تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

من يضلل من؟ في قضية الذكاء الإصطناعي

12/06/2026 - رزان نعيم المغربي

"الترند" والمشكلة.. وماذا بعد؟

04/06/2026 - مضر رياض الدبس

كتيبة الليث حجو تقطع الحبل السري للثورة

04/06/2026 - د.عبد القادر المنلا


«سقوط الأبدية».. تفكيك خمسين عاماً من سوسيولوجيا السلطة والاستبداد




حين تبلغ السلطة ذروة انغلاقها وتفقد قدرتها على الاستمرار أمام تحوّلات الداخل والخارج، تصبح مساءلة الاستبداد من داخل تجربته الأشد قسوة ضرورة معرفية وفكرية، من هذا المنطلق، يأتي كتاب “سقوط الأبدية: كيف سقط نظام الأسد؟” للباحث فراس علاوي، الصادر حديثاً عن دار “نرد للنشر والتوزيع” في ألمانيا


 .
في هذا الحوار يتحدث العلاوي لـ “الثورة السورية” عن الفجوة المعرفية التي دفعت بكتابه إلى الضوء، وعن كيفية توفيقه بين شهادته الحيّة كصحفي عاصر العديد من هذه التقلبات وبين الحياد والموضوعية في تفكيك أحداث شديدة الاستقطاب.
  • ما الفكرة المركزية التي دفعتك لكتابة “سقوط الأبدية”؟
انطلقتُ في هذا الكتاب من استشعار فجوة معرفية وسياسية واضحة في التاريخ السوري الحديث، وتحديداً لدى الأجيال الشابة، فهذه الأجيال عاصرت الثورة وما تلاها، لكن وعيها بالمسار التاريخي وكيفية تشكّل سلطة الاستبداد السوري وصعود حافظ الأسد إلى السلطة وتثبيت أركانه ظلّ قاصراً، والكتاب ليس توثيقاً تاريخياً جافاً، بل هو دراسة تحليليّة تبحث في البنية العميقة للنظام السوري، وتجيب عن سؤال مركزي: لماذا استمر هذا النظام طيلة خمسين عاماً؟ وما الاستراتيجيات التي اتبعها لإطالة أمد حكمه؟
  • لماذا اخترت عنوان :”سقوط الأبدية” تحديداً؟ وما الذي ترمز إليه “الأبدية” في سياق الكتاب؟
العنوان يختزل نصف قرن من عمر سوريا، “الأبدية” هنا تجسد تلك الاستراتيجية التي هندسها حافظ الأسد لتوريث الحكم وضمان بقاء سلالته، وهي مستوحاة مباشرة من الشعارات والهتافات التي فرضها النظام في الشارع السوري كشعار “إلى الأبد يا حافظ الأسد”. هذا النظام عاش في وهم الخلود، ومن هنا جاء العنوان، ليوضح أن تهاوي هذا الكيان هو في جوهره سقوط لوهم الأبدية الذي حاول زرعه في الوعي العام.
  • كيف تعاملت مع موضوع شديد الحساسية سياسياً وتاريخياً مثل تاريخ سوريا الحديث؟
الحساسية تنبع دائماً من غياب المعرفة أو تشويهها لذلك، اعتمدتُ على مقاربة تفكيكية تقاطع الآراء والأبحاث والشهادات الحيّة، كوني عاصرتُ تقلبات سياسية عديدة في سوريا، وتحديداً بعد عام 1990، وكنت فاعلاً في بعض محطاتها، منحني ذلك قدرة على الموازنة، حيث تتمازج شهادتي الشخصية كصحفي ومراقب مع القراءات الموثقة، ما يمنح الطرح مصداقية تخفف من حدة تلك الحساسية وتضع الأحداث في سياقها الموضوعي.
  • ما المنهج الذي اعتمدته في تحليل التحولات: تاريخي، سياسي، أم تحليلي مركّب؟
اعتمدتُ منهجاً مركباً يدمج بين المنهج التاريخي لتثبيت الوقائع وإعطائها حجمها الحقيقي، والمنهج التحليلي لتفكيك خلفيات هذه الوقائع، إضافة إلى منهج الاستقراء المنطقي. لقد حرصت على الابتعاد عن “التحليل الرغبوي” الذي يخضع للمواقف الشخصية، والتزمت بالتحليل المنطقي الذي قد يختلف معه بعض الكتاب أو المحللين، لكنه يظل محكوماً برؤية موضوعية مبنية على جملة من المتابعات والملاحظات الميدانية.
  • هل واجهت صعوبة في التوفيق بين السرد التاريخي والتحليل السياسي؟
بالتأكيد، فالصعوبة تكمن في أن السرد التاريخي غالباً ما يتحول إلى قوالب جامدة، أو تكتنفه روايات مغلوطة متضاربة حول الحدث الواحد. وهنا يتدخل التحليل السياسي لكسر هذا الجمود وإبراز الرواية الأقرب إلى الواقع والمنطق؛ فعندما نقرأ مثلاً عن حادثة قتل أو انتحار غامضة لشخصية عامة، لا يكفي السرد الخبري، نحتاج إلى تحليل عميق واستقراء للظروف المحيطة والشهادات لفك اللبس.
