نينا باودن.. صاحبة دوائر الخداع

22/08/2019 - أحمد صوان - البوابة


مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية





وقعت امرأة هولندية تدعى ماريا تير ميتلن أسيرة في يد القراصنة المغاربة في القرن 18… ماريا واحدة من كثيرين تعرضوا للأسر بالطريقة ذاتها تلك الأيام، لكنها تميزت عنهم في خطوة نادرة، بكتابة حكايتها عن تلك التجربة.

الحكاية التي جاءت في مذكرات تحمل عنوان: “اثنتا عشرة سنة من الاستعباد… رحلة أسيرة هولندية في بلاد المغرب 1731-1743”[1]، تعد اليوم وثيقة جد مهمة تسرد الحياة اليومية في مغرب أواسط القرن الـ18، وما عرفته تلك السنوات من أحداث سياسية واقتصادية واجتماعية متقلبة… بعيون أسيرة!

فما الذي طبع ذاكرة ماريا عن المغرب طيلة 12 عاما من الأسر إذن؟ ذاك ما نفرد له هذا الملف، الذي نتابع في جزئه الأول، حكاية وقوع ماريا في الأسر.


حين بلغت ماريا عامها العشرين، قررت القيام برحلة صغيرة عبر فرنسا انتهت بها في مدريد، حيث أقامت مدة قصيرة توجت بالزواج بقبطان هولندي اسمه “كلاس فان دير مير” في الـ22 من أكتوبر 1728.
استحالت الرحلة القصيرة بالزواج إلى استقرار دام 4 سنوات في مدريد، حتى خطر ذات يوم للزوجين أن يسافرا ليزورا بلدهما هولندا. لكن زوج ماريا، كلاس، كان قبل ذلك متورطا في دعوى قضائية حجزت على إثرها سفينته.
ولما تبين لهما بمرور الشهور أن هذه القضية لن تنتهي، سافرا إلى إشبيلية ومكثا هناك إلى أن أبحرا على متن سفينة أخرى في الـ8 من يوليوز 1731.
ثم في الـ21 من يوليوز، وبينما كانوا بعرض البحر جنوب البرتغال، صعد مكلف في السفينة إلى السارية كما جرت العادة وقت الزوال لمراقبة ما إذا كانت هناك سفن في الجوار.
لم يلحظ شيئا، لكن في اللحظة نفسها، شرع آخر في مطالعة البحر فرمق سفينتين.

تقول ماريا في مذكراتها: “استطعنا بصعوبة تبين من أي نوع كانتا. توقف قلبي عن النبض لأنهما كانتا، كما رأيت حينها، مغربيتان”
عرف زوج ماريا من منظاره أن هناك معركة مندلعة بين السفينتين، وهو ما تأكد حين اقتربتا من سفينتهم، وبدا أن إحداهما مغربية وتلقت ضربات شديدة من الأخرى التي كانت فرنسية في الواقع.
اعتقد المغاربة، تقول ماريا، أنهم سيطروا على السفينة الفرنسية. لكن قائد السفينة المغربية كان في غاية المكر، إذ أطلق سراح السفينة الفرنسية فور رؤيته لسفينتهم (تلك التي تقل ماريا).

“لم أسمع أي أثر لرفاقي واعتقدت أنهم فارقوا الحياة حينها، فقررت أن أموت داخل مقصورة النوم السفلى… لم أكن خائفة من أن أقتل على أيديهم، لكن ما كنت أخشاه أساسا أن يغتصبوني”.
كانت الساعة تشير إلى الرابعة بعد الزوال حين نادى عليهم قائد القراصنة المغاربة، يطلب منهم المجيء إلى سفينته على متن قارب مصحوبين بجوازات السفر.
تقول ماريا: “أشار له قبطاننا كي يعرف من أي بلد هو، فقال من الجزائر، وبما أنه لم يكن هناك الكثير من البيض على متن السفينة، اعتقدنا مع قليل من الشك أنه كذلك”.
قرر القبطان الدفاع عن نفسه لكنه لم يكن مستعدا لمعركة، فأنزلوا القارب وهرب عليه من هرب، فيما راح قارب للقراصنة يطاردهم.
أما ماريا، فقد نصحها زوجها بالهرب، لكنها رفضت… ومع أنه أكد لها أنهما في الأسر مستحيل أن يكونا معا، لم يستطع إقناعها.
أسدلت السفينة الأشرعة والراية تحت تهديد المغاربة، فجاء إليهم هؤلاء وصعدوا إليها فيما اختبأت ماريا في القمرة بأمر من زوجها وراحت تراقب المشهد من أحد الثقوب
تقول ماريا: “بمجرد أن صعد المغاربة إلى سفينتنا، نزعوا ملابس زوجي وملابس القبطان وباقي ركاب، وعلى الفور دخل زنجي إلى القمرة ونهبها بأكملها”.
وتضيف واصفة شعورها: “لم أسمع أي أثر لرفاقي واعتقدت أنهم فارقوا الحياة حينها، فقررت أن أموت داخل مقصورة النوم السفلى… لم أكن خائفة من أن أقتل على أيديهم، لكن ما كنت أخشاه أساسا أن يغتصبوني”.
بعد ساعة، سمعت ماريا زوجها ينادي عليها، فأطلقت صرخة مدوية أثارت دهشة المغاربة، الذين لم يعرفوا من أين خرجت… كان زوجها والقبطان وراكبا آخر على جسر السفينة، قاعدين، بينما تنهمر دموعهم.
ثم حين عم الليل، اقتيدت ماريا ورفاقها في قارب إلى سفينة المغاربة.
وصلت السفينة إلى قبالة مدينة سلا في آخر يوم من يوليوز 1731… استدعى قائد القراصنة ماريا، وأراها ملابسَ أعاد شراءها من الطاقم من أجلها. لم يردها إليها خوفا من سرقتها ثانية، لكنه وعدها بذلك حين يذهبون إلى الملك.
في اليوم الموالي، تقول ماريا: “استيقظت ونظرت قليلا حولي فرأيت المغاربة يتبخترون مرتدين أجمل ثيابي، يرقصون بانشراح محدثين صخبا شديدا. لبس آخرون تنوراتي الواسعة، وكانوا يرقصون بها، وفي الأخير قطعوها قطعة قطعة ورموها للحيتان من فوق السفينة”.
لكن يبدو أن ماريا نالت بعد ذلك عناية خاصة من قائد القراصنة على عكس زوجها والرفاق…
“كان يحضر لي كل ما كنت أرغب فيه، وكان يأتي بنفسه أربع أو خمس مرات في اليوم لرؤيتي ويسألني ما إذا كنت بحاجة إلى شيء ما. كنت لا أرفض أي شيء، وبما أن زوجي وباقي الرجال لم يكونوا يتلقون أي طعام، كنت أجلب لهم إذن في الليل ما كنت أحصل عليه في النهار ليأكلونه”، تقول ماريا.
بل وتضيف أنه كان أحيانا يرسل لها نهارا خادما يتأبط آلته الموسيقية، وفي الأمسيات كلها، من أجل تسليتها، فكانا يعزفان ويغنيان معا، هي بالإسبانية وهو بالعربية.
ظل الأمر كذلك حتى آخر يوم من يوليوز 1731 إذ وصلت السفينة إلى قبالة مدينة سلا… يومها، استدعى قائد القراصنة ماريا، وأراها ملابسَ أعاد شراءها من الطاقم من أجلها، بيد أنه لم يردها إليها خوفا من سرقتها ثانية، ووعدها بذلك حين يذهبون إلى الملك.
هكذا وقعت ماريا في الأسر، فما الذي طبع ذاكرتها عن المغرب طيلة 12 عاما من ذلك؟ 
--------
مرايانا

كريم الهاني
الثلاثاء 21 ماي 2019