادية، فتقاطعت مصالحها مع مصالح النظام.
تصحّرت الحياة السياسية بالكامل في سورية، واستحال إجراء أي إصلاحٍ جدّي قادر على تغيير البنى السياسية والاقتصادية، الأمر الذي حال دون تشكل كتلة تاريخية سياسية، قادرة على ممارسة ضغوط على السلطة، سيما في ظل اتسام البرجوازية بشكل عام، والسنية بشكل خاص، في دمشق وحلب، بسمات إقطاعية، كما كان الحال في فرنسا، ولم تنشأ طبقة برجوازية ذات حامل سياسي حداثي، لها مطالب وطنية، لأن البرجوازية، على العموم، لا تنظر إلى المجتمع من منظار طبقي، وإنما من منظار تجاري، وهي لذلك ليست ملتزمة بالتغيير الثوري، وهذا ما جعلها دائما عائقا أمام الحداثة وعاملا مساعدا للنظام القائم، يقول الكاتب صقر أبو فخر.
وكما فرنسا، لم توجد في سورية مؤسساتٌ فاعلةٌ اجتماعيا وسياسيا، ولا برلمان فاعل، وكان
 من نتائج ذلك إقصاء المجتمع عن المجال السياسي. ومع اندلاع الثورة، عمل النظام سريعا على تجاوزها بقوة السلاح، وبقوة علاقاته الاجتماعية مع المنظومات الطائفية المتنوعة. وعلى غرار فرنسا، كان لعنف النظام، أو الثورة المضادة، دور في تحويل الثورة من مسارها السياسي إلى مسارها العسكري. وعلى غرار فرنسا، عشية الثورة وفي أثنائها، لم توجد في سورية قوى اجتماعية ـ سياسية قادرة على تأطير الثورة، وتحريك مساراتها، ومن ثم تكثيفها، ولم توجد قوى اقتصادية قادرة على دعم الحراك الجماهيري، وممارسة ضغوط على السلطة، وهذا ما يفسّر خروج قيادة الشارع من الذين تغلبت عليهم صفة الحداثة، والانتماء إلى المجتمع المدني.
ومع انتقال الثورة من جانبها السلمي إلى جانبها المسلح، بدأت الشخوص الفاعلة تتغير، وبدأ يتغير معها خطاب المعارضة الذي أصبح أكثر جرأةً، وأكثر تعاليا عن الواقع، عبر محاولة دفع عجلات التاريخ إلى الأمام، واستلهام تخيلات سياسية لا تقبلها الوقائع التجريبية، وكان من نتيجة ذلك عدم حصول انسجام بين الفكر والواقع، فظل الأول متعاليا على الثاني. لكن الفرق بين التجربتين أن القوى الثورية الفرنسية نجحت في تعديل مسار الثورة، وإبعاد القوى الراديكالية (اليعاقبة) وإحلال الأفكار المعتدلة مع الجيرونديين، وبدأت الأفكار الفلسفية والقانونية تأخذ مجراها في نسيج السياسة. أما في سورية، فكان لمصالح المجتمع الدولي من جهة،
وهيمنة التنظيمات الإسلامية المتطرفة من جهة ثانية، دور في انزياح الثورة عن أهدافها، واستحالة تصحيح مسارها
------------
العربي الجديد

حسين عبد العزيز
السبت 16 مارس 2019


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث