| | |||
.
لست بصدد تقديم تونس نموذج نجاح، ربّما بالعكس: أقدّمها كتجربة إنذار مبكّر. فدروس تجربتنا التونسية مريرة وغنيّة في آن واحد.
بعد 2011، اعتقدنا في تونس أنّ إسقاط الاستبداد هو الجزء الأصعب، ثمّ اكتشفنا أنّ الجزء الأصعب يبدأ في اليوم التالي.
أدرنا الانتقال بمنطق التوافقات السياسية، أكثر من إعادة هندسة الدولة، فتكيّفت المنظومة القديمة معنا، بدل أن نُفكّكها نحن. اعتقدنا أنّنا نُروّضها، فإذا بها تروّضنا.
من أخطر أخطائنا أنّ النخب خاضت معارك الهوية والسلطة، أكثر من معارك الدولة والتنمية. انشغل كثيرون بسؤال "من يحكم؟" أكثر من سؤال "ماذا سنبني؟ وكيف سنحكم؟". وحين انشغل الجميع بالسؤال الأوّل، جاء من يُجيب عن الاثنين معا، على طريقته.
ولهذا أعتقد أنّ الرقمنة هي أهم سلاح سياسي لكسر المقاومات وفرض الإصلاحات؛ كلّ خدمة يتم رقمنتها تقلص سلطة اللوبيات وتنقص فرص الارتشاء، كلّ صفقة تخرج إلى النور، تتقدّم الدولة خطوة. الإدارة الورقية والتعقيدات البيروقراطية كانت دائما، في كلّ بلداننا، خندقا يحتمي به الفساد.
في تونس، اكتشفنا متأخّرين أنّ الديمقراطية يمكن أن تموت بالصندوق نفسه الذي جاءت منه. فالديمقراطية معركة يوميّة ضدّ الردّة، لا مكسب يحرز مرّة واحدة إلى الأبد. والردّة لا تأتي دائما بانقلاب عسكري، أحيانا تأتي بانتخابات.
والدرس الأخير يتعلّق بالعلاقة مع المؤسّسات المالية الدولية. نحن في تونس تأرجحنا طويلا بين منطقين كلاهما خاطئ: التبعية التي تقبل الوصفات الجاهزة، والرفض الشعبوي الذي يخلط بين السيادة ورفض الإصلاحات والتمويل. وفي الحالتين، كان البلد هو الخاسر.
الطريق الثالث هو الشراكة. الدولة التي تذهب بخطّتها الوطنية، وبأولويّاتها، وبآليات حماية الفئات الهشّة، تتفاوض من موقع شريك. الدولة التي تذهب بيد فارغة، تجد نفسها على طاولة لم تكتب أحد بنودها.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
لست بصدد تقديم تونس نموذج نجاح، ربّما بالعكس: أقدّمها كتجربة إنذار مبكّر. فدروس تجربتنا التونسية مريرة وغنيّة في آن واحد.
بعد 2011، اعتقدنا في تونس أنّ إسقاط الاستبداد هو الجزء الأصعب، ثمّ اكتشفنا أنّ الجزء الأصعب يبدأ في اليوم التالي.
أدرنا الانتقال بمنطق التوافقات السياسية، أكثر من إعادة هندسة الدولة، فتكيّفت المنظومة القديمة معنا، بدل أن نُفكّكها نحن. اعتقدنا أنّنا نُروّضها، فإذا بها تروّضنا.
من أخطر أخطائنا أنّ النخب خاضت معارك الهوية والسلطة، أكثر من معارك الدولة والتنمية. انشغل كثيرون بسؤال "من يحكم؟" أكثر من سؤال "ماذا سنبني؟ وكيف سنحكم؟". وحين انشغل الجميع بالسؤال الأوّل، جاء من يُجيب عن الاثنين معا، على طريقته.
ولهذا أعتقد أنّ الرقمنة هي أهم سلاح سياسي لكسر المقاومات وفرض الإصلاحات؛ كلّ خدمة يتم رقمنتها تقلص سلطة اللوبيات وتنقص فرص الارتشاء، كلّ صفقة تخرج إلى النور، تتقدّم الدولة خطوة. الإدارة الورقية والتعقيدات البيروقراطية كانت دائما، في كلّ بلداننا، خندقا يحتمي به الفساد.
في تونس، اكتشفنا متأخّرين أنّ الديمقراطية يمكن أن تموت بالصندوق نفسه الذي جاءت منه. فالديمقراطية معركة يوميّة ضدّ الردّة، لا مكسب يحرز مرّة واحدة إلى الأبد. والردّة لا تأتي دائما بانقلاب عسكري، أحيانا تأتي بانتخابات.
والدرس الأخير يتعلّق بالعلاقة مع المؤسّسات المالية الدولية. نحن في تونس تأرجحنا طويلا بين منطقين كلاهما خاطئ: التبعية التي تقبل الوصفات الجاهزة، والرفض الشعبوي الذي يخلط بين السيادة ورفض الإصلاحات والتمويل. وفي الحالتين، كان البلد هو الخاسر.
الطريق الثالث هو الشراكة. الدولة التي تذهب بخطّتها الوطنية، وبأولويّاتها، وبآليات حماية الفئات الهشّة، تتفاوض من موقع شريك. الدولة التي تذهب بيد فارغة، تجد نفسها على طاولة لم تكتب أحد بنودها.
ــــــــــــــــــــــــــــــ


الصفحات
سياسة








