هل يقود الرئيس الجديد قيس سعيد ثورة ثقافية في تونس؟



تونس –- تضع ملاك نصب عينيها صور ألمانيا المدمرة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وهي تشارك في حملات التنظيف التي اجتاحت العاصمة وباقي المدن التونسية بعد الفوز التاريخي والمفاجئ لقيس سعيد برئاسة تونس.


قدمت ملاك عرفاوي /25 عاما/ التي تدرس في كلية الهندسة الالكترونية من مدينة صفاقس (250 كيلومترا جنوب العاصمة) مع العشرات من أصدقائها في الجامعة لتشارك في تنظيف الشوارع بالعاصمة. ومثل الملايين من التونسيين الذين خرجوا إلى الساحات والشوارع والحدائق للتنظيف ورفع الأوساخ وطلاء المباني والطروقات، حملت ملاك مكنسة وبدأت بتوزيع سلات الفضلات البلاستيكية على أصدقائها المتطوعين في ساحة برشلونة بوسط العاصمة. تقول ملاك وهي ترتدي قميصا موشحا بعلم تونس، لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب .أ) إنه من المهم التقاط أهمية اللحظة لاستعادة الأمل في الديمقراطية الناشئة. وتضيف بحماس "قمنا بحملة قبل أسبوع لكن لاحظنا أن الأوساخ عادت من جديد. قررنا أن نعود. والحملة ليست مجرد نزوة، ستستمر كل أسبوع وسنقوم بتنويع انشطتنا". وتعتزم ملاك في الخطوة التالية التنقل مع باقي المتطوعين إلى المدارس في ولايات اخرى. وتضيف قائلة "ليس لنا ممولون ولكن سنعتمد على التبرع وقد نجحنا في ذلك. الألمان بعد الحرب فعلوا نفس الشيء وكذلك في والصين والدول المتقدمة". وفي بلد ما يزال يتحسس طريق الديمقراطية منذ ثورة 2011 التي أطاحت بحكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي، اعتاد التونسيون على رؤية طبقة حاكمة من السياسيين المخضرمين ولم يكن ذلك يوحي فعليا بحدوث ثورة في الحكم. لكن صعود رجل القانون الدستوري المتقاعد قيس سعيد إلى سدة الرئاسة كان تغييرا لتلك الظاهرة. ويستلهم الشباب الناشط حماستهم من فوز مرشحهم المفضل إذ يرون فيه صفات "النزاهته ونظافة اليد والاستقامة". على عكس توقعات الطبقة السياسية حقق قيس سعيد فوزا مفاجئا في الدور الأول ثم صعد إلى الرئاسة بفارق واسع عن منافسه في الدور الثاني رجل الأعمال نبيل القروي بفوزه بنسبة فاقت 72 بالمئة من أصوات الناخبين. واعتبر هذا الفوز بين أنصاره بمثابة استفتاء شعبي على الرجل. واستقطب سعيد /61 عاما/ الشباب من طلبته والعاطلين والطبقة المثقفة وأنصار من عدة تيارات سياسية معتمدا على دعم المتطوعين في حملة انتخابية خلت من الاستعراضات والدعاية الكلاسيكية والوعود الانتخابية. وعندما فاز بالمنصب وصف سعيد ما حصل بالثورة الثقافية مشددا على أنها "ثورة جديدة في اطار الشرعية الدستورية". وأشاد بذلك في خطاب التنصيب قائلا "الشعب أذهل العالم واستنبط طرقا جديدة في احترام كامل للشرعية لم يسبقه إليه أحد. هو ارتفاع شاهق غير مسبوق في التاريخ بل هي ثورة حقيقية بمفهوم جديد". وتقول ملاك "هي بالفعل ثورة ثقافية. إذا لم تكن كذلك فإننا لن ننجح في تغيير وعي الناس. نحن في حرب الآن ويتعين علينا تغيير الأفكار". وتتابع الناشطة "لن يتغير الوضع بين عشية وضحاها ولكننا سنعمل من أجل الأجيال القادمة". ومثل ملاك قدم بلال عجاج /35 عاما/ وهو يعمل في قطاع الهندسة المعمارية مع فريق من المتطوعين ويقول لــ (د.