وعلى الرغم من أن السلطات أعلنت حظر أي نشاط للتنظيم منذ آب/اغسطس عام 2012 بسبب ثبوت تورطه في أنشطة ارهابية في البلاد وتصنيفه تنظيما إرهابيا، إلا أن التنظيم ما يزال يحافظ على حضوره وسط السكان داخل حي النسيم وأحياء أخرى فقيرة منسية وبعيدة عن مخبري الشرطة.
شيد حي النسيم في نهاية عقد الثمانينيات من القرن الماضي والجزء الأغلب من المباني المنتشرة فيه هي مساكن اجتماعية منحت مقابل أقساط رمزية لعائلات كانت تقطن بأحياء قصديرية على أطراف ولاية أريانة القريبة من العاصمة لكن لا يزال يغلب عليها الانتماء الجهوي حتى اليوم.
وبعد أكثر من عشرين عاما من تشييده تطغى الجدران المتداعية وغير المطلية على الكثير من البناءات لتلك المساكن بينما تنتشر الأتربة على طرفي الأزقة وسط الحي. وحتى وقت قريب قبل الثورة كان حي النسيم يعد أحد الأحياء الشعبية التي تنتشر فيها الجريمة على نطاق واسع، من السرقات إلى العنف إلى بيع الخمر خلسة وحتى جرائم القتل لكن مع ذلك ظل بعيدا عن الأضواء ووسائل الإعلام وحتى عن اهتمامات السلطة.
ولم يكن أكثر العارفين بخبايا المنطقة يتوقع أن يتحول الحي يوما ما إلى أحد بؤر الإرهاب وان اللحى والجلابيب الأفغانية ستطغى على مظاهر وهندام القاطنين فيه. ويمكن رؤية هذه المظاهر بوضوح مع اقتراب مواعيد الصلاة بجامع التوبة الذي انتهى بناؤه في قلب حي النسيم بعد الثورة.
وقال عبد الرزاق العكايشي وهو رجل متدين وأمين المال في الجامع لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ) "كثيرون يندفعون لارتداء هذه الأزياء وإطلاق اللحى. لا يتعلق الأمر بمعرفة معمقة في العلوم الدينية أو إقبال على التقوى بقدر ما يرتبط بشيء من الحماسة أو ما يشبه الموضة بين الشباب".
ولكن الأحداث في مرحلة لاحقة بحي النسيم كشفت عن خطر أكبر بكثير من مجرد نزوع الى التقوى او حمى اللباس الأفغاني بين الشباب المتحمسين دينيا. وجاءت الصدمة الكبرى مع وقوع أول اشتباكات بين جماعة إرهابية كانت تتحصن بأحد منازل وسط الحي مع قوات الأمن لتوقظ شعورا لدى السكان ان حي النسيم بات عمليا أحد بؤر الإرهاب.
لكن وقع الصدمة كان أكثر على المتساكنين مع اكتشافهم لاحقا بتواجد الجماعة الإرهابية مدججة بأسلحة نوعية لمدة أشهر قبل الاشتباكات داخل مستودع يقطنون به على سبيل الإيجار دون أن يتم التفطن إليهم أو يلحظهم أحد.
والأمر الأكثر خطورة أن المستودع كان على بعد نحو 200 متر من مقر الشرطة وان العناصر الإرهابية كانت تخطط لتفجير المقر الأمني بمن فيه قبل أن يتم محاصرتهم في المستودع بناء على معلومات استخباراتية حيث أدت الاشتباكات إلى قتل أحد العناصر وإيقاف أربعة.
وبعيدا عن وقع الصدمة فإن العملية طرحت أسئلة عدة حول المعايير والظروف المساعدة لتمركز العناصر الإرهابية وما إذا كان الخطر الإرهابي يتربص بشكل أكثر بالمناطق الأكثر تهميشا وفقرا لتبدو وكأنها تشكل حزاما حول العاصمة. وقال عبد الرزاق العكايشي "التفسيرات المتداولة في الإعلام تقول إن المال يستهوي الشباب في الأحياء الفقيرة للانسياق وراء التشدد. هذا غير صحيح ولا أساس له في الواقع".
ويضيف العكايشي "لم نرى فقراء استغنوا من التشدد". ومثلا لا يبعد حي النسيم سوى بضع كيلومترات عن الأحياء الفقيرة بمنطقة رواد التي شهدت اشتباكات أوسع بين قوات أمنية خاصة وجماعة مسلحة تضم قياديين بارزين ضمن الخلايا الإرهابية المفتش عنها بتونس، ومن بينهم متورطين في اغتيال السياسي شكري بلعيد.
