تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة

سلامتك يا حلب

11/01/2026 - أنس حمدون


لمن تُبنى الدولة السورية؟





لم يعد سؤال إعادة الإعمار في سوريا سؤال إسمنت وبنية تحتية، ولا مسألة تمويل دولي أو خطط تقنية، بل أصبح سؤالاً سياسياً بامتياز، يتصل مباشرة بطبيعة السلطة التي ستدير هذا الإعمار، وبالمنطق الذي يحكم علاقتها بالمجتمع. فالإعمار لا يبدأ من إعادة بناء ما تهدّم، بل من الإجابة عن سؤال أبسط وأخطر: لمن تُبنى الدولة، ولماذا؟ في السياقات الخارجة من الحرب، غالباً ما يُختزل النقاش في هوية الجهة الحاكمة، أو في شرعيتها السياسية، أو في حجم الدعم الدولي الذي تحظى به.


 لكن التجربة السورية تُظهر أن هذه الأسئلة، على أهميتها، تظل ثانوية إذا لم تُقارب مسألة الحكم من زاوية منطق إنتاج السلطة ذاته. فليست كل سلطة قادرة على إدارة الإعمار، حتى لو امتلكت الموارد، ولا كل مشروع مرفوع تحت عنوان “الاستقرار” مؤهلاً لبناء دولة قابلة للحياة. إعادة الإعمار، في جوهرها، عملية اجتماعية قبل أن تكون هندسية. هي إعادة تنظيم العلاقة بين الأرض والناس والدولة، وإعادة تعريف وظيفة السلطة بوصفها أداة لخدمة المجتمع لا جهازاً للسيطرة عليه. وحين تتشكل السلطة في فراغ الدولة من دون عقد اجتماعي فعلي، ومن دون آليات تمثيل ومساءلة، فإنها تميل بطبيعتها إلى التعامل مع الإعمار بوصفه غنيمة أو أداة ضبط، لا مساراً لإعادة بناء المجتمع. الفرق الحاسم هنا ليس بين سلطة “وطنية” وأخرى “محلية”، ولا بين مشروع مركزي وآخر لامركزي، بل بين منطقين للحكم. منطق يرى المجتمع شرط وجود الدولة، فيضطر – حتى في ظل القسر – إلى الاستثمار في التعليم والخدمات والبنية الإدارية، لأن أي تجاهل لهذه العناصر يهدد استمراره. ومنطق آخر يرى المجتمع عبئاً أو خطراً محتملاً، فيوجّه موارده نحو الأمن والعسكرة، ويؤجل الإعمار الحقيقي إلى أجل غير مسمّى باسم “الظروف الأمنية”. هذا الفارق يحدد شكل الإعمار ومآلاته. في المنطق الأول، يصبح الإعمار عملية تراكمية بطيئة، مليئة بالأخطاء والتشوهات، لكنها قابلة للتصحيح، لأنها تنطلق من فكرة الحياة فوق الأرض: مدارس، جامعات، بلديات، بنى خدمية، وفضاء عام يسمح للناس بالعيش والمساءلة والمشاركة. أما في المنطق الثاني، فيتحول الإعمار إلى مشاريع معزولة، شكلية أو استعراضية، لا تمس جوهر حياة الناس، لأن الأرض تُدار بوصفها ساحة أمنية لا فضاء اجتماعياً. هنا تتبدّى خطورة تحويل الموارد إلى أدوات ضبط بدل أن تكون أدوات تنمية. النفط، الزراعة، المياه، والمساعدات الدولية، حين لا تُوظّف في بناء إنسان قادر على المشاركة في المجال العام، تتحول إلى لعنة سياسية. فهي تعفي السلطة من الحاجة إلى المجتمع، وتكرّس اقتصاداً ريعيّاً هشّاً، يعيد إنتاج التبعية والعسكرة، ويمنع نشوء طبقة مدنية فاعلة قادرة على حمل مشروع دولة. مستقبل الدولة السورية لا يتوقف على حجم التمويل الدولي ولا على المؤتمرات السياسية، بل على الإجابة الصريحة عن سؤال الحكم: هل ستكون السلطة القادمة امتداداً لذهنية السيطرة والإقصاء، أم قطيعة معها؟ هل سيُنظر إلى المجتمع بوصفه شريكاً في إعادة البناء، أم ككتلة يجب إدارتها أمنياً خلال مرحلة “انتقالية” مفتوحة بلا أفق؟ الجيل السوري الذي خرج من الحرب لا يبحث فقط عن بيت مهدّم يُعاد بناؤه، بل عن معنى للعيش في دولة تحترم كرامته، وتوفر له تعليماً حقيقياً، واقتصاداً منتجاً، وأفقاً مدنياً. وحين تغيب هذه العناصر، يصبح الإعمار مجرد إعادة إنتاج لأسباب الهجرة والانفجار الاجتماعي، لا حلاً لها. من هنا، فإن أي حديث جدي عن إعادة إعمار سوريا يجب أن يبدأ بتفكيك الذهنيات السلطوية التي ترى في الدولة غاية، وفي المجتمع وسيلة. فالدولة التي لا تُبنى على عقد اجتماعي واضح، وعلى فضاء عام حي، ستبقى دولة هشة، مهما بدت متماسكة أمنياً. ليست المشكلة في من يحكم سوريا في المرحلة القادمة، بل في كيف ولماذا يُحكم. فإما أن يكون الإعمار مدخلاً لبناء دولة مواطنة، تعيد وصل الأرض بالناس، والسلطة بالمجتمع، أو يتحول إلى مشروع تقني بلا روح، يعيد إنتاج الخراب بأشكال أكثر صلابة وأقل ضجيجاً.
---------
موقع نينار برس

جمال حمّور
الثلاثاء 10 فبراير 2026