-
- .
1
في سبعينات القرن العشرين وُجِدت مجموعات شيوعية مناهضة للنظام، لا تصف نفسها بأنها معارضة، بل هي ثورية من حيث المبدأ. الثورة فكرة قوية حاضرة في أفق حساسيتها وتفكيرها، بأثر حضورها في السجل الفكري السياسي الذي تصدر عنه. كانت الثورة عنصراً مُعرِّفاً لهذه المجموعات بحكم إيديولوجيتها المشتركة، ولعلها لذلك لم تكن غائبة حتى عن تنظيم شيوعي أو أكثر من الموالين للنظام. التنظيم الشيوعي ثوري تعريفاً، أيّاً تكن سياسته الفعلية، بل وأيّاً تكن درجة استقلاله. وما كان هناك من جدال محتمل يتصل بما إذا كانت «الثورة المقبلة» (فهي مقبلة حتماً) اشتراكية أم مجرد وطنية ديمقراطية.
المجموعات الشيوعية المعنية تعرّضت لقمع اجتثاثي في عقد الثمانينات، حدّ من قدرتها على إنتاج التفكير النقدي. كان المناخ السياسي والفكري الدولي يتغيّر على أي حال. نحن في زمن تخثّر الشيوعية السوفييتية وبروز ظاهرة المنشقين وصعود أفكار حقوق الإنسان، وهو كذلك زمن الشيوعية الأوروبية والتنصّل من عقيدة دكتاتورية البروليتاريا. في هذا المناخ تراجع تداول فكرة الثورة التي كانت، نكرر، عنصر هوية أكثر مما هي ممارسة سياسية فعلية، أكثر كذلك مما هي موضوع نقاش وإنتاج فكري. ولا ينال هذا التقدير في شيء من حماس وإخلاص الشيوعيين المعنيين وتطلّعهم إلى التغيير الجذري، بل وعملهم وتضحياتهم من أجله. والواقع أن عناصر من السياسة الثورية: النضال السري، سياسة تحالفات، ونزع الشرعية خطابياً عن النظام، بل وحتى مداعبة فكرة حمل السلاح ضده، كانت في تداول تلك المجموعات اليسارية وتُرِجم بعضها إلى وقائع. لكن هذا العامل الذاتي، إن تكلمنا بلغة تلك الأيام، واجه قمعاً ماحقاً من جهة، في شروط موضوعية عالمية غير مواتية من جهة ثانية، حتى ليبدو ذلك الطور من النضالية الشيوعية، بمنظورٍ راجع، أقرب إلى شهقات أخيرة.
والخلاصة الأولى لهذه المناقشة هو أن تاريخ سورية في عقود حكم حافظ الأسد عرف مجموعات ثورية، سُحِقَت دون صعوبة، لكنه لم يعرف ثورة.
2
انعكس تغيّر «سمة العصر»، حسب تعبير آخر من تلك الأيام، في التعبيرات الفكرية. لم تعد تلك السمة هي «الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية». في النصف الثاني من ثمانينات القرن العشرين أخذ إلياس مرقص، وهو واحد من عدد قليل جداً من المثقفين اليساريين المنتجين لفكر نقدي، يتكلم على إصلاح أكبر من ثورة، مضمونه التقدم والعَقلنة والديمقراطية. قبل أكثر من عشر سنوات كان ياسين الحافظ يتكلّم على عَقلنة السياسة والوعي المُطابق لحاجات المجتمع العربي. ورغم أن اسم جريدة الحزب الذي أسسه الحافظ في ستينات القرن الماضي، حزب العمال الثوري العربي، هو الثورة العربية، إلا أن الحساسية العامة لفكره، ولفكر صديقه مرقص، نزعت إلى أن تصير تقدمية وعقلانية وليبرالية أكثر مما هي ثورية واشتراكية. أي أنها كانت أوثق صلة بما كان يسمى «مهمات برجوازية» بلغة تلك الأيام.
وهذا مناخ فكري تعزّز بفوز الغرب الرأسمالي بالحرب الباردة وتفكك المعسكر الاشتراكي ثم تداعي الاتحاد السوفيتي نفسه عام 1992. خرج مُدرَك الثورة من التداول، وصارت الكلمة مشبوهة بأنها حِلية لانقلابات عسكرية مثلما صار يقال عن «ثورة» الضباط الأحرار المصرية و«ثورة» 8 آذار البعثية في سورية، بل وثورة أكتوبر الروسية التي أخذ يتواتر وصفها بالانقلاب البلشفي.
