نظرا للصعوبات الاقتصادية التي رافقت الجائحة وأعقبتها اضطررنا لإيقاف أقسام اللغات الأجنبية على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

الأحواز والاغتصاب الكبير

24/01/2023 - المحامي ادوار حشوة

مراجيح أردوغان

18/01/2023 - سمير التقي

اردوغان يبيع الاسد الى واشنطن

17/01/2023 - محمد العزير

التضادّ بين الفن والإنسانية

16/01/2023 - عائشة صبري

تركيا والأسئلة الحاسمة

12/01/2023 - يحيى العريضي

حلب هي الحل

07/01/2023 - محمد بن المختار الشنقيطي


مراجيح أردوغان




 
لا شيء كالتاريخ الموثّق يفسّر سلوك الأمم. وسلوك الدول أنساقٌ ترتبط بالجغرافيا والتاريخ والقدرات. وهذا مهم خاصة لفهم مراجيح أردوغان. 

حين قامت الحرب العالمية الثانية، كانت تركيا مرتبطة بحلف ثلاثي مع بريطانيا وفرنسا وقع في تشرين الأول (أكتوبر) 1939. لكنها بعد وقت قصير من استسلام فرنسا لألمانيا، أعلنت في 26 حزيران (يونيو) 1940 نفسها دولة غير محاربة. 


 
وبعدما غزا يوغوسلافيا وانتقل عبر بلغاريا لسحق اليونان، وضع هتلر شروطاً لضمان حياد تركيا في رسالة إلى الرئيس إينونو. وسرعان ما تم التوقيع على معاهدة الصداقة الألمانية- التركية في 18 حزيران 1941 التي تضمنت التعهد المتبادل بعدم القيام بأي عمل عدائي مباشر أو غير مباشر. 
 
قبلت بريطانيا والولايات المتحدة حياد تركيا، نظراً لضعفها، وتعهدتا بتقديم المساعدة الاقتصادية والعسكرية لضمان حيادها. وبفضل تحالفهما السابق، تولت بريطانيا إدارة العلاقة مع تركيا طوال الحرب. عام 1941 بدأت المساعدات العسكرية الأميركية لتركيا كجزء من الجهود البريطانية لضمان مقاومة تركيا لألمانيا.
 
لكن بحسب رسائل (فكت أميركا شفرتها)، ينصح السفير الألماني في تركيا فون بابن "بتجنب ألمانيا أي تدخل في الشؤون التركية، وعليها أن تنتظر بصبر أن تقرر تركيا متى ستتخلى عن حيادها (لصالح المانيا)". بل عبر السفير الياباني في رسائله ايضاً عن ضرورة "الاقناع اللطيف" وتكهن بأن ثمة ضمانات قدمتها تركيا لألمانيا بالتدخل إلى جانبها (في وقت ما). بالمقابل رأت الولايات المتحدة، أن دعم تركيا جزء من مصلحتها الوطنية، وخصصت مساعدات عسكرية من فائض المدفعية لبريطانيا، التي تدير حصة تركيا.
 
حين تحولت الحرب لصالح الحلفاء، مع انتصارات كبيرة شمال أفريقيا وستالينغراد، أصبحت مسألة مساعدة تركيا أكثر أهمية.  وفي كانون الثاني (يناير) 1943، بحث روزفلت وتشرشل في الدار البيضاء المسألة التركية، واتفقا على أنه يجب أن تنجز بالدبلوماسية. وفي 30 و31 كانون الثاني 1943، وفي متابعة لمؤتمر الدار البيضاء التقى تشرشل مع الرئيس إينونو في أضنة بتركيا، لكن العسكريين الأتراك لم يكونوا مقتنعين بزوال الخطر الألماني، علاوة على انزعاجهم من القوة المتنامية لخصمهم التقليدي، روسيا، وخوفهم من الهيمنة الروسية علي البلقان.
 
وتصاعد الضغط الروسي وطلب مولوتوف وستالين فتح الجبهة التركية وتعديل اتفاقيات الدردنيل التي تخنق البحرية الروسية. حيث قال ستالين في مؤتمر طهران عن تركيا: "يجب أن نأخذهم من الرقبة إذا لزم الأمر".  في النهاية تم الاتفاق على أن يلتقي روزفلت وتشرشل بالرئيس إينونو لإقناعه بدخول الحرب قبل نهاية عام 1943. فبالنسبة للحلفاء كان الأهم قطع شحنات الكروم التركية لألمانيا، والتي كان وقفها سيؤدي لشل الصناعة الألمانية فوراً. 
لكن، وعلى عكس كل تلك الجهود، بدأت تركيا في كانون الثاني 1943 تصدير الكروم لألمانيا، ليصل حجمها لأكثر من 45700 طن. وسعى البريطانيون والأميركيون لإحباط هذه الصفقات. ثم وفي تشرين الأول (أكتوبر) 1943، أبرمت الحكومة التركية اتفاقية أخرى مع ألمانيا، توفر أنقرة بموجبها ما يصل إلى 135000 طن من الكروم. ودفع ثمنها جزئياً بالذهب بالعتاد الألماني. 
 
