وفي الوقت الذي يؤكد فيه حزب “الاتحاد الديمقراطي” أن الاجتماع خُصص لتقييم أداء الوفد الكردي المشترك وبحث سبل إعادة تفعيله بعد عام من تشكيله، يرى “المجلس الوطني الكردي” أن الاجتماع عُقد بصورة أحادية وخالف الآليات التي توافق عليها أعضاء الوفد عند تأسيسه.
اجتماع لتقييم الوفد.. “المجلس” غائب
عقدت الأحزاب والقوى الكردية المحسوبة على “الإدارة الذاتية” اجتماعًا في القامشلي بعيدًا عن وسائل الإعلام، بحضور 27 حزبًا وحركة سياسية، باستثناء “المجلس الوطني الكردي”.وقال الرئيس المشترك لحزب “الاتحاد الديمقراطي”، غريب حسو ، إن الاجتماع جاء بناء على طلب الوفد الكردي المشترك الذي تشكل عقب مؤتمر وحدة الموقف والصف الكردي في 26 من نيسان 2025، بهدف تقييم عمل الوفد خلال عام، ومراجعة ما وصفه بأوجه القصور وغياب برنامج واضح ينظم عمله.
وأضاف أن الاجتماعات السابقة لم تحقق النتائج المرجوة، معربًا عن أسفه لعدم مشاركة “المجلس الوطني”، ومؤكدًا أن الحزب كان يفضّل حضور جميع أعضاء الوفد لإجراء نقاش مشترك حول مستقبل الوحدة الكردية وآليات تطوير أداء الوفد.
بدورها، قالت الرئيسة المشتركة للحزب، بروين يوسف ، إن الهدف الأساسي للاجتماع كان بحث كيفية إعادة تفعيل الوفد الكردي، بعد تعثر مهمته في التوجه إلى دمشق، والاستماع إلى مقترحات الأحزاب بشأن المرحلة المقبلة، مؤكدة استمرار السعي لتعزيز الحوار الكردي-الكردي.
“المجلس الوطني”: اجتماع أحادي
رد “المجلس الوطني الكردي” ببيان رفض فيه الاتهامات الموجهة إليه، معتبرًا أن الاجتماع لم يكن اجتماعًا رسميًا للوفد الكردي المشترك، لأن الدعوة إليه لم تصدر بالتوافق بين أعضاء الوفد كما تنص الآليات المتفق عليها.واتهم المجلس حزب “الاتحاد الديمقراطي” و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بالعمل بصورة منفردة عبر ما وصفه بـ”الوفد التقني”، معتبرًا أن ذلك أدى إلى تعطيل تنفيذ مخرجات مؤتمر 26 من نيسان 2025، وإضعاف قدرة الوفد المشترك على أداء مهمته الأساسية في التفاوض مع دمشق.
وقال إن الوفد المشترك عقد عشرات الاجتماعات وأجرى لقاءات مع وفود دولية، وأرسل رسالة رسمية إلى الرئيس السوري، أحمد الشرع، طالبًا لقاء رسميًا، دون أن يتلقى ردًا، مضيفًا أن رئاسة المجلس أثارت هذا الملف أيضًا خلال لقاءاتها مع الرئيس السوري ووزير الخارجية.
وانتقد “المجلس” دعوة حزب “الاتحاد الديمقراطي” إلى عقد مؤتمر كردي جديد، معتبرا أنها تمثل التفافًا على مخرجات المؤتمر السابق الذي حظي، بحسب البيان، بإجماع سياسي ومجتمعي كردي.
“الاتحاد الديمقراطي”: “المجلس” عطّل المبادرات
في المقابل، أصدر المكتب الإعلامي لحزب “الاتحاد الديمقراطي” توضيحًا قال فيه إن الحزب دعا قبل أكثر من أسبوع إلى اجتماع للوفد الكردي المشترك، لكن “المجلس الوطني” لم يتجاوب مع الدعوة، ما دفع الحزب إلى عقد اجتماع تشاوري مع القوى التي منحته تفويضًا داخل الوفد.وأضاف أن المجتمعين ناقشوا تقريرًا عن عمل الوفد والاتصالات التي أجراها والعقبات التي واجهها، إلى جانب تقييم المرحلة المقبلة وسبل الحفاظ على وحدة الموقف الكردي.
