وحددت وزارة الخارجية والتعاون الدولي في المملكة المتحدة، أحد عشر شخصا متورطين في مراحل مختلفة من إنتاج الكبتاغون وتهريبه، ووصفت تجارة الكبتاغون بأنها “شريان حياة مالي” للنظام السوري، مثير للقلق. غير أن الولايات المتحدة كانت أكثر تحفظا في قائمة العقوبات الخاصة بها، إذ حددت سبعة أفراد – بعضهم مشمول بموجب “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين لعام 2019″.
ومع ذلك، تشير هذه العقوبات المشتركة، إلى فصل جديد في التعاون عبر الأطلسي، بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وفي بناء استراتيجية ضد نظام بشار الأسد، والجهات الفاعلة المدعومة من إيران في الشرق الأوسط.
واستغرق إعداد العقوبات فترة طويلة، فقد بنيت على سنوات تراكمت فيها الأدلة والتقارير الاستقصائية التي تعقبت مشاركة الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية المتورطة في تجارة الكبتاغون – ولا سيما الشركات التابعة للنظام السوري و”حزب الله” والميليشيات المدعومة من “الحرس الثوري الإيراني”.
ويأتي فرض العقوبات قبل أشهر فقط من كشف وزارة الخارجية المنتظر عن استراتيجيتها للعمل المشترك بين الوكالات المختلفة لمكافحة تجارة الكبتاغون، وهي استراتيجية يقتضيها قانون مكافحة الكبتاغون  الذي أقره الكونغرس الأميركي في ديسمبر/كانون الأول 2022.
ومع ذلك، فإن أهمية العقوبات المعلنة تتخطى مجرد رغبة الحكومتين الأميركية والبريطانية المشتركة في وقف التجارة غير المشروعة، بل تتعداها لتأخذ الأهداف الجيوسياسية الأوسع في الاعتبار.
تحالفات وشراكات
ازدهرت تجارة الكبتاغون في الشرق الأوسط، في السنوات الخمس الأخيرة، حيث تحول الأفراد والجماعات المتحالفة بشكل وثيق مع النظام السوري وشركائه الأمنيين – “حزب الله” والجماعات المسلحة المدعومة من إيران – إلى هذه التجارة بحثاً عن مصادر دخل بديلة، تحت ضغط العقوبات الاقتصادية المفروضة.
وقد تزايدت الأدلة على تورط مسؤولي “الفرقة الرابعة” في الحرس الجمهوري السوري التي يقودها اللواء ماهر شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، الذين يشرفون على إنتاج الكبتاغون وتسهيل إنتاجه من المشغل الصغير إلى الصناعي الكبير، عبر مناطق سيطرة النظام في اللاذقية وحمص وحلب ودمشق وعلى طول الحدود السورية -الأردنية.
كما أن الموانئ البحرية الحكومية، التي لا يسيطر عليها، ولا يستطيع الوصول اليها، إلا النظام السوري حصرا، مثل ميناء اللاذقية، كثيراً ما استخدمت لإرسال بعض أكبر شحنات الكبتاغون إلى مواقع العبور مثل بيرايوس وساليرنو وكونستانتا، وموانئ أخرى على امتداد البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر.
في العام الماضي أيضا، كانت هناك أكوام من الأدلة على أن الميليشيات الموالية للنظام، وحتى عناصر في مديرية المخابرات العسكرية السورية، قاموا بإنشاء مختبرات صغيرة على طول الحدود الجنوبية السورية، لعبت دورا أساسيا في دعم عمليات التهريب عبر الأردن والعراق.
بالإضافة إلى ذلك، فإن بعض أقرب شركاء النظام السوري على الأرض، “حزب الله” والميليشيات المتحالفة مع “الحرس الثوري الإيراني”، قامت بعمليات تهريب وإنتاج موازية على نطاق صغير في سهل البقاع اللبناني، ودعمت جهود التهريب الخاصة بـ “الفرقة الرابعة” في الجنوب، إما بتسليح المهربين أو بتسهيل الشحنات عبر الطرق، أو توفير الوصول إلى موانئ مختلفة خارج سوريا.
