وفي مقابلة مع قناة “الإخبارية السورية”، نُشرت في 18 من تشرين الأول الحالي، أكد البكور استعداد الدولة لبحث الملفات العالقة، داعيًا إلى تشكيل لجان من أبناء المحافظة لمناقشة المطالب والمخاوف، ووضع ضمانات متبادلة لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه. وتبحث عنب بلدي ضمن هذا التقرير في دلالات تجديد الدعوة، والعوائق أمام التسوية، وفرص إحراز تقدم في ظل استمرار التوترات الأمنية.

دعوة الحكومة والتوقيت

تأتي الدعوة الجديدة بعد أشهر من التوتر والخلافات التي أعقبت أحداث تموز 2025، دون التوصل إلى تسوية شاملة تنهي الأزمة، ويعيد طرح الحوار فتح النقاش بشأن العلاقة بين دمشق والقوى المحلية، والجهات التي ستمثل المحافظة، والضمانات اللازمة لتنفيذ أي تفاهمات.
يرى المتحدث الإعلامي باسم “التيار الثالث”، كنان مسعود، أن دعوة المحافظ تعكس استمرار توجه الحكومة نحو المسار السياسي، ومحاولة إعادة المبادرة إلى المؤسسات الرسمية بعيدًا عن المواجهة العسكرية.
وقال مسعود، في حديث إلى عنب بلدي، إن أهمية الدعوة تكمن في إتاحة المجال أمام فعاليات المجتمع المحلي للمشاركة في تحديد مستقبل المحافظة، بدل اختزال تمثيلها في جهة دينية أو قيادة عسكرية واحدة، لكنه شدد على أن نجاح المبادرة يتطلب خطوات عملية تعيد الثقة وتضمن الحقوق.
من جهته، يرى الكاتب السياسي درويش خليفة، في حديث إلى عنب بلدي، أن الحوار أداة أساسية لإعادة بناء الثقة تدريجيًا بين أهالي السويداء والسلطات في دمشق، مشيرًا إلى إمكانية البناء على اتفاق 16 من أيلول 2025، المعلن في إطار التنسيق السوري- الأردني- الأمريكي، لدفع التسوية.
وبذلك، ترتبط أهمية الدعوة بقدرتها على الانتقال من إعلان الاستعداد للحوار إلى الاتفاق على أطرافه وأهدافه ومخرجاته، في ظل استمرار الخلافات بشأن مستقبل المحافظة.

عوامل دفعت إلى تجديد الدعوة

تتزامن الدعوة مع استمرار الأعباء الإنسانية والخدمية للأزمة، وتعثر عودة المهجرين، وبقاء ملفات أمنية وسياسية دون حلول شاملة، كما لم تتحول الاتصالات والتفاهمات الجزئية إلى اتفاق ينظم العلاقة بين دمشق والقوى المحلية.
وحدد مسعود عدة عوامل وراء تجديد الدعوة، أبرزها تدهور الأوضاع المعيشية واضطراب الخدمات والتعليم، وتعثر عودة المهجرين.
وأشار إلى أن بعض التفاهمات المتعلقة بالملفات الخدمية والإدارية والمحتجزين لم تؤدِّ إلى تسوية سياسية وأمنية شاملة.
وربط مسعود الحاجة إلى استئناف الحوار بضرورة تفعيل خارطة الطريق السورية- الأردنية- الأمريكية المعلنة في أيلول 2025، التي لم تُنفذ جميع بنودها، إلى جانب تأثير التطورات الإقليمية والتدخلات الإسرائيلية في جنوبي سوريا.
وبحسب تصريحات البكور، تواجه المحافظة صعوبات معيشية وانفلاتًا أمنيًا وعمليات خطف، مؤكدًا استعداد الدولة لمناقشة الملفات العالقة، ومشيرًا إلى أن بعض بنود خارطة الطريق، ومنها تأمين طريق دمشق- السويداء ونشر قوى الأمن الداخلي، نُفذت، بينما لم تُستكمل بقية البنود.

لماذا تعثرت المحاولات السابقة؟

لم تنجح الدعوات المتكررة إلى الحوار في إنهاء الأزمة، وسط خلافات بشأن التمثيل السياسي، والترتيبات الأمنية، والمحاسبة على الانتهاكات التي شهدتها المحافظة، كما أن غياب الثقة يجعل الاتفاق على ضمانات متبادلة وتنفيذها تحديًا أمام أي مفاوضات.
ويضع مسعود أزمة الثقة التي خلّفتها أحداث تموز 2025 في مقدمة العوائق، معتبرًا أن تجاوز آثارها يتطلب مسارًا قضائيًا شفافًا لكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وجبر الضرر.
كما أشار إلى الخلاف حول الجهات التي يحق لها تمثيل المحافظة والتفاوض باسم سكانها، في ظل تعدد الفعاليات السياسية والاجتماعية والمدنية، مضيفًا أن انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة يزيد صعوبة الحوار، خصوصًا عندما تستطيع بعض الأطراف فرض مواقفها بالقوة.
وفي المقابل، شدد مسعود على مسؤولية الحكومة في تقديم ضمانات أمنية وقانونية حقيقية، وإظهار نتائج ملموسة في ملفات العدالة والمهجرين والمفقودين.
 