واتهم الحزب “المجلس الوطني” بالاستمرار في سياسة التعطيل والتنصل من المسؤولية، معتبرا أن بياناته تجاهلت المبادرات التي طرحت لإعادة تفعيل الوفد، وأكد تمسكه باستمرار الوفد الكردي المشترك بوصفه إطارًا جامعًا للدفاع عن الحقوق الكردية.
ورغم تواصل عنب بلدي مع رئاسة حزب “الاتحاد الديمقراطي” للحصول على تعليق إضافي، فإن الحزب اكتفى بالإشارة إلى أن التوضيح الصادر عنه يعبر بصورة كافية عن موقفه من القضية.
“الاجتماع لا يمثل الوفد”
الناطق باسم “المجلس الوطني الكردي”، فيصل يوسف، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن سبب مقاطعة الاجتماع لا يرتبط بمضمونه، وإنما بطريقة الدعوة إليه.وأوضح أن “توجيه الدعوات إلى الاجتماعات الرسمية الخاصة بالوفد الكردي المشترك هو صلاحية حصرية لرئاسة الوفد، ويجب أن يتم بالتوافق الكامل بين جميع أعضائه، وما جرى كان اجتماعًا لجهة واحدة وليس اجتماعًا للوفد الكردي المشترك”.
وبشأن اتهامات “المجلس” لحزب “الاتحاد الديمقراطي” و”قسد” بالاستفراد بملف التفاوض، قال يوسف إن ما سُمّي بـ”الوفد التقني” أدى، بحسب رأيه، إلى إلحاق أضرار بالقضية الكردية، كما تسبب في تعطيل تنفيذ مخرجات مؤتمر وحدة الموقف والصف الكردي الذي كان من المفترض أن يؤسس لمرجعية سياسية كردية موحدة بدلًا من “تشتيت الجهود في مسارات منفردة”.
ورفض يوسف في الوقت نفسه اتهامات حزب “الاتحاد الديمقراطي” لـ”المجلس” بعرقلة عمل الوفد، مؤكدا أن الوقائع “تجافي هذه الادعاءات”.
وأضاف أن الوفد عقد سلسلة اجتماعات مشتركة “بروح مسؤولة”، بحسب تعبيره، كما وجّه رسالة مشتركة إلى الرئيس السوري، أحمد الشرع، لطلب لقاء رسمي، بالتوازي مع مطالبات قدمتها رئاسة “المجلس” خلال لقاءاتها مع الرئيس ووزير الخارجية لترتيب هذا اللقاء، في مؤشر، بحسب قوله، على جدية المجلس في إنجاح مهمة الوفد.
ورغم الانتقادات المتبادلة، أكد يوسف أن “المجلس” لا يزال يعتبر مؤتمر 26 نيسان 2025 المرجعية الأساسية لعمل الوفد، لكنه يرى أن التطورات السياسية اللاحقة تفرض التوصل إلى تفاهمات جديدة وآليات أوضح لإدارة المرحلة المقبلة، بما يضمن استمرار الوفد وتمكينه من أداء مهامه.
وحدد يوسف أربع خطوات يراها ضرورية لإعادة بناء الثقة، تتمثل في الالتزام بالتفاهمات السابقة، واحترام مبدأ الشراكة، ووقف السياسات الأحادية، واحترام الخصوصية الكردية في سوريا عند صياغة المواقف السياسية واتخاذ القرارات.
تراكمات خلف الأزمة الحالية
يرى الكاتب والصحفي الكردي عز الدين ملا، في حديث إلى عنب بلدي، أن الأزمة الحالية لا يمكن فصلها عن تراكمات سياسية بدأت منذ السنوات الأولى للثورة السورية.وقال إن الخلاف بين “المجلس الوطني الكردي” و”حزب الاتحاد الديمقراطي” يعود إلى اختلاف موقفيهما منذ بداية الثورة، مشيرًا إلى أن محاولات توحيد الصف الكردي تعود إلى اتفاقيات “هولير” الأولى والثانية ثم اتفاقية “دهوك”، لكنها لم تُنفذ عمليًا.