كما لا يبعد كثيرا عن مسرح اغتيال بلعيد بمنطقة المنزه ومقر سكن النائب في المجلس التأسيسي محمد البراهمي الذي اغتيل بحي الغزالة المحاذي له.
ولا يختلف الحال كثيرا في الجهة الغربية للعاصمة حيث يتركز أغلب المنتمين لتنظيم أنصار الشريعة بحي التضامن الشهير، أكبر حي شعبي بتونس.
والحي المترامي الأطراف تأسس منذ خمسينيات القرن الماضي ويلقب بـ«الصين الشعبية» نظرا للكثافة السكانية المرتفعة به حيث لا يقل عدد سكانه اليوم عن نصف مليون نسمة. ويقع الحي على بعد بضع كيلومترات من قلب العاصمة وله امتداد نحو أحياء أخرى مجاورة مثل حي الانطلاقة وحي ابن خلدون والمنيهلة وينحدر أغلب سكانه من المحافظات الداخلية الفقيرة والمهمشة الذين نزحوا منذ عقود نحو العاصمة في تونس.
ولعب حي التضامن بقاعدته الشعبية العريضة من السكان الناقمين دورا حاسما في الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي عندما وصلت المظاهرات الشعبية للثورة إلى أطراف العاصمة في الأيام القليلة التي سبقت 14 كانون ثان / يناير 2011، يوم فرار بن علي من تونس. لكنه اليوم يتصدر قائمة المناطق التي يشتبه باحتوائها لخلايا إرهابية نائمة تتبع أنصار الشريعة المحظور. وقال كريم البجاوي أحد سكان حي التضامن لـ(د.ب.أ) «يمكن ان تشاهد الفيلات الفخمة والمساكن العشوائية جنبا إلى جنب. لكن أغلب الناس تعاني هنا. نسب الفقر والبطالة مرتفعة جدا. المقاهي تظل ملآنة طوال النهار. في مثل هذه البيئة يمكن توقع كل شيء".
ويضيف البجاوي "كثيرون انساقوا وراء التيار المتشدد لكن أغلبهم منحرفون ومن أصحاب السوابق". وشهد الحي مواجهات عنيفة ومتكررة بين الأمن وأنصار الشريعة أبرزها الاشتباكات التي اندلعت في شهر حزيران/يونيو عام 2012 على خلفية نشر لوحات فنية اعتبرت مسيئة للإسلام في احد معارض الفنون التشكيلية بالعاصمة. وكانت المواجهات الأبرز عقب قرار وزارة الداخلية حظر المؤتمر السنوي للتنظيم بمدينة القيروان في أيار/مايو عام 2013.
وقال رضوان المصمودي مدير مركز الإسلام والديمقراطية لـ (د.ب. أ) ''الدور القتالي من مهام وزارة الداخلية والدفاع ضد الجماعات الارهابية التي تستخدم العنف. لكن هناك معالجة أخرى فكرية وسياسية لا يجب أن نغفل عنها". وأضاف ''يجب أن نفهم لماذا يندفع الشباب نحو هذا التيار المتشدد.. يجب أن نتحاور معه ونقنعه بأساليب علمية بأن العنف ليس سبيلا لحل المشاكل".
ويمكن التمييز على ارض الواقع بأن الإسلاميين في الأحياء الشعبية ليسوا على درجة واحدة من التشدد على الرغم من الصعوبات الاجتماعية التي تعصف بغالبية القاطنين بتلك الاحياء.
ويقول محمد علي عبيد أحد أنصار حزب التحرير الإسلامي وهو يقطن بحي الخضراء القريب من وسط العاصمة لـ(د .ب .أ) "نحن /حزب التحرير/ لسنا سلفيين ولا تكفيريين لا علاقة لنا بحركة النهضة الاسلامية. نحن مختلفون ونخوض الكثير من النقاشات معهم".
ويدعم عبيد وآخرون من أنصار التحرير تركيز خلافة إسلامية واتباع أحكام الشريعة بدل الدستور، لكن القياديين في الحزب يجدون صعوبة في تسويق هذا المنوال من الحكم في الشارع ووسائل الإعلام.
وربما أعطى انسحاب الحزب الإسلامي الأكبر في البلاد، حركة النهضة الإسلامية، عن الحكم تحت ضغط المعارضة إشارة قوية بأن الدولة ربما تحتاج إلى عقود أخرى طويلة لتجاوز ارثها العلماني الذي أرساه الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة باني دولة الاستقلال.
