ماجدولين الرفاعي
شهادة شخصية من الداخل
لم يكن اتحاد الكتّاب العرب في سوريا، منذ تأسيسه، مجرّد إطار نقابي يُعنى بشؤون الكتّاب، بل شكّل، على الدوام، مرآةً لعلاقة السلطة بالثقافة، وحدود المقبول والممنوع في الكتابة، والانتماء، والاعتراف. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، انكشفت هذه العلاقة على نحوٍ أكثر حدّة، وتحول الاتحاد، كغيره من المؤسسات الرسمية، إلى ساحة اختبار قاسية للشرعية الثقافية، لا على أساس الإبداع وحده، بل وفق معايير السياسة والموقف والاصطفاف.
هذه ليست قراءة نظرية في تاريخ الاتحاد، بل شهادة شخصية، نابعة من تجربة مباشرة، تكشف كيف تعمل المؤسسة من الداخل، وكيف يُدار القانون، وكيف تُختبر الأخلاق حين تصبح العضوية امتيازًا لا حقًا.
عضوية معلّقة بين وطنين وزمنين
حصلتُ على عضوية اتحاد الكتّاب العرب في سوريا عام 2012، في واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في تاريخ البلاد. كانت سوريا آنذاك تدخل منعطفًا دمويًا، وكانت الخيارات الوجودية تُفرض على السوريين قسرًا: إما الصمت، أو المنفى، أو المواجهة.
لم يكن الغياب ترفًا، ولا قرارًا سهلًا، بل ضرورة فرضتها الظروف السياسية والأمنية. فكيف لكاتب معارض، يكتب عن السجون والاعتقال التعسفي والثورة السورية، أن يدخل دمشق في ذروة القمع؟ وكيف يمكن لأعمال من هذا النوع أن تُقدَّم إلى مؤسسة رسمية كانت، في تلك المرحلة، جزءًا من منظومة الإقصاء والتضييق؟
كتب لا يمكن أن تعبر الحواجز
خلال سنوات إقامتي في الخارج، واصلت الكتابة والنشر، وصدرت لي أعمال جديدة، من بينها رواية «وكان اسمها سوريا»، وهي رواية تتناول السجون، والاعتقال التعسفي، وتجربة السوري في مواجهة الاستبداد.
هذا العمل، وغيره من كتبي، لم يكن ممكنًا تقديمه لاتحاد الكتّاب أثناء حكم الأسد، لا شكليًا ولا فعليًا. فمضمونه وحده كان كافيًا لإغلاق أي باب رسمي، وربما فتح أبواب أخرى أشد قسوة.
بعد سقوط النظام، ساد اعتقاد واسع – وربما ساذج – بأن مرحلة جديدة قد بدأت، وأن المؤسسات الثقافية ستعيد النظر في سياساتها، وتفتح ملفات الإقصاء، وتُجري مراجعات أخلاقية وقانونية طال انتظارها.
انطلاقًا من هذا الأمل، بادرتُ إلى إرسال كتبي الجديدة إلى اتحاد الكتّاب العرب، وسددتُ الاشتراكات المتراكمة، وتقدّمت بطلب تجديد عضويتي، باعتبار أن أسباب الانقطاع كانت قسرية، ومعلومة، وموثقة.
غير أن الواقع كان مختلفًا.
إدارات تتغير… والعقلية واحدة
في المرحلة الأولى، تقدّمتُ بطلب إلى رئيس الاتحاد آنذاك محمد طه العثمان. وبعد أخذ ورد، صدر قرار بمنحي عضوية جديدة دون احتساب السنوات السابقة.
تسلّم بعده أحمد حاسم الحسين رئاسة الاتحاد. تواصلتُ معه، فكان رده واضحًا: “راجعي لجنة الانتساب”. وهكذا بدأت رحلة جديدة، أشبه بدوران في حلقة مفرغة، بين لجان، وموظفين، ومكاتب، وأبواب تُفتح وتُغلق وفق مزاج غير معلن.
الكيل بمكيالين… حين تصبح القوانين انتقائية
خلال هذه الرحلة، تكشّف الجانب الأكثر إيلامًا في التجربة: الكيل بمكيالين.
ففي الفترة نفسها، جرى تجديد عضويات عدد من الكتّاب الذين كانوا في ظروف مماثلة تمامًا لظروفي: خارج سوريا، معارضون، ومنقطعون عن الاتحاد لسنوات طويلة. ومع ذلك، جُدّدت عضوياتهم مع الاحتفاظ بأقدميتهم السابقة.
عندما طُرح السؤال عن هذا التناقض الصارخ، جاء الجواب – على لسان أحد المعنيين – صادمًا بقدر ما كان كاشفًا:
«سيتم سحب عضوياتهم لاحقًا، لأن محمد طه العثمان لا يفهم بالقوانين».هذا الرد لم يكن تبريرًا بقدر ما كان اعترافًا ضمنيًا بأن القانون لا يُطبَّق بوصفه مرجعية ثابتة، بل يُستخدم انتقائيًا، وأن الرؤساء المعلنين ليسوا بالضرورة أصحاب القرار الفعلي. فالمتحكّم الحقيقي بالاتحاد هو من يقرّر من خلف الكواليس، وهو ممن كانوا، وما زالوا، يديرون المشهد بعيدًا عن الأضواء.
قرار يعاقب الضحية ويتجاهل السياق
في نهاية المطاف، وصلني القرار النهائي:
إلغاء عضويتي بحجة أن كتبي صادرة بعد عام 2014، وكان يجب تقديمها قبل ذلك التاريخ.
قرار يتجاهل كليًا السياق السياسي والأمني، ويتعامل مع سنوات الإقصاء القسري وكأنها خيار شخصي. فكيف يُطلب من كاتب معارض أن يقدّم أعمالًا كانت ممنوعة أصلًا؟ وكيف يُحاسَب على ما لم يكن ممكنًا؟
الأخطر من ذلك، أن أحد الموظفين القدامى في الاتحاد، وعبر وسيط قريب، نصحني بتزوير الصفحة الأولى من روايتي، ووضع تاريخ 2014 بدلًا من تاريخ صدورها الحقيقي، لتسهيل القبول.
السؤال الأخلاقي: عضوية أم كرامة؟
هنا خرجت القضية من إطارها الإداري، لتتحول إلى سؤال أخلاقي صريح:
أيُّهما أهم؟
أن أحصل على عضوية في اتحاد تحكمه ذهنية التحايل؟
أم أن أحافظ على اسمي، وذاكرتي، وصدقيتي، دون تهمة تزوير قد تلاحقني بالعار إلى آخر العمر؟
هذا السؤال لا يخصني وحدي، بل يخص كل كاتب سوري عاش تجربة المنفى، ووجد نفسه خارج الجغرافيا، وخارج التوقيت الرسمي، وخارج شبكات المصالح.
أزمة الاتحاد: إدارية أم بنيوية؟
ما يحدث داخل اتحاد الكتّاب العرب ليس أزمة أشخاص، ولا سوء تفاهم عابر، بل أزمة بنيوية عميقة، تتجلّى في:
استمرار القوانين القديمة دون مراجعة سياسية وأخلاقية.
غياب آليات واضحة لإنصاف كتّاب المنفى.
الخلط بين الإبداع والموقف السياسي.
وجود سلطة غير معلنة تتحكم بالقرار الثقافي، بعيدًا عن الشفافية والمساءلة.


الصفحات
سياسة