وبحسب ملا، فإن حزب “الاتحاد الديمقراطي” كان، عندما يكون في موقع قوة، يميل إلى العمل بصورة منفردة، بينما يعود إلى طرح شعار الوحدة الكردية عندما تتراجع أوراقه السياسية، معتبرًا أن هذا النمط تكرر أيضًا بعد سقوط نظام الأسد، إذ عاد الحزب إلى تبني خطاب الوحدة وصولًا إلى مؤتمر 26 من نيسان 2025، قبل أن يعود، وفق رأيه، إلى التحرك منفردًا بعد تحسن موقعه السياسي.
ويرى ملا أن الخلاف الحالي لا يدور فقط حول آلية عمل الوفد، وإنما يرتبط أيضًا بالصراع على تمثيل الكرد في المرحلة الانتقالية والتفاوض مع دمشق، محملًا حزب “الاتحاد الديمقراطي” و”قسد” المسؤولية الأساسية عن تعثر الوفد.
وفيما يتعلق بعدم توجه الوفد المشترك إلى دمشق، يخالف ملا الرواية التي تربط ذلك برفض الحكومة السورية استقبال الوفد، معتبرًا أن السبب الرئيس يعود إلى سعي حزب “الاتحاد الديمقراطي” و”قسد” إلى إدارة التفاوض عبر “وفد تقني”، بينما لم تبادر دمشق في الوقت نفسه إلى طلب لقاء مع الوفد المشترك.
ويعتقد أن استمرار السجال سيؤدي إلى إضعاف فرص الحفاظ على موقف كردي موحد في أي مفاوضات مستقبلية مع الحكومة السورية، لأن الانقسامات ستنعكس مباشرة على قدرة القوى الكردية على تقديم خطاب تفاوضي موحد.
ومع ذلك، لا يتوقع انهيار الوفد بصورة كاملة، مرجحًا أن يستمر الخلاف مع بقاء قنوات التواصل مفتوحة بين الطرفين، لكنه يرى أن تجاوز حالة الجمود يتطلب إرادة سياسية متبادلة وإجراءات عملية لإعادة بناء الثقة والالتزام بالتفاهمات السابقة، وإلا فإن الانقسام مرشح للاستمرار وربما الاتساع.
تشكيل الوفد الكردي
يعود تشكيل الوفد الكردي المشترك إلى مخرجات “كونفرانس وحدة الموقف والصف الكردي” الذي عُقد في مدينة القامشلي في 26 من نيسان 2025، بمشاركة مئات الشخصيات وممثلين عن الأحزاب والقوى السياسية الكردية، بهدف توحيد الرؤية السياسية للقوى الكردية في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، وصياغة موقف تفاوضي موحد تجاه دمشق.وأقر المؤتمر وثيقة سياسية مشتركة، كما نص بيانه الختامي على تشكيل وفد كردي مشترك يتولى التواصل والحوار مع الحكومة السورية والأطراف المعنية لترجمة مخرجات المؤتمر إلى مسار سياسي، وهو الوفد الذي يشكل اليوم محور الخلاف المتجدد بين “المجلس الوطني الكردي” وحزب “الاتحاد الديمقراطي” بشأن آليات عمله وتمثيله وصلاحياته.
وبين تبادل الاتهامات بشأن مسؤولية تعطيل الوفد، والتمسك المعلن من الطرفين بفكرة استمرار الحوار، تبدو تجربة الوفد الكردي المشترك أمام اختبار جديد بعد مرور عام على تأسيسها.
فبينما يؤكد كل طرف حرصه على وحدة الموقف الكردي، تكشف البيانات المتبادلة والاتهامات المتصاعدة حجم التباعد بشأن آليات اتخاذ القرار، وهو ما يجعل مستقبل الوفد مرهونًا بقدرة القوى الكردية على تجاوز خلافاتها الداخلية قبل الانتقال إلى أي مسار تفاوضي جديد مع الحكومة السورية.


الصفحات
سياسة