وقال العكايشي "معركة الدولة اليوم ضد التشدد تبدأ أولا بالتنمية والتعليم والتشغيل".
(د ب أ) ط ق/ ب ت 2014
شيد حي النسيم في نهاية عقد الثمانينيات من القرن الماضي والجزء الأغلب من المباني المنتشرة فيه هي مساكن اجتماعية منحت مقابل أقساط رمزية لعائلات كانت تقطن بأحياء قصديرية على أطراف ولاية أريانة القريبة من العاصمة لكن لا يزال يغلب عليها الانتماء الجهوي حتى اليوم.
وبعد أكثر من عشرين عاما من تشييده تطغى الجدران المتداعية وغير المطلية على الكثير من البناءات لتلك المساكن بينما تنتشر الأتربة على طرفي الأزقة وسط الحي. وحتى وقت قريب قبل الثورة كان حي النسيم يعد أحد الأحياء الشعبية التي تنتشر فيها الجريمة على نطاق واسع، من السرقات إلى العنف إلى بيع الخمر خلسة وحتى جرائم القتل لكن مع ذلك ظل بعيدا عن الأضواء ووسائل الإعلام وحتى عن اهتمامات السلطة.
ولم يكن أكثر العارفين بخبايا المنطقة يتوقع أن يتحول الحي يوما ما إلى أحد بؤر الإرهاب وان اللحى والجلابيب الأفغانية ستطغى على مظاهر وهندام القاطنين فيه. ويمكن رؤية هذه المظاهر بوضوح مع اقتراب مواعيد الصلاة بجامع التوبة الذي انتهى بناؤه في قلب حي النسيم بعد الثورة.
وقال عبد الرزاق العكايشي وهو رجل متدين وأمين المال في الجامع لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ) "كثيرون يندفعون لارتداء هذه الأزياء وإطلاق اللحى. لا يتعلق الأمر بمعرفة معمقة في العلوم الدينية أو إقبال على التقوى بقدر ما يرتبط بشيء من الحماسة أو ما يشبه الموضة بين الشباب".
ولكن الأحداث في مرحلة لاحقة بحي النسيم كشفت عن خطر أكبر بكثير من مجرد نزوع الى التقوى او حمى اللباس الأفغاني بين الشباب المتحمسين دينيا. وجاءت الصدمة الكبرى مع وقوع أول اشتباكات بين جماعة إرهابية كانت تتحصن بأحد منازل وسط الحي مع قوات الأمن لتوقظ شعورا لدى السكان ان حي النسيم بات عمليا أحد بؤر الإرهاب.
لكن وقع الصدمة كان أكثر على المتساكنين مع اكتشافهم لاحقا بتواجد الجماعة الإرهابية مدججة بأسلحة نوعية لمدة أشهر قبل الاشتباكات داخل مستودع يقطنون به على سبيل الإيجار دون أن يتم التفطن إليهم أو يلحظهم أحد.
والأمر الأكثر خطورة أن المستودع كان على بعد نحو 200 متر من مقر الشرطة وان العناصر الإرهابية كانت تخطط لتفجير المقر الأمني بمن فيه قبل أن يتم محاصرتهم في المستودع بناء على معلومات استخباراتية حيث أدت الاشتباكات إلى قتل أحد العناصر وإيقاف أربعة.
وبعيدا عن وقع الصدمة فإن العملية طرحت أسئلة عدة حول المعايير والظروف المساعدة لتمركز العناصر الإرهابية وما إذا كان الخطر الإرهابي يتربص بشكل أكثر بالمناطق الأكثر تهميشا وفقرا لتبدو وكأنها تشكل حزاما حول العاصمة. وقال عبد الرزاق العكايشي "التفسيرات المتداولة في الإعلام تقول إن المال يستهوي الشباب في الأحياء الفقيرة للانسياق وراء التشدد. هذا غير صحيح ولا أساس له في الواقع".
ويضيف العكايشي "لم نرى فقراء استغنوا من التشدد". ومثلا لا يبعد حي النسيم سوى بضع كيلومترات عن الأحياء الفقيرة بمنطقة رواد التي شهدت اشتباكات أوسع بين قوات أمنية خاصة وجماعة مسلحة تضم قياديين بارزين ضمن الخلايا الإرهابية المفتش عنها بتونس، ومن بينهم متورطين في اغتيال السياسي شكري بلعيد.
كما لا يبعد كثيرا عن مسرح اغتيال بلعيد بمنطقة المنزه ومقر سكن النائب في المجلس التأسيسي محمد البراهمي الذي اغتيل بحي الغزالة المحاذي له.