أزمة الثقة التي خلّفتها أحداث تموز 2025 في مقدمة العوائق التي حدّت من الاتفاق والحوار، وتجاوز آثارها يتطلب مسارًا قضائيًا شفافًا لكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وجبر الضرر.

الدكتور كنان مسعود

المتحدث الإعلامي باسم “التيار الثالث” في السويداء
 
أما خليفة فيرى أن بدء حوار جاد يتطلب الاتفاق مسبقًا على الأطراف المشاركة والجهة التي ستديره وجدول أعماله، مع وجود جهة محايدة تحظى بقبول الأطراف المعنية.
وشدد على ضرورة أن يشمل الحوار الترتيبات الأمنية، وتحديد القوات المسؤولة عن حفظ الأمن وتبعيتها المؤسسية، إلى جانب شكل الإدارة المحلية وآليات تشكيل مجلس المحافظة بما يضمن تمثيل السكان.
وتتقاطع وجهتا النظر عند الحاجة إلى ضمانات واضحة وآليات تنفيذ، إلى جانب معالجة الخلافات المتعلقة بالتمثيل والمحاسبة، كي لا تبقى المبادرات في إطار اللقاءات دون نتائج ملموسة.

ما وراء الاشتباكات الأخيرة؟

تزامنت الدعوة الجديدة مع استمرار التوترات الأمنية في المحافظة، بما يشمل الاشتباكات بين القوى الحكومية والفصائل المحلية، وحوادث الخطف وإطلاق النار داخل المدينة، ويثير هذا التزامن تساؤلات حول احتمال تأثر المسار السياسي بالتصعيد، لكنه لا يثبت وحده وجود علاقة بين الحدثين.
ويرى مسعود أنه لا يمكن فصل الاشتباكات عن المناخ السياسي المحيط بالدعوة، لكنه يشدد على ضرورة التمييز بين التزامن ووجود علاقة سببية مثبتة.
وطرح احتمال أن ترى بعض القوى في توسيع دائرة الحوار تهديدًا لنفوذها، من دون أن يقدم ذلك دليلًا قاطعًا على دوافع الاشتباكات أو الجهات المسؤولة عنها.
من جانبه، يضع خليفة التدخلات الخارجية، ولا سيما الإسرائيلية، ضمن العوامل التي تزيد تعقيد الأزمة وتؤثر في حسابات الأطراف المحلية.

خطوات مطلوبة لتهيئة التسوية

يتطلب التوصل إلى تسوية في السويداء خطوات عملية تتجاوز إعلان الاستعداد للحوار، تبدأ بتهيئة الظروف الأمنية وتحديد الأطراف المشاركة وجدول الأعمال، وصولًا إلى ضمانات لتنفيذ التفاهمات ومتابعتها، وفقًا للخبيرين.
ويرى خليفة أن الحوار ينبغي أن يستند إلى أجندة واضحة وضمانات متبادلة، وأن يتناول الملفات الأمنية والإدارية وإعادة بناء الثقة، مع الاتفاق على مسؤوليات القوات الأمنية وتبعيتها، وشكل الإدارة المحلية وآليات تمثيل السكان.

إطلاق حوار جاد ومنظم، يستند إلى أجندة واضحة وضمانات متبادلة ومخرجات قابلة للتنفيذ، لم يعد مجرد خيار سياسي، بل بات ضرورة لتفادي مزيد من التصعيد، وحماية وحدة سوريا واستقرارها.

درويش خليفة

كاتب سياسي

 
أما مسعود فيربط فرص التسوية بإعطاء الأولوية لعودة المهجرين وإعادة تأهيل المنازل والبنية التحتية، وتحديد التعويضات وجبر الضرر، إلى جانب تحييد المدارس والجامعات والمستشفيات والخدمات العامة عن التجاذبات السياسية.
ويشدد كذلك على أهمية المحاسبة القضائية العادلة للمسؤولين عن الجرائم، بصرف النظر عن انتماءاتهم، معتبرًا أن تحقيق العدالة شرط لإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع.
وتشمل الخطوات المطلوبة تثبيت التهدئة، والتحقيق في الانتهاكات، وتسهيل عودة السكان بصورة آمنة، واستئناف الخدمات، وفتح قنوات تمثيل محلية تتيح مشاركة الفعاليات المختلفة. كما أن تحديد جدول زمني لتنفيذ التفاهمات قد يساعد في تحويل الالتزامات إلى إجراءات قابلة للتحقق.
وعن فرص التقدم، يرى مسعود أن إحراز تقدم في الملفات الإنسانية والخدمية ممكن على المدى القريب، بينما تبقى التسوية السياسية والأمنية الشاملة أكثر تعقيدًا، في ظل تداخل العوامل المحلية والإقليمية.
في المحصلة، تضع دعوة البكور الحوار أمام اختبار جديد في السويداء، لكن نجاحها سيبقى مرتبطًا بقدرة الأطراف على معالجة أزمة الثقة والتمثيل، وتقديم ضمانات أمنية وقانونية، وتحقيق تقدم في ملفات العدالة وعودة المهجرين.
ومن دون خطوات عملية تحد من التصعيد وتضمن تنفيذ التفاهمات، ستظل فرص التسوية الشاملة مرتبطة بتجاوز الخلافات التي عاقت المبادرات السابقة.