هل أصبح الجوكر رمزا دوليا جديدا للاحتجاجات؟






بيروت/ سانتياجو دي تشيلي - من يوهان شميت تيجي – هناك مشهد محوري في فيلم "الجوكر" بطولة خواكين فوينكس: عندما يعلن المهرج المنبوذ المهمش المضطهد آرثر فيلك الحرب على الطبقة المتحكمة في مقاليد الأمور في المجتمع. لون وجهه بأصباغ لكي يشبه المهرج أو البلياتشو، وصبغ شعره باللون الأخضر، وارتدى حلة حمراء، يظهر في المشهد وهو يهبط درج بخطوات رشيقة راقصة على إيقاع موسيقى صاخبة.
يتحول يأس فليك من تردي الأوضاع في مدينته الخيالية، جوثام، التي كانت مسرحا لبطولات الرجل الوطواط أو باتمان، والتي تضاهي مبانيها الشاهقة الكئيبة والمبتذلة، وشوارعها المظلمة، قاع المدينة في نيويورك... يتحول فجأة إلى غضب، وجنون يدفعه إلى خيال فنتازي عنيف. ليصبح فليك من مجرد مهرج تافه، يحتقره المجتمع إلى المحرك الفعال لطاقة الغضب التي تعم مدينة جوثام وتضرم فيها نيران الفوضى.


 
وأصبح هذا الشرير كما صورته روايات الكوميكس وسلسلة أفلام باتمان، والشخصية التي يطلق عليها في أمريكا اللاتينية باللغة الإسبانية (جواسون)، من مجرد شخصية خيالية إلى شخصية فاعلة تقود تظاهرات الغضب التي تعم العالم في الوقت الراهن ضد الفساد والاستبداد من الشرق الأوسط إلى أمريكا الجنوبية.
فقد شهدت شوارع لبنان خلال التظاهرات الحاشدة التي استمرت لأسابيع العديد من المحتجين يطلون وجوههم ويتنكرون في هيئة الجوكر، وكذلك فعل النشطاء في العراق، حيث احتدمت المواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن، حيث رفع العديد منهم أعلاما وشعارات تحمل صورة هذه الشخصية. وفي الجانب الآخر من الكرة الأرضية، تحديدا في تشيلي وبوليفيا، الدولتين الواقعتين في أمريكا الجنوبية، واللتان شهدتا مظاهرات حاشدة مرة ضد الفساد والغلاء في تشيلي، ومرة ضد الانقلاب على الرئيس المنتخب وإجباره على الرحيل إلى المكسيك في حالة بوليفيا، كان الجوكر أيقونة بين المتظاهرين سواء بصورته على اللافتات أو من خلال أشخاص يتنكرون في هيئته.
لعلها حالات فردية منفصلة، ومن ثم لا يمكن الحديث، على الأقل الآن عن تيار أو حركة، مقارنة بقناع جاي فوكس الذي يصور أحد أعضاء مؤامرة البارود وهو جاي فوكس الذين حاولوا تفجير مجلس اللوردات في لندن عام 1605 بعد أن أرخى الملك البريطاني جيمس الأول قوانين الحظر والتي تعرضت للكاثوليك بالغرامات والاعتقال والموت. واستخدام هذا القناع على شكل دُمى له جذور طويلة كارتدائه في "ليلة البون فاير" أو كما تسمى أيضاً ليلة جاي فوكس.
وقد ظهر هذا القناع في العديد من مظاهرات الربيع العربي في العقد الثاني من الألفية، استنادا لفيلم "فنديتا" أو الانتقام، قصة آلان مور، وديفيد لويد، وإخراج جيمس ماك تيج. ومع ذلك يبدو أن الجوكر، استنادا لنجاح الفيلم الساحق، وللأداء الرائع الذي قدم به فوينكس الشخصية بكل زخم مقوماتها، بدأ تدريجيا يحل محل قناع فنديتا في موجة الاحتجاجات الجديدة التي تجتاح العالم شرقا وغربا، أخذا في الاعتبار تشابه أسبابها مع نفس أسباب اندلاع موجة الغضب التي تخللت أحداث الفيلم: الاستبداد، انعدام العدالة، واتساع الفجوة بين الطبقات في المجتمع.