  • إلى أي مدى حاولت الحفاظ على الحياد في معالجة أحداث شديدة الاستقطاب؟
الحياد في العمل التحليلي ضرورة لضمان منطقية الطرح، لكن الحياد لا يعني أبداً نفي الجريمة أو تبريرها، يعني النظر بموضوعية وتجريد الأحداث من الدعاية و”البروباغندا”، والحياد يقتضي قراءة الواقعة في زمانها ومكانها وسياقها الدقيق والتسمية الدقيقة للأشياء، فالجريمة جريمة والانقلاب انقلاب. من هذا المنطلق الحيادي، ناقشتُ في الكتاب كيف تم تصوير أحداث 8 آذار 1963 أو ما عُرف بـ “الحركة التصحيحية” كـ “ثورات”، بينما هي في حقيقة الأمر انقلابات عسكرية.
  • هل تعتقد أن بعض القراءات في الكتاب قد تُعتبر مثيرة للجدل أو قابلة للاعتراض؟
بكل تأكيد، وهذا هو الهدف الأساسي من تأليف الكتاب، لإن قيمة أي منتج فكري تتضاعف كلما أثار النقاش والاختلاف وفتح الباب للبحث، تقديم المعلومة الجاهزة دون إثارة الأسئلة يجعلها ناقصة وبلا قيمة فعلية، والكتابة في جوهرها هي محاولة لفك الغموض وتحفيز القارئ على التفكير والتقصي وراء ما يقرأ.
  • ما المصادر التي اعتمدت عليها لضمان دقة السرد؟
تنّوعت المصادر بشكل واسع لضمان التقاطع المعرفي؛ حيث اعتمدتُ على أكثر من عشرين كتاباً مرجعياً في الشأن السوري، وأبحاثاً ومجلات وصحفاً قديمة وحديثة، باللغتين العربية والأجنبية. كما استندتُ إلى الأرشيف البصري من مقابلات تلفزيونية وأفلام وثائقية، فضلاً عن جمع شهادات حية من أشخاص عاصروا تلك المحطات، مضافاً إليها مشاهداتي وانطباعاتي الشخصية التي دونتها من واقع عملي ومتابعتي الميدانية.
  • ما الرسالة الأساسية التي تريد إيصالها للقارئ من هذا الكتاب؟
الرسالة الأساسية موجهة للقارئ وللسياسيين على حدّ سواء: “لا توجد دولة استبداد تدوم إلى الأبد”، والتاريخ يخبرنا بأن الأنظمة القمعية تسقط حتماً، وقد استعرضتُ في الكتاب شواهد تاريخية عدة من هتلر وموسوليني وستالين، وصولاً إلى تشاوشيسكو في رومانيا -الذي تشبه سلوكياته وتجربته إلى حدّ بعيد نظام آل الأسد ونهايته- مرواً بمصائر مستبدي الربيع العربي.
الرسالة هي أن الدولة يجب أن تقوم على عقد اجتماعي حقيقي بين الشعب والسلطة، وأي ممارسة قمعية ستؤدي حتماً إلى صدام مدمر، ومن جهة أخرى، أردت فتح نقاش جاد حول آليات “تدجين” المجتمع السوري التي سمحت للنظام المخلوع بالبقاء طويلاً، وكيف استغل السوريون اللحظة التاريخية للربيع العربي لكسر هذا الطوق.
  • كيف تريد أن يُقرأ “سقوط الأبدية”: ككتاب تاريخي أم كتحليل سياسي أم كشهادة مرحلة؟
أريد له أن يُقرأ كتحليل سياسي وشهادة حيّة على مرحلة تاريخية فارقة، فالكتب التي توثق التاريخ السوري سردياً كثيرة ومتوفرة، لكن ما يفتقر إليه المكتبة العربية هو تقديم “معنى” ما حدث وتفكيك بنيته، والكتاب يمزج بين دوري كشاهد عيان على تفاصيل هذه الحقبة، ودوري كمحلل يستقرئ مآلات الاستبداد.
  • هل هناك جزء في الكتاب تعتبره الأكثر أهمية أو الأقرب إليك شخصياً؟
استغرق إنجاز الكتاب نحو عشرة أشهر، حظيت خلالها جميع الفصول بعناية بالغة، الجهد الأكبر والأكثر إرهاقاً بذلتُه في الفصول التي فككتُ فيها آليات سيطرة النظام على المجتمع السوري، مستعيناً بأدوات علم الاجتماع السياسي. أما الجزء الأقرب إلى قلبي وشخصي، فهو الفصل الذي يتناول اللحظة التاريخية التي عشناها جميعاً وتطلعنا إليها، لحظة السعي الجمعي لإسقاط نظام الاستبداد.

دينا أيوب - الثورة
الاربعاء 17 يونيو 2026