جرس الانذار
في السنوات القليلة الماضية، نمت تجارة الكبتاغون بشكل كبير، سواء من حيث حجمها أو قيمتها أو نطاقها الجغرافي. وفيما اقتصرت سابقا، وإلى حد كبير، على مواقع الإنتاج في بلاد الشام وأسواق مستهدفة في الخليج العربي، شقت هذه التجارة لنفسها مواقع عبور جديدة، إذ يسعى المهربون إلى تحديد طرق جديدة ومبتكرة، للوصول إلى الأسواق الاستهلاكية في الخليج.
وقد قرع كل من الأردن والعراق ولبنان وتركيا جرس الإنذار، إثر ازدياد تواتر المضبوطات من الكبتاغون، فضلاً عن توفر الأدلة على ارتفاع استهلاكه في أوساط المجتمعات المحلية. كما بدأ تنوع حبوب الكبتاغون وسعرها في التباين بشكل كبير، إذ دخلت متغيرات جديدة – عادةً ما يُشار إليها باللون واسم الشارع – ذات فاعلية، وأسعار تتباين بحسب فاعلية الأمفيتامين داخل الحبوب.
مع ذلك، واصلت هذه التجارة “انفجارها” من حيث القيمة، إذ تتوفر حبوب ذات جودة أقل، بالقرب من مواقع الإنتاج سعرها بضعة دولارات، في مقابل حبوب أعلى جودة، وأقرب إلى أسواق الاستهلاك الأكثر ثراء في الخليج العربي، وتركيز الأمفيتامين فيها أعلى، بسعر يصل إلى 15 دولارا أميركيا للحبة الواحدة.
خبث وربح
هؤلاء المتورطون الخبيثون، باستخدامهم الكبتاغون لا كمصدر دخل فحسب، إنما كوسيلة مربحة ومجزية لتقويض آثار عقوبات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، جذبت اهتماما متزايدا في واشنطن وشركائها في السنوات الماضية، فارتفعت الدعوات إلى ضرورة تغيير استراتيجيتها في شأن سوريا لتشمل بُعدا قويا مضادا للكبتاغون.
وظلت تجارة الكبتاغون تتدفق تحت أعين الولايات المتحدة وشركائها لسنوات، في غياب أي عملية قوية مشتركة بين الوكالات لمراقبة هذه التجارة، وتنفيذ سياسات فعالة للحد من نفوذها في المنطقة.
إلا أن الأعمال الاستقصائية الأخيرة، والتقييمات التحليلية والأدلة المتزايدة على التشابك القوي بين تجارة الكبتاغون والجهات الفاعلة الخبيثة الحكومية وغير الحكومية في المنطقة، إضافة إلى القلق من الآثار السلبية لهذه التجارة على الصحة العامة والأمن البشري، قد أجبرت الولايات المتحدة وشركاءها على أخذ زمام المبادرة أخيرا.
مع ذلك، فقد حث الدافع الجيوسياسي الرئيسي أيضا كلاً من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على المضي قدما في استراتيجية قوية لمكافحة تجارة الكبتاغون في الأسابيع الأخيرة.
في السنوات الثلاث الماضية، ثمة تحقيقات وتقارير مختلفة صادرة عن مراكز الأبحاث، قدرت أن قيمة التجارة – التي تمثل إلى حد كبير ما تم الاستيلاء عليه بواسطة قوات إنفاذ القانون – قد ازدادت من 3.47 مليار دولار في عام 2020، و 5.7 مليار دولار في عام 2021، إلى 10 مليارات دولار في عام 2022.
في حين أن شبكة تجارة الكبتاغون غير المشروعة منتشرة على نطاق واسع، مع تورط العديد من الوسطاء والمهربين والتجار والمصنعين وغيرهم من الجهات الفاعلة في جميع أنحاء المنطقة، فإن القيمة المقدرة لهذه التجارة تفوق بأضعاف عدة، قيمة الصادرات السورية المشروعة.
هذا المصدر الضخم للدخل، الذي يتلقاه منتجو هذه الحبوب، على المستوى الصناعي في سوريا، إلى جانب الأدلة المتزايدة على انخراط جهات فاعلة متحالفة مع النظام في هذه التجارة، أثار مخاوف الحكومات الغربية.
