نصوص الحَنِينْ.. أو حنينُ الحجاج، هو أحد ألوان فنون الغناء الشعبي المصري، وهو لون غنائي يرتبط بموسم الحج، وسفر الحجاج إلى المملكة العربية السعودية، لزيارة مكة المكرمة والمدينة المنورة، وقضاء فريضة الحج
محمل الحج المصري في صورة تاريخية من زمن الاسود والابيض
وقد اهتم الباحث والشاعر المصري المبدع "درويش الأسيوطي"، بذلك اللون من الغناء في مصر، ونجح في لفت الأنظار إليه وتوثيق الكثير من نصوصه الشعبية في كتابه "أفراح الصعيد الشعبية: حنينُ الحجاج.. نصوص من حنين الحج والزيارة وطقوسه في قرية مصرية"، وهو الكتاب الصادر عن الهيئة المصرية للكتاب، والذي سبقه كتاب آخر رصد فيه الشاعر والباحث درويش الأسيوطي، نصوص وطقوس احتفاليات الزواج والحمل والولادة والختّان في صعيد مصر. ونعود إلى موضوع حديثنا هنا، وهو نصوص الحَنِينْ.. أو حنينُ الحجاج، وهي – كما أشرنا – لون من ألوان الغناء الشعبي التي تُغنّى بمناسبة ذهاب الحجاج لآداء فريضة الحج. ووفقًا لفصول كتاب الشاعر والباحث المصري، درويش الأسيوطي، فإن "أغنيات الحنين" تتميز بمجموعة من الخصائص الفنية التي تتشارك فيها مع الأغنيات الشعبية الأخرى. ومن تلك الخصائص التي أوردها لنا "الأسيوطي في كتابه: بساطة تركيب البنية الشعرية للأغنية، وثبات البنية الإيقاعية لها، وحركية الأغنية ومرونتها، والتكرار اللفظي وجماعية الآداء، وبالطبع فإن تلك الأغنيات وككل الأغنيات الشعبية، مجهولة المؤلف، إذ تتشارك الجماعة الشعبية في تطويرها وتداولها. وتبدأ ليالي التحنين – أغنيات الحنين – احتفالًا بالحج قبيل السفر بعدة أسابيع، حيث تجتمع النساء ليلًا بعد أن يفرغن من آداء أعمالهنّ للاحتفال بقرب سفر الحاجة، أو الحاج، إلى الأراضي الحجازية، ويمكن للنساء القيام بالغناء الجماعي، لكن ذلك لا يمنع من أن تترنم كل امرأة ببعض أغنيات الحنين منفردة. وكما يروي لنا الشاعر والباحث درويش الأسيوطي، فإنه عادة ما يبدأ الغناء بقصائد مديح النبي صلّى الله عليه وسلم، وإظهار الشوق للزيارة، حيث تقول الأغنية: "ما في الخشم عجوة.. يا مديح اننبي.. ما في الخشم عجوة.. ما في الخشم عجوة.. ون حلفوني بالزين.. غير الزين ما بهوى". والخشم هو الفم، والعجوة عجينة من التمر. والمقطوعة الثانية من نفس القصيدة، تظهر لنا خاصية التكرار التي هي من خصائص الأغنية الشعبية، والتي لا تضيف للمضمون كثيرا - بحسب مؤلف كتاب "أفراح الصعيد الشعبية: حنينُ الحُجّاج.. نصوص من حنين الحج والزيارة وطقوسه في قرية مصرية" – حيث استبدلت المغنية لفظة "السكر" بدلا من "العجوة"، وغيّرت ما لزم، فهي تقول ان طعم مدح الرسول – صلى الله عليه وسلم – في فمها حلو حلاوة السكر، وهي لن تستبدل بذكر النبي ذكرا. وفي نص غنائي آخر نقرأ: "يا محلاك يا قولو.. يا مديح النبي.. يا محلاك ياقولو.. يا محلاك ياقولو.. كيف طبيخ اللبن.. وآدي السمن فوقو". وهنا تعطي المغنية مثلا للتدليل على حلاوة المديح في النبي - عليه الصلاة والسلام - بمثل تعرفه كل نساء القرى، فليس أطعم من طبيخ يطبخ باللبن والسمن البلد، حتى يبدو السمن من كثرته عائما فوق الطبيخ، وهذا لدى أهل القرية الذ ما يمكن أن طعم. ونقرأ: "ما حِلوهْ وزينهْ.. يا صلاة النّبي.. ما حِلوهْ وزينهْ.. ما حِلوهْ وزينهْ.. دى الصلا ع النّبي.. دَوا للحزينهْ". "ما حلوهْ وهنيّهْ.. يا صلاة النّبي.. ما حلوه وهنيّهْ.. ما حلوه وهنيّهْ.. دي الصلا على النّبي.. بِتزيحْ الأزيّهْ". "تِعطّرْ هدومي.. يا صلاة النّبي.. تعطّرْ هدومي.. تعطّرْ هدومي.. دي الصلا ع النّبي تزيل الهمومي". تقول المغنية: كم هي جميلة وطيبة الصلاة على النبي، فهي تعالج مرض الحزن الذي قد يصيب القلب (فالمرأة الحزينة لا دواء لها إلا بالصلاة على النبي) والصلاة على النبي لا تعالج حزن القلب فقط، بل إنها تبعد كل الذي يمكن أن يقترب من أذى مِنْ مَنْ تُصلي على النبي، فالصلاة والسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تعطر القم فقط بل هي تُعطر القلب واللسان، بل والملابس أيضا، وهی فوق ذلك تزیل هموم من يُصلّي على النبي. وهذا