في التسعينات السورية كانت كلمة الثورة حاضرة فقط في أحكام محكمة أمن الدولة العليا على المعتقلين الشيوعيين، المتهمين بمعاداة أهداف الثورة، أي الانقلاب البعثي الأول.
ما بقي من مثقفين يساريين سوريين أخذوا في هذا العقد يتكلمون على الحداثة والعلمانية، والتنوير، وبقدر أقل على الديمقراطية. الحساسية الشيوعية تقادمت بسرعة، ولم تعد كلمة يسار تعني شيئاً محدداً. أما الثورة فصارت نسياً منسياً.
3
لم يكن مدرك الثورة في التداول في أيام ربيع دمشق القصيرة التي شهدت، بالمقابل، دخول كلمة معارضة حقل التداول السياسي السوري. تشكّلت «المعارضة» بقدر لا بأس به من معتقلين سياسيين سابقين، معظمهم كانت الثورة عنصراً أساسياً في هويتهم سابقاً. لم يعد الأمر كذلك. هل كانت كلمة «معارضة» مطابقة لتعريف وضعهم الجديد؟ ليس تماماً، فلم يكن معترفا بهم ولا كانوا آمنين على أنفسهم، ولم يكن في البلد حقل سياسي مفتوح وحياة حزبية تعددية.
وفي تفكيرهم، حلّ محل الثورة مدرك الإصلاح السياسي الذي كان يرفضه النظام والناطقون باسمه، ويقدّمون ضده شعار التطوير والتحديث. يقول فاروق الشرع في الجزء الثاني من مذكراته إن بشار الأسد تفاخر بدوره في سحب مفردة الإصلاح من بيان قمة تونس العربية عام 2004. ولعله كمنت في خلفية تفضيل فكرة الإصلاح خشية من مخاطر تطال وحدة البلد والمجتمع، وتفضيلٌ مجمع عليه لمخارج غير عنفية، وغير ثورية، من الوضع السوري المغلق.
الإصلاح الذي كان كلمة مذمومة في سبعينات القرن الماضي وما قبل، أقرب إلى شتيمة، صار مطلباً للمعارضين السياسيين في العقد الأول من القرن، وفكرة متطرفة عند وريث حافظ الأسد. وما عناه عملياً رفض مفهوم الإصلاح ذاته هو نزع شرعية الأنشطة المعارضة التي كانت تعرف نفسها به (بالإصلاح). بالمقابل، حين تشكّل إعلان دمشق عام 2005، وكان يضم يساريين وإسلاميين وقوميين عرب، تحت راية التغيير الديمقراطي، كان ضمنياً ينزع شرعية النظام، وإن ظلت كلمة الثورة غائبة من معجمه.
4
ما أعاد الاعتبار لفكرة الثورة هو ثورات الربيع العربي التي سيقول عنها آصف بيات وفواز طرابلسي إنها ثورات بلا ثوار. معهما حق إن كان المقصود بـ «ثوار» قوى منظمة تعمل وفق نسق فكري واضح من أجل التغيير الجذري للواقع الاجتماعي والسياسي. لكن يبدو أن المفكرين الإيراني واللبناني يصدران عن تصوّر للثورة شكّلته بقدر كبير شيوعية القرن العشرين، وبخاصة الثورات الروسية، وربما الصينية. هناك ثلاثة عناصر في هذا التصور: تغيير جذري للبنية الاجتماعية مفهومة كعلاقات ملكية وإنتاج؛ استيلاء على السلطة من قبل قوى منظمة تقود التغيير وتحمل تصوراً ثورياً للمجتمع؛ وضمناً الثورة عنيفة، وإن كان بيات وطرابلسي غير واضحين في هذا الشأن. عنف الثورة جزء من الباراديغم، مبنيٌ على جذريتها، وتعذّر ترجمة هذه الجذرية إلى واقع دون إكراه واسع ضد الطبقات والنخب المسيطرة. بيات يتكلم بخصوص الثورات العربية على refolutions، دامجاً بين كلمتي إصلاح وثورة بالإنكليزية. هذا صحيح بالفعل. لكن كانت الخيارات محصورة تاريخياً بين لا ثورات أو تلك الثورات الإصلاحية.
على أن مشكلة الثورات العربية، والثورة السورية بخاصة، لم تكن هنا.