ب .أ) "كان للانتخابات دور في هذا. أنا ضد الشخصنة ولكن عندما تشاهد رئيسا نظيفا يقود البلاد فإن هذا سيعزز ثقتك في البلد والدولة". انضم بلال إلى الآلاف من الشباب في أعمال تنظيف الشوارع والساحات العامة وطلاء الجدران وجادات الطريق في القرى والمدن بعد دعوات أطلقها نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي. ويضيف بلال وهو يلتقط أنفاسه في استراحة قصيرة "في السابق علاقتنا بالدولة لا تتجاوز بطاقة الهوية الشخصية. الآن نحن نستعيد الدولة. لقد عادت إلى الشباب ونحن سنبذل الجهد من أجلها". ولإشاعة الحماس بين أكبر شريحة ممكنة من المواطنين أسس أنصار قيس سعيد صفحة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، ضمت في خلال أسبوع واحد أكثر من 350 ألف متابع، تحمل اسم "احنا المكينة" باللهجة المحلية، وتعني بالعربية الفصحى "نحن الماكنة". ويقول أعضاء ونشطاء متطوعون على الصفحة إن الهدف من تأسيسها هو زيادة الوعي لدى المواطنين بحماية المحيط وتحسين ظروف العيش واشاعة التغيير إلى الأفضل في تونس. ويسعى النشطاء إلى أن تكون صفحتهم أكبر مجموعة افتراضية على الإطلاق في تونس. وتقول ناشطة متصفحة "سيدي الرئيس قيس سعيد ماذا فعلت بقلوبنا و بعقولنا لدرجة أن التونسي نام ثم نهض وأصبح شخصا آخر. نحمد الله على هذه النعمة". يتبادل النشطاء وزائرو الصفحة صورا لحملات تنظيف وطلاء بألوان مزركشة وغير متناسقة أحيانا من عدة مدن، ومقترحات للتغيير من بينها التسويق للقطاع للسياحي وصيانة المدارس المتهالكة وتجميع تبرعات لمكافحة الفقر في المناطق المهمشة والتنازل عن يوم عمل لتمويل صندوق للعاطلين. وقال المتصفح ماجد عسيلي "رواندا وأثيوبيا دولتان كانتا تحت الفقر الآن أصبحتا من الدول الراقية. الحل بأيدينا إذا كانت لنا مصداقية للتغيير نحو الأفضل. لن ننتظر قرضا من صندوق النقد الدولي أو قروضا من دول أجنبية". برغم حالة الحماس الجماعية فإن وصف ما يحدث بـ"الثورة الثقافية" أمر يجد فيه بعض المثقفين أمرا مبالغا فيه. ويقول الكاتب والمحلل السياسي مختار الخلفاوي "هي ليست ثورة ثقافية كما حدثت مع الزعيم ماو تسي تونج في الصين الشعبية. يجب أن نأخذ وصف سعيد في سياق التعبير المجازي". وسواء كانت الثورة حقيقة أم مجازا. فإن ما يتطلع إليه نحو ثلاثة ملايين ممن منحوا أصواتهم لسعيد في الانتخابات، هو رؤية تغيير فعلي بعد فشل حكومات متعاقبة منذ عام الثورة في 2011 في الحد من بطالة الشباب وتحسين مستوى العيش. ومع صعوده للرئاسة بعث سعيد على الفور برسائل إلى ناخبيه بإصداره قرارات اقالة لوزراء وتدقيق مالي في مؤسسات الحكم. كما رفض الإقامة في القصر الرئاسي مفضلا البقاء في فيلته على اطراف العاصمة بمحاذاة حي شعبي فقير. يقول بلال إنه مثل الآلاف من الشباب الغاضب، ليست له ثقة في الأحزاب وأن الحملات التي يقومون بها يجب أن تظل بعيدا عن السياسيين والدعاية. ويضيف قبل أن يودع ساحة برشلونة مع فريق المتطوعين "نفكر الآن في عيد الشجرة. نخطط لتوسيع حملات التبرع وزراعة أكثر ما يمكن من الأشجار".

طارق القيزاني
الجمعة 8 نونبر 2019