نص آخر من نصوص الحنين والتحنين: "تَعا يا وليّهْ.. ما شيّع النّبي.. تعا يا وليّهْ.. تعا يا وليّه.. وان اتاكي الضيم.. عليكي وعليّهْ". و"تعا" أي أقبلي، و"الوليّهْ" المرأة، و"شيّع" أرسل، و"ون أتاكي" وإن اصابك، و"الضيم" المشقة والظلم. وفي هذا النص تقول المرأة أن النبي صلى الله عليه وسلم، أرسل إليها من يأمرها بالذهاب إليه – فقد دعاها النبي – ويُكمئن الرسول المرأة المدعوة ويطلب منها ألا تخاف، فإن أصابها ظلم فعليها وعلى النبي، تشكو إليه وهو عليه – صلى الله عليه وسلم – أن يرد عنها الظلم ويرفع عنها المشقة. ونقرأ أيضا من أغاني الحجاج في صعيد مصر قولهم: "يا قاعين سويّه.. يا قاعدين سويّه.. ما تصلّوا عليه.. يا قاعدين سويّه.. يا قعدين سويّه.. الصلا والسّلام.. عليك يا نبيه". "يا قاعدين كَسَاله.. ما تصلو عليه.. يا قاعين كَسَاله.. يا قاعدين كَسَاله.. الصلا والسّلام.. من الله تعاله". "يا قاعدين جماعه.. ما تصلو عليه.. يا قاعدين جماعه.. يا قعدين جماعه.. الصلا والسلام.. يا صاحب الشّفاعه". ويقول الشاعر والباحث درويش الأسيوطي، أن هذه القصيدة تعطينا مثالا لبساطة اللغة التي تستخدمها النساء في صوغ تلك الأغنيات، فعظم الكلمات قريبة التناول بل هي قريبة من اللغة الفصحى، وربما يرجع ذلك إلى أن المنطقة التي نشأت وتعيش فـيـهـا الراوية التي اعتمد عليها في جمع تلك الأغنيات، من المناطق المعمرة بالقبائل العربية وهي منطقة البداري التابعة لمحافظة أسيوط في صعيد مصر. وفي مديح النبي – عليه الصلاة والسلام – بصفاته الجسدية نقرأ: "يا أبو الشعر خيلي.. يانبي يو نبي.. يا أبو الشعر خيلي.. من شوقنا للنبي. ما فوتنا الخليلي". والشعر خيلي، أي شعر طويل كشعر الخيل، وفُتْنَا، أي تركنا، والخليلي، أي الخليل: الزوج أو الصاحب. "يا أبو الشعر سايح. يا نبي يو نبي.. يا أبو الشعر سايح.. يا ابو الشعر سايح.. من شوقنا للنبي.. هجرنا المطارح". وسايح بمعني مسترسل في نعومة كما يسيل السمن، والمطارح، جمع مطرح، أي المكان ويقصد به البلد. "يا أبو الشعر سايل.. يا نبي يو نبي.. يا ابو الشعر سايل.. يا ابو الشعر سايل.. من شوقنا للنبي.. سكنّا الجبايل". وسايل، أي سائل، والجبايل، جمع جبل، وهو جمع نادر. وهكذا فقد تعودت الجماعة الشعبية أن تمتدح النبي – عليه الصلاة والسلام - بصفاته الجسدية، فهي لا تعشق فيه فقط المعاني والقيم التي حملها، بل هي تعشقه عشقا حسيا.. فهي معجبة بسمات جمالية تخلعها على الرسول كما تتصوره كرجل وكإنسان.. فهـو أحـمـر الخدين (بوردتين على الخدين) أكحل العينين (كحيل العينين) أسود الشعر، شعره يسيل وينساب بل يسيح كما يسيح الزبد. وتخاطب الأغنية النبي – عليه الصلاة والسلام - بهذه الصفات التي تشكل النموذج الجمالي للجماعة الشعبية للرجل الجميل، وأن العاشقة للنبي ضحت بكل شيء وتحملت كل شيء من أجل رؤية من تحب، أو زيارته.. فـقـد تخلت عن الأخـلاء والأصـحـاب والأهـل والزوج وهـجـرت الوطن والأماكن التي تربت بها، وسكنت الجبال.. كل هذا نتيجة عشقها للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، واللافت للانتباه أن هذا هو الموضع الوحيد تقريبا الذي تصرح فيه الجماعة الشعبية للمرأة بالتعبير عن العشق بلا مواربة، وتصريحا لا تلميحا كما اعتادت. هذا ويغوص بنا الباحث والشاعر المصري، درويش الأسيوطي، الذي عُرف بمشروعه البحثي لجمع وتوثيق الكثير من صور الغناء والفنون الشعبية المصرية، يغوص بنا في فن نصوص الحَنِينْ.. أو حنينُ الحُجّاجْ، جامعا وموثقا لذلك الموروث الشعبي الثري، مستعرضا الكثير من الموضوعات التي تناولتها نصوص وأغاني ذلك الفن، مثل: ليالي التحنين، والتجهيز، وجمال النبي – عليه الصلاة والسلام – وكسوة الحجاج، وموكب المسامحة، وإعداد الزوادة، ووصية الليلة اليتيمة، وموكب الوداع، وطريق السلامة، وطريق النبي، وعلى باب النبي، وقضاء المناسك، وهي موضوعات غنائية تبدأ من بداية استعداد الحجاج للسفر للأراضي الحجازية، وحتى العودة بسلم بعد آدائهم لمناسك الحج. وما كُنّا محيطين ولكن نضرب الأمثلة. ------ الوفد