لقد دخلنا زمن الثورات بلا ثوريين مسبقي التشكّل، اختفى مثالهم من عالم اليوم بأكمله على أي حال. ظهر ثائرون لدينا بفعل الثورات وعلى يديها. ثائرون بدون أنساق فكرية قوية الشخصية، وبالتالي مصيرهم تابع لمصير الثورات. ثوار بدون نظرية ثورية، إن استعدنا اللغة اللينينية.
هذه المرة لدينا ثورة لأن هناك وضع ثوري، وليس لأن هناك ثوريون يقودونها.
5
الربيع العربي أعاد الاعتبار لفكرة الثورة في سورية، وكان هو الوضع الثوري الذي ما كان للثورة السورية أن تحدث لولاه. وما ظهر من ثائرين أثناء الثورة كانوا قبلها ساخطين اجتماعياً دون ترجمة سياسية لهذا السخط، أي دون فاعلية ثورية منظّمة، تنزع بوعي شرعية الأوضاع القائمة وتعمل على قلبها جذرياً. الوضع الثوري هو الذي نقل مَن كانوا ثائرين في ذاتهم إلى ثائرين لذاتهم، إن استعرنا تعابير هيغلية استخدم مثلها ماركس للتمييز بين طبقة في ذاتها (وضع اجتماعي غير واعٍ لذاته) وطبقة لذاتها (واعية لموقعها ودورها وفاعلة سياسياً)، لكن بمعرفة نظرية وخبرة عملية متواضعة. عنف وتعقيد الصراع لم يلبث أن حيّد نسبة منهم وقلب آخرين على أنفسهم، كما قضى على الديمقراطيين الثوريين، قتلاً وتغييباً ونفياً.
على أنه في الوضع الثوري يتمثّل الفرق الحاسم الذي أحدثه الربيع العربي، بين مجموعات تعرف نفسها بالثورة ومسلحة بما يُفترض أنها نظرية ثورية في أيام حافظ الأسد، حيث لم تحدث ثورة ولم تنشأ أوضاع ثورية، وبين وضع ثوري وثورات فعلية، لكن دون قوى ثورية منظمة.
النقطة المهمة هي أن النفي السياسي لشرعية النظام الأسدي، النفي الثوري، ما كان ممكناً دون وضع ثوري.
6
الثورة هي التي نزعت شرعية الحكم الأسدي، وليس المعارضة في العقد الأول من القرن السابقة لها، على أهمية ربيع دمشق والجهود الفكرية والسياسية في السنوات اللاحقة له. عنف النظام ووحشيته في التعامل مع الاحتجاجات الشعبية هي التي جذّرت موقف قطاعات شعبية ونخبوية ضده، وقادت إلى نزع شرعية جذري عنه.
قادت الثورة كذلك إلى ظاهرتين قصويتين متناقضتين كلياً، لا تُفهم واحدة منهما بمعزل عن الأخرى. الأولى هي أن نزع الشرعية في بيئة عنف أقصى وجد موطئ قدم في الأوساط السلفية المتمرسة أو الأقرب إلى التمرس بالسلاح والمواجهة المسلحة، أو التي لديها إجابة واضحة جاهزة على سؤال: كيف نرد على نظام عنف مفرط؟ الجواب بالعنف المفرط. لم تكن لدى «معارضة» ما بعد ربيع دمشق الإصلاحية إجابة مماثلة على السؤال. وحيال ما كان يمارس من عنف فعلي كان يجري تفهّم لجوء المقموعين إلى حمل السلاح دفاعاً عن النفس في أحسن الأحوال، وفي حالات أكثر جرى لومهم على العسكرة والتسلّح. أما الظاهرة الثانية المتّصلة بنزع الشرعية فهي الخروج من البلد من قبل طيف واسع من المعارضين الإصلاحيين، لا يقبلون بالنظام ولا يريدون السكوت عنه، وليسوا حملة سلاح، ولم يعد مركّب التنظيم الثوري والعنف الثوري والنظرية الثورية الذي تربّى عليه بعضهم قابلاً للحياة. بصورةٍ ما، كان نفي النفس خارج البلد ثمناً لنفي الشرعية عن النظام.