ولا يختلف الحال كثيرا في الجهة الغربية للعاصمة حيث يتركز أغلب المنتمين لتنظيم أنصار الشريعة بحي التضامن الشهير، أكبر حي شعبي بتونس.
والحي المترامي الأطراف تأسس منذ خمسينيات القرن الماضي ويلقب بـ«الصين الشعبية» نظرا للكثافة السكانية المرتفعة به حيث لا يقل عدد سكانه اليوم عن نصف مليون نسمة. ويقع الحي على بعد بضع كيلومترات من قلب العاصمة وله امتداد نحو أحياء أخرى مجاورة مثل حي الانطلاقة وحي ابن خلدون والمنيهلة وينحدر أغلب سكانه من المحافظات الداخلية الفقيرة والمهمشة الذين نزحوا منذ عقود نحو العاصمة في تونس.
ولعب حي التضامن بقاعدته الشعبية العريضة من السكان الناقمين دورا حاسما في الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي عندما وصلت المظاهرات الشعبية للثورة إلى أطراف العاصمة في الأيام القليلة التي سبقت 14 كانون ثان / يناير 2011، يوم فرار بن علي من تونس. لكنه اليوم يتصدر قائمة المناطق التي يشتبه باحتوائها لخلايا إرهابية نائمة تتبع أنصار الشريعة المحظور. وقال كريم البجاوي أحد سكان حي التضامن لـ(د.ب.أ) «يمكن ان تشاهد الفيلات الفخمة والمساكن العشوائية جنبا إلى جنب. لكن أغلب الناس تعاني هنا. نسب الفقر والبطالة مرتفعة جدا. المقاهي تظل ملآنة طوال النهار. في مثل هذه البيئة يمكن توقع كل شيء".
ويضيف البجاوي "كثيرون انساقوا وراء التيار المتشدد لكن أغلبهم منحرفون ومن أصحاب السوابق". وشهد الحي مواجهات عنيفة ومتكررة بين الأمن وأنصار الشريعة أبرزها الاشتباكات التي اندلعت في شهر حزيران/يونيو عام 2012 على خلفية نشر لوحات فنية اعتبرت مسيئة للإسلام في احد معارض الفنون التشكيلية بالعاصمة. وكانت المواجهات الأبرز عقب قرار وزارة الداخلية حظر المؤتمر السنوي للتنظيم بمدينة القيروان في أيار/مايو عام 2013.
وقال رضوان المصمودي مدير مركز الإسلام والديمقراطية لـ (د.ب. أ) ''الدور القتالي من مهام وزارة الداخلية والدفاع ضد الجماعات الارهابية التي تستخدم العنف. لكن هناك معالجة أخرى فكرية وسياسية لا يجب أن نغفل عنها". وأضاف ''يجب أن نفهم لماذا يندفع الشباب نحو هذا التيار المتشدد.. يجب أن نتحاور معه ونقنعه بأساليب علمية بأن العنف ليس سبيلا لحل المشاكل".
ويمكن التمييز على ارض الواقع بأن الإسلاميين في الأحياء الشعبية ليسوا على درجة واحدة من التشدد على الرغم من الصعوبات الاجتماعية التي تعصف بغالبية القاطنين بتلك الاحياء.
ويقول محمد علي عبيد أحد أنصار حزب التحرير الإسلامي وهو يقطن بحي الخضراء القريب من وسط العاصمة لـ(د .ب .أ) "نحن /حزب التحرير/ لسنا سلفيين ولا تكفيريين لا علاقة لنا بحركة النهضة الاسلامية. نحن مختلفون ونخوض الكثير من النقاشات معهم".
ويدعم عبيد وآخرون من أنصار التحرير تركيز خلافة إسلامية واتباع أحكام الشريعة بدل الدستور، لكن القياديين في الحزب يجدون صعوبة في تسويق هذا المنوال من الحكم في الشارع ووسائل الإعلام.
وربما أعطى انسحاب الحزب الإسلامي الأكبر في البلاد، حركة النهضة الإسلامية، عن الحكم تحت ضغط المعارضة إشارة قوية بأن الدولة ربما تحتاج إلى عقود أخرى طويلة لتجاوز ارثها العلماني الذي أرساه الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة باني دولة الاستقلال.
وقال العكايشي "معركة الدولة اليوم ضد التشدد تبدأ أولا بالتنمية والتعليم والتشغيل".
(د ب أ) ط ق/ ب ت 2014


الصفحات
سياسة