من هذا المنطلق، "تحولت بيروت إلى جوثام، يسودها الفساد ويعيث بها اللصوص فسادا"، على حد وصف الفنان عمر، الذي يشكل مع شقيقه التوأم ثنائي فريق " Ashekman" لفنون الشوارع في قلب بيروت، وهو نوع من الفنون أشبه بالجرافيتي أو رسم الجدران. في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ) يقول عمر إنهما يعملان حتى ساعة متأخرة مساء بوسط المدينة على جدارية جديدة تصور الجوكر بشعره المصبوغ بالأخضر وبيده عبوة كوكتيل مولوتوف، مؤكدا "كلنا الجوكر. بصيغة ما أو بأخرى، هناك شيئ مشترك بيننا وبينه".
ينطبق هذا على الأقل على أولئك الذين بدأت الظروف تجعل الحياة غير مستقرة تحت أقدامهم في بلادهم وبدأوا يضجرون من أوضاع مثل: البطالة، أو انعدام العدالة الاجتماعية المتجذر أو إهدار واضح للمال العام من قِبل النخب السياسية.
في الجانب الآخر من الشرق الأقصى، تحديدا في هونج كونج التي تشهد مظاهرات عنيفة بسبب تدخلات بكين وضجر الناس من سوء الإدارة المحلية، يقرأ بوضوح على موقع تويتر تعليقات مثل "هونج كونج تحتاج أيضا إلى جوكر".
" الجوكر يمثل الحرية الكاملة"، يوضح روب وينر من جامعة تكساس للتكنولوجيا بالولايات المتحدة، والذي كتب أو شارك في كتابة أكثر من عشرة كتب عن الروايات المصورة، والكوميكس والأبطال الخارقين. ويضيف "لا توجد أية قاعدة مجتمعية يمكنها التأثير في الجوكر، سواء كانت الأخلاق، أو الشرف أو العادات التقليدية"، في توضيح لخصائص ومقومات شخصية أشهر شرير ظهر على صفحات روايات الكوميكس في العالم. حيث يقول وينر "إنه البطل الخارق الذي تحدث عنه نيتشه، الفيلسوف والمفكر الألماني، لأنه فوق الأخلاق، وتجاوز الحدود المعروفة للخير والشر".
كما هو الحال في ألعاب الورق، يمكن استخدام الكارت الذي يحمل صورة الـ Joker حسب الرغبة. وفي هذه الحالة أنت لا تعرف أبدا ما سيكون الشيء التالي الذي تفعله. وبهذه الطريقة، يتم تجاوز سقف العنف الإجرامي بسرعة كبيرة، كما في حالة المتطرف الكاثوليكي جاي فوكس، الذي أراد عام 1605 تفجير الملك جيمس الأول باستخدام كمية ضخمة من البارود.

ظهر مرارًا وتكرارًا مجرمون يتنكرون في هيئة الجوكر أو استوحوا هيئته من الأفلام السابقة عنه: من الشاب الذي هاجم زميله في المدرسة عام 2018 بسكين مطبخ في برلين إلى القاتل الذي أطلق النار في 2014 مع شريكه على شرطيين وشخص آخر في لاس فيجاس.

يوضح الفنان اللبناني عمر أنه لا ينوي بأي حال من الأحوال الترويج للفوضى أو الأناركية في لبنان. "نحن لا ندعو الناس لتدمير المباني وإلقاء زجاجات حارقة".

في شيلي، كأجراء وقائي تحسبا لأية احتمالات، توجد مساعي من خلال مشروعات ومقترحات قوانين وتشريعات الهدف منها منع استخدام الأقنعة في الاحتجاجات، سواء أكانت لشخصية الجوكر أو جاي فوكس أو ويني ذا بوو، لمنع المتظاهرين من إخفاء وجوههم. يذكر أنه في هونج كونج، حظرت الحكومة بالفعل إخفاء الوجوه بأية وسيلة أثناء المظاهرات منذ تشرين أول/ أكتوبر الماضي.

أوضحت شركة وارنر براذرز منتجة الفيلم قبل العرض الأول للـ "Joker" أن "سواء الشخصية الخيالية للجوكر أو الفيلم المأخوذ عنها لا يؤيدان العنف بكافة أشكاله في عالم الواقع".

من المحتمل أن يختفي المهرج الشرير عندما تنتهي الفورة التي صاحبت الفيلم. لأنه، أولا وأخيرا، لا يعتبر رمزًا للاحتجاجات السياسية، كما يتصور وينر، بل مجرد "مختل عقليا يشكل خطرا عاما". ويؤكد "الجوكر شخصية خيالية مأخوذة من عالم الكوميك. أما أنت فتظل دائما مسؤولا عن أفعالك".

من يوهان شميت تيجي
الجمعة 6 ديسمبر 2019