لدينا هنا ظاهرتا نفي: نفي النظام وشرعيته وجد مرساه في قوى بلا وطنية، وبعضها مُعولمة وبلا وطن، متوطنة في عنفها الديني الذي له اسم مكرس عريق: الجهاد؛ ثم نفي من الوطن تعرض له مواطنون ووطنيون تحت وطأة العنف الشامل في البيئة السورية بدءاً من النصف الثاني من عام 2012. في الوقت نفسه تقريباً، تدفّق أهل الجهاد إلى داخل يستعر، وتدفق أهل البلاد إلى خوارج آمنة بتفاوت. بيئة العنف التي اجتذبت الأولين طردت الأخيرين. يجمع بينهما أنهما في الجذر شكلان لنفي الشرعية عن النظام الذي كان يعمل على دوامه الخاص بدوام احتكار الداخل السوري بالعنف.
7
الخلاصة العامة من وجهة نظر تاريخية هي أنه لا يبدو أن هناك شكل لنفي الشرعية عن نظام قائم ليس ثورياً أو مندرجاً في إطار عملية ثورية: إما يجري أثناء الثورة التي تحدث بفعل التقاء السخط الاجتماعي بوضع ثوري، أو هو يوجب سياسة ثورية: تنظيم سري، وربما مسلح، وسياسة تحالفات، بانتظار لحظة ثورية أو أوضاع ثورية.
هل في ذلك ما ينفع للتوجّه في الراهن السوري؟ هناك ميول لنزع الشرعية عن النظام الحالي، لكن دون سياسة ثورية ودون أوضاع ثورية. هذا لا يُثمر. نزع الشرعية يخسر على هذا النحو معناه لأنه منفصل عن مقتضياته الذاتية والموضوعية الضرورية.
من غير المتصور أن تنشأ أوضاع ثورية عامة في سورية في وقت قريب بفعل الإجهاد الاجتماعي وطول أمد موجة الصراع السوري التي أعقبت الربيع العربي. لكن المشكلة اليوم قد لا تكون هنا. المشكلة أن نزع الشرعية عن الحكم الحالي يعرض ميلاً متواتراً لنزع الشرعية عن الوطنية السورية، على نحو يحاكي نفيها من قبل العدميين الإسلاميين.
ومثلما رأينا حركتي نفي بعد الثورة، واحدة نافية للوطنية لكنها تملك إجابة على سؤال ما العمل في مواجهة نظام عنف، وواحدة وطنية لكن بلا إجابة، ووجدت نفسها مضطرة للنفي خارج البلد كثمن لنفي شرعية النظام، اليوم هناك حركة مقاربة في اتجاهين: حركة انتحال الوطنية ممن كانوا إسلاميين مُعولمين وعدميين وطنياً، لكن على أرضية تفوّقية سنّية وحكم تسلطي محافظ، وحركة نفي الوطنية ممن كانوا من قبل وطنيين مبدئياً، والتعويل على الفعل المتعاضد للروابط الإثنية أو الطائفية والرعايات الخارجية. الموقع الشاغر هو لوطنية تعددية استيعابية مضادة للطائفية وقائمة على المواطنة.
بفعل تناقضاتها الذاتية أكثر من أي شيء آخر، أزمة صيغة الحكم الحالي قادمة بعد حينٍ يطول أو يقصر. ضعف وإضعاف الوطنية السورية، وليس قوتها والتوظيف فيها، هو ما يمكن أن يكون سنداً لإطالة عمر هذه الصيغة. تقويتها والدفاع عنها هو بالأحرى ما يمكن أن يكون ركيزة لعمل ديمقراطي جامع، وربما ثوري في وقتٍ غير بعيد
-----------
الجمهورية نت.
-
|
عيون المقالات
|
قوى ثورية أم أوضاع ثورية: كيف تحدث الثورة؟السؤال الذي تحاول أن تجيب عليه هذه المقالة يتصل بشروط إمكان الثورة والسياسة الثورية في سورية، عبر النظر في الصفحات الأقرب إلينا من تاريخ البلد. من شأن النظر في أوجه من النضال اليساري في صفحتي الأب والابن من الحقبة الأسدية أن يزودنا بإطارٍ مقارن يساعد في التوجّه في أوضاع سورية ما بعد الأسديةياسين الحاج صالح
الاربعاء 26 أغسطس 2026
إقرأ المزيد :
واقع النخب في سوريا اليوم - 18/08/2026في نقد النخبوية الإسلاموية الجديدة - 18/08/2026في «شيطنة» اللغة الفرنسية و«مديحِ» الإنكليزية؟ - 16/08/2026 |
|
|
|
||


الصفحات
سياسة