وشرّع الزلزال المدمر الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا والكارثة الإنسانية الناتجة عنه، الباب أمام جهود التطبيع بين النظام السوري والعديد من جيرانه الإقليميين والدول العربية. وبينما كان الرئيس السوري بشار الأسد يجول في العواصم الإقليمية ويجري مكالمات هاتفية مع القادة ويستفيد من تجارة الكبتاغون كأحد أهم بنود جدول الأعمال في مناقشات التطبيع، كانت الولايات المتحدة وشركاؤها يراقبون ذلك بقلق، ويسعون إلى قلب موجة التقارب التي يعتبرونها سابقة لأوانها وغير حكيمة.
لذلك جهدت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في تسليط الضوء على تحدي الكبتاغون مع الشركاء الإقليميين الذين يمضون قدما في محاولات التطبيع. وعرضت الحكومتان أدلة على التشارك غير المشروع بين النظام والجهات الفاعلة المتحالفة مع إيران.
ولا ريب إذن، في أن العقوبات الأخيرة المعلنة هي تحذير من واشنطن ولندن من أنهما لا تفكران في تغيير سياستهما في عزل نظام الأسد ، ناهيك بإلغاء أي إجراءات عقابية على المسؤولين السوريين وحلفائهم. ويسعى كلا البلدين إلى استخدام هذه العقوبات كرسالة إلى الشركاء الإقليميين بأنهم لن يقبلوا التطبيع مع سوريا وأنهم ملتزمون بفرض العزلة الاقتصادية والسياسية المستمرة على نظام الأسد.
عبر الأطلسي
قرار العقوبات المشترك بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، يمثل لحظة جديدة في الجهود المشتركة عبر طرفي الأطلسي في شأن تجارة الكبتاغون، ويشير إلى أن البلدين ينظران إلى تجارة الكبتاغون باعتبارها تهديدا رئيسا للاستقرار الإقليمي والأمن البشري والصحة والمصالح الجيوسياسية المشتركة في الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا.
من جهة أخرى، فإن إدراج لبنانيين وسوريين في قائمة عقوبات كل دولة يشير إلى أن كلا الحكومتين لا تنظران إلى تجارة الكبتاغون على أنها تحدٍ خاص بسوريا، بل هي اقتصاد غير شرعي عابر للحدود، ويستحق لذلك قدرا أكبر من التنسيق والاهتمام بين الوكالات.
ومن المحتمل أن تكون هذه هي المبادرة الأولى بين سلسلة من المبادرات التي تقودها الولايات المتحدة لزيادة المراقبة والمساءلة والإجراءات السياسية ضد الدوافع الرئيسية وراء تجارة الكبتاغون المرتبطة بالنظام السوري ووكلائه المتحالفين مع إيران، بينما تحاول الولايات المتحدة ردع جموح التطبيع الإقليمي وتسليط الضوء على سبل جديدة للقيادة والمشاركة في المنطقة.
ومن المتوقع أوائل الصيف المقبل أن تكشف وزارة الخارجية الأميركية عن استراتيجيتها المشتركة بين الوكالات وتبين التقدم المحرز في مواجهة تجارة الكبتاغون وتظهر صلة هذه التجارة بنظام الأسد وتوضّح كيف ستسهل هذه المنصة التنسيق المتعدد الأطراف مع الشركاء في تقييد التجارة غير الشرعية.
ومن المحتمل فوق ذاك أن يتبنى العديد من الشركاء الغربيين، مثل المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، استراتيجيات مماثلة لمكافحة الكبتاغون من شأنها تمكين قدر أكبر من تبادل المعلومات الاستخبارية ووضع عقوبات مشتركة وزيادة قدرة الحظر والاتفاق على استراتيجيات لخفض الطلب ودفع الحوار حول النمو المتزايد لتجارة الكبتاغون.
ولا يزال من غير الواضح مدى تأثير هذه العقوبات المشتركة المفروضة على الأطراف والجهات الفاعلة في تجارة الكبتاغون، لكن العديد من هؤلاء الأفراد لن يتأثروا إلى حد كبير بحظر السفر المفروض وتجميد الأصول، وسيستمرون في البحث عن سبل جديدة لتوسيع التجارة وزيادة الأرباح.
ومع ذلك، فإن هذه العقوبات مؤشّر كبير إلى المساءلة بالنسبة إلى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، اللتين لا تريدان فقط مراقبة الكبتاغون باعتباره خطرا غير مشروع في المنطقة، ولكن أيضا لتحذير الشركاء في المنطقة من التطبيع مع نظام الأسد.
---------
مجلة المجلة