أول حكم قضائي بالقتل بحق زوج نانسي عجرم في "قضية الفيلا"

24/11/2020 - سبوتنيك - وسائل اعلام لبنانية

اعتداءات وحرق منازل سوريين في بلدة بشرّي اللبنانية

24/11/2020 - الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام - اورينت


محمد الفاتح ... السلطان الشاعر




المشتهر بين الناس أن السلاطين العثمانيين لم تكن حياتهم تتسع لغير الغزو والصولات والجولات في الميادين والجلوس في غرف العمليات والتخطيط للحروب.


لكن أصحاب هذه الفكرة ربما يعيدون النظر فيها عندما يطالعون ما جاء في كتب المؤرخين حول اهتمام معظم سلاطين الدولة العثمانية بالشعر، بل إن بعضهم كانوا بالفعل ضمن صفوف الشعراء.
ومن هؤلاء السلاطين الشعراء، السلطان محمد بن مراد الثاني، الملقب بالفاتح، والذي أحدث هزة عالمية بفتح مدينة القسطنطينية، عام 1453 م.
كان السلطان الفاتح محبا للشعر حبا عظيما، وله عنده منزلة خاصة ويوليه اهتماما فريدا، فقد كان ميالا إليه منذ الصغر، ويقرض الشعر باللغتين التركية والفارسية، وبلغ من حبه للشعر أنه كان في بلاطه ثلاثون شاعرا خصص لهم رواتب شهرية.
كان الفاتح متذوقا للشعر شديد التأثر به، ويذكر الدكتور سيد رضوان علي، في كتابه "السلطان محمد الفاتح بطل الفتح الإسلامي في أوروبا الشرقية"، أن أحد الأدباء اللاتين أرسل إليه قصيدة مدح من ميلانو، يستجديه بأن يطلق سراح عائلته بعد فتح القسطنطينية، فتأثر بها وأطلق سراحهم.
وحتى الشعراء في غير بلاده كان يتواصل معهم، حيث كان يشجع الأدباء والشعراء الموهوبين من جنسيات مختلفة، وقد عين راتبا سنويا للشاعر الإيراني عبد الرحمن جامي، والشاعر الهندي خواجه جهان.
لم يكن الفاتح مجرد محب مشجع للشعر، بل كان شاعرا موهوبا، له ديوان شعري، ويكتب باسم مستعار هو "عوني".
ونشر المستشرق الألماني ج. جاكوب أشعار الفاتح في برلين، عام 1904، بعد أن استخرجها من مجموعة محفوظة في قصر الكتاب بجامعة أوبسا الملكية.
كما نشر التركي جمال أديب أشعار الفاتح في أنقرة، عام 1946، وصورها من مخطوط تركي في مكتبة "ملت" بإسطنبول.
ويصفه المؤرخ المصري الدكتور محمد حرب، في كتاب "العثمانيون في التاريخ والحضارة"، بقوله: "في أشعاره جمال، وأشعاره تعكس رقة إحساسه ومشاعره، كما تعكس تكوينه الديني، وفي أشعاره نجد التواضع والذكاء الحاد وجزالة الكلمة وبساطتها".
ولأن السلطان محمد بن مراد الثاني صاحب فتوحات عظيمة تحت راية الإسلام، فإن خصومه حاولوا النيل منه عن طريق تشويه صورة تدينه والتزامه بتعاليم الإسلام، ومن ذلك أنهم اتهموه بأنه سكّير يعاقر الخمر.
كان سبيلهم ومستندهم إلى بث هذه التهمة هو أن أشعاره بها كلام عن الشراب والساقي، فقالوا إن محمد الفاتح كان يشرب الخمر.
وابتداءً، من المعلوم شرعا وعرفا وعقلا أن الأصل هو براءة الذمة، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته، وليس هناك أي مرجع تاريخي معتبر، سواء كان تركيا أو أجنبيا، يفيد بأن الفاتح كان يشرب الخمر، ولم يُعثر على أي كتابات بيزنطية في عهده تقول إنه كان سكيرا كما يُزعم.
كما يقول المؤرخ أحمد آق كوندز، في كتابه "الدولة العثمانية المجهولة": "قام السلاطين العثمانيون- عدا استثناءات قليلة جدا- برعاية حرمة شرب الخمر التي جاء بها الإسلام من الناحيتين النظرية والعلمية معا، واتخذوا التدابير القانونية التي تكفل رعاية ذلك، ومنها فرمان السلطان بايزيد الثاني، والذي شدد فيه على منع الحفلات والملتقيات التي يشرب فيها الخمر والعقاب عليها".
وأما الفاتح، فقد نصت القوانين التي صدّق عليها على تجريم شرب الخمر والمعاقبة عليها، وكان ينكر على الشعراء التبذّل والمجون والدعارة، ويعاقب من يخرج عن الآداب بالسجن أو يطرده من بلاطه، فكيف يستسيغ لنفسه أن يشربها؟!
وقد رد العديد من المؤرخين هذه الفرية، نظرًا لأن التدين كان من أظهر صفات السلطان الفاتح، وكان مؤدبيه ومعلميه من العلماء المحيطين به، ينكرون عليه في أقل من ذلك، ويوجهونه دائما إلى الالتزام بالشريعة، وكان يهابهم ويجلهم ويوقرهم، ولو كان يشرب الخمر لنقل إلينا عن إنكار هؤلاء العلماء عليه.
أما عن التعبيرات التي تضمنها شعره عن الخمر والمرأة، فهي تستخدم ضمن قواعد الاستعارة والمجاز في أدب الديوان، ولها معان رمزية.
ويقول أحمد آق كوندز: "إن ذكر الشراب في شعر الأدب الديواني ضرورة شعرية، وهو لا يعني الشراب أو الخمر الذي نعرفه، والسلطان محمد الفاتح كان أديبا وملما بأدب الديوان، فكان يُحمِّل كلمة الشراب وما شابهها من الكلمات معانٍ ورموزا دقيقة".
ونلحظ في قصائد ودواوين الشعراء أنهم يستخدمون هذه التعبيرات ولم ينكر عليهم أحد، لأنها تعبيرات شعرية، لذلك من له باع في الشعر لم ينكر على محمد الفاتح ولا غيره هذا الأمر.
غير أن السلطان العثماني الفاتح حلقة محورية في تاريخ العثمانيين، ومن ثم كان الطعن فيه وتشويه صورته لدى المسلمين مطلبا للمستشرقين والمتأثرين بهم من العرب.

إحسان الفقيه/ الأناضول
الاحد 15 نونبر 2020