
تنتمي رواية "ختم خزعل" إلى تقليد روائي نادر في الأدب العربي، هو تقليد الروايات التي تكتب عن المجتمعات الحدودية. فالأحواز ليست مركزاً سياسياً في الوعي العربي الحديث، إنها منطقة تقع عند تقاطع الإمبراطوريات واللغات والمصالح الاقتصادية. ولذلك تأتي الشخصيات وهي تعيش دائماً تحت ضغط الحدود، حتى عندما لا تُذكر الحدود صراحة. لهذا تكشف الرواية أن المناطق الطرفية كثيراً ما تنتج سرديات أكثر ثراءً من المراكