عن خلافات أهل الحكم في سوريا

20/09/2019 - أكرم البني


موسكو وأنقرة وحدود مواجهة الشمال





على أبواب إدلب، انقلب هجوم نظام الأسد إلى الدفاع، انهارت معنويات ميليشياته المدعومة من موسكو تحت ضربات المعارضة التي سددت لكمات سياسية وعسكرية لتفاهمات أستانا وسوتشي، وكشفت عن حجم تناقضات الضامنين بعدما قرر الطرف الأقوى في المعادلة السورية (موسكو) التراجع عن التزامات أستانا ـ سوتشي واللجوء مجددا إلى خيار القوة لفرض واقع أمر ميداني جديد عبر استراتيجية القضم التدريجي لمناطق المعارضة في الشمال السوري، كما جرى في مناطق أخرى كانت مدرجة ضمن اتفاقيات خفض التصعيد.


  فالهجوم المعاكس الذي قادته المعارضة، وأدى إلى استرجاع أجزاء كبيرة من الأراضي التي احتلها نظام الأسد في الأيام الأولى للمعركة، كان نتيجة قرار تركي ضمني بضرورة الحفاظ على التوازن الاستراتيجي في الشمال وعدم القبول بفكرة المقايضة بين إدلب وملفات أخرى أكثر تعقيدا وتهديدا للأمن القومي التركي.
في سوريا يقف "المنتصر" مكبلا وحائرا غير قادر على تسييل أرباحه
وأدت المواجهة الأخيرة بين المعارضة والنظام إلى إعادة ترميم الثقة بين الأتراك وفصائل الشمال المسلحة، التي كانت تتخوف من تراجع تركي أمام الضغوط الروسية تؤدي إلى السماح للنظام بإعادة السيطرة على أجزاء واسعة من مناطقها، باعتبار أن أنقرة شبه معزولة إقليميا ودوليا، وتمثل الحلقة الأضعف بين الدول الضامنة، وتتعرض لابتزاز روسي مستمر، حيث تمارس موسكو معها سياسية ليّ الأذرع وإلزامها بتبني الخيارات الروسية في سوريا، واستفرادها بعد الفتور الكبير في علاقتها مع واشنطن.
ميدانيا، سمحت أنقرة بنقل أعداد كبيرة من مقاتلي درع الفرات، أي مناطق المواجهة في ريفي إدلب وحماه، وغضت الطرف عن فتح الفصائل الموالية لها سياسيا وعسكريا مخازنها الفصائل الأخرى التي فقدت الدعم بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب في كانون الأول/ديسمبر 2017 وقف تسليح المعارضة، الأمر الذي ساعد على تغيير مجريات المعركة بعد إمداد المقاتلين بسلاح نوعي، حيث برز دور صواريخ تاو المضادة للدروع من جديد في المواجهة، ما أدى إلى تعطيل حركة آليات النظام، كما تمتعت قوات المعارضة أثناء المعركة بدعم لوجيستي واضح من خلال إمدادها بالوقود والأغذية التي تحتاجها، ما دفع قائد ميليشيا النمر الموالية لروسيا سهيل الحسن بعد فشل الهجوم، إلى إتهام قوات خاصة تركية وأميركية بالمشاركة في القتال.
اتهامات سهيل الحسن جاءت بالتوازي مع قرار أنقرة الإبقاء على عناصر المراقبة التركية في مواقعها وعدم الانسحاب التكتيكي حتى لو تعرضت للحصار من قبل ميليشيات النظام، حيث أكد ذلك وزير الدفاع التركي خلوص أكار في تصريح له يوم الأربعاء الفائت "أن نقاط المراقبة التركية لن تتراجع خطوة إلى الوراء في مناطق حفظ التصعيد".
الخلاف الواضح بين أنقرة وموسكو على مستقبل الحل في إدلب والشمال السوري، دفع أنقرة إلى استغلال الهجوم لتمرير رسالة عسكرية لموسكو بأن الرهان على ميليشياتها التي تشارك في المعركة (قوات النمر) قد سقط بعد فشلها في تحقيق نصر ميداني حتى بوجود الغطاء الجوي الروسي، ما يعني أن قدرة هذه التشكيلات العسكرية على إتمام السيطرة على أغلب الأراضي السورية أصبح أمرا صعبا، فقد خاضت موسكو المعركة مع فصائل عسكرية خرجت من 9 مناطق سورية رفضت المصالحة مع نظام الأسد وهي لا تملك إلا خيار المواجهة مع النظام.
ومن الجدير ذكر أن نسبة 30 في المئة من السوريين الموجودين في محافظة إدلب وريف حماه الشمالي هم من السوريين النازحين الذين رفضوا البقاء في مناطق المصالحات لعدم ثقتهم بتعهدات الجانب الروسي الذي سمح للنظام بإعادة فرض سياساته الأمنية في المناطق التي سلمتها المعارضة، وقام بإجبار أبنائهم على الخدمة الإلزامية في ما يسمى "الجيش العربي السوري".
أما الانتكاسة الفعلية لموسكو وميليشيات النظام والمرتزقة الروس كانت بعدم قدرتهم في الوصول إلى خان شيخون، وذلك لعدة أسباب من أبرزها أن السيطرة على خان شيخون تُمكن النظام من حصار معرة النعمان وكفرنبل والسيطرة على المنطقة الفاصلة بين ريفي إدلب وحماه، حيث يتحقق له تأمين الطريق الدولي بين حلب دمشق، إضافة إلى أن موسكو أرادت من الوصول إلى خان شيخون التي تعرضت لقصف بالأسلحة الكيماوية حيث ثارت شكوك دولية بضلوع الطيران الحربي الروسي بتغطية العملية التي نفذها طيران الأسد من أجل محو الأدلة التي تثبت حدوث الهجوم كما فعلت سابقا مع أدلة الهجوم الذي تعرضت له منطقة دوما.
الانتكاسة الفعلية لموسكو وميليشيات النظام والمرتزقة الروس كانت بعدم قدرتهم في الوصول إلى خان شيخون
فتحت معركة إدلب باب التكهنات حول مستقبل مسار أستانا وسوتشي الذي سعت موسكو لفرضه على من اللاعبين الإقليميين والدوليين في الصراع على سوريا، وفي هذا الصدد يرى المستشار القانوني السابق للجيش الحر أسامة أبو زيد أنه "إذا استمر الهجوم بنفس المستويات التي كانت في الأيام السابقة فلن يشكل خطرا على مسار أستانا وسوتشي، أما إذا انتقل إلى مرحلة تصعيد أكبر مثل تكثيف عملية مشاركة سلاح الطيران الروسي أو إدخال الميليشيات الإيرانية على خط المواجهة بما ينبئ بعملية اجتياح بري شامل عندها ستكون جميع المسارات في مهب الريح".
في سوريا، تختلف الأجندات وتتعارض المصالح، ويقف "المنتصر" مكبلا وحائرا غير قادر على تسييل أرباحه، فمنذ التدخل الروسي في كانون الأول/ديسمبر 2015 وحتى الآن تعجز موسكو عن إنهاء الصراع لصالحها وهي تواجه يوميا معضلة قدرات النظام المحدودة وانعدام إمكانية إعادة تعويمه في وجه ثورة ترفض أن تستسلم
-------
الحرة .

مصطفى فحص
السبت 25 ماي 2019