احتج الحلفاء علي ذلك. وبعد وصول المفاوضين الألمان إلى أنقرة في أوائل نيسان (أبريل) 1944 لتجديد اتفاقية التجارة الألمانية- التركية، أرسل السفير الأميركي شتاينهاردت وزميله البريطاني مذكرة صارمة إلى وزير الخارجية التركي في 14 نيسان (أبريل)، فسحبت بريطانيا مهمتها ومساعداتها العسكرية لتركيا. 
 
 
بعد افتتاح الجبهة الثانية في أوروبا الغربية في حزيران 1944، تصاعدت ضغوط الاتحاد السوفياتي لقطع علاقات الحلفاء مع تركيا. فبذلت أميركا وبريطانيا جهوداً إضافية لحث تركيا على الاستجابة. وسرعان ما أسفر ذلك عن قرار الحكومة التركية بقطع العلاقات مع المانيا، ومن ثم مطالبة الجمعية الوطنية التركية في 25 تموز (يوليو) 1944، بقطع جميع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع ألمانيا في 2 آب (أغسطس) 1944. واعترفت الحكومتان البريطانية والأميركية بقرار الجمعية الوطنية التركية كخطوة أولى لانتقال تركيا نحو الحلفاء. وبالفعل أعلنت تركيا الحرب على (ألمانيا) ودول المحور في 23  شباط (فبراير) 1945. وبسبب انخراطها في الحرب أخيراً، لم تتم محاسبتها عن رصيد الذهب الألماني. 
 
يقدر مؤرخون كبار، أن تأخر تركيا في الانخراط لجانب الحلفاء في الحرب، قد أطلق عملياً يد روسيا في اتفاقات يالطا، للسيطرة الكاملة على البلقان والقوقاز والتي استمرت لأربعة عقود.   
 
لا تغيب عن ذاكرتي تجربتي في مدينة ملاهي أنقرة، التي لا تقتصر على المراجيح الدوارة، بل وعلى ما يسمى بقطار الموت. وتغلبني ذات المشاعر، وانا أتأمل تصريحات الرئيس أردوغان على مدى السنين. 
فمثل كل ألعاب مدينة الملاهي، انت تطير وتهوي، يتسارع نبضك وتصرخ، لكنك تبقى في المكان. لذلك من الأفضل لك أن تسترخي وتبتسم بتلذذ لمنظر المراجيح التي ينصبها أردوغان، في انتظار ان ترسو على برها. فالطفولية والعفوية أكبر عدو للسياسة. وما هكذا تورد الإبل في طريق السياسة المتعرج، الذي لم يكن مستقيما ًيوما كأوتوستراد المزة. 
 
ينصب أردوغان مراجيحه في كل مكان. فيحذر اليونان من مخاطر اللعب في إيجه، ويسألني زميلي الصحفي عن تقديراتي للمنتصر في هذه الحرب، وموقف الأطلسي. ويهدد إسرائيل في المتوسط، فتشتعل وسائل الاعلام بتوقعات الحرب مع مصر وإسرائيل و"تحرير فلسطين". ويهدد بعضويته داخل الأطلسي ليندفع المحللون للحديث عن تفكك الحلف، ونهاية الغرب. وحين تحدث أردوغان عن احتمال لقائه بالأسد، اندفع السوريون بكل الحق تأكيداً ودفاعاً عن انتفاضتهم العظيمة. لكن أن يصل الحال الغرائزي ببعضهم ان يعتقد ان المرجوحة تطير فعلاً، ثم يرتكب أفعالا شنيعة ضد رئيس الائتلاف، فذاك أشبه بالهبل. 
 
فهكذا تبقى تركيا واردوغان في حالة أكشينAction ، بل تسمح الأرجوحة بتوسيع مطالات السياسة وتعظيم المحصول الاستراتيجي الكبير لتركيا. تفيد المرجوحة في تمويه المنظر، وإخفاء المقصد، بل تسمح بعمليات سياسات لا يمكن تصور نجاحها دون نصب هذه المرجوحة.
 
ففي حين كان أردوغان يتفاوض مع بوتين، كنا نشاهد إخراجه لروسيا من ليبيا، وكان يدق إسفينه غرب الفرات السوري، ثم وسع ذاك الشرخ في العلاقات الأرمنية الروسية، ثم منح المسيرات لأوكرانيا. وفي نهاية الامر فإنني اشك بقوة بجدوى لقاء أردوغان بالأسد.
أردوغان يختلف تماماً عن بوتين. انه وطني تركي أولاً وأخيراً، فرغم الكلام العقائدي، ورغم الغبار الذي تثيره مراجيحه التي ينصبها للآخرين، لا يخرج عن الاستراتيجية التركية التاريخية. وبالنتيجة، فان الافعال هي مخبر التاريخ وشاهده.
-------
: النهار العربي
 

سمير التقي
الاربعاء 18 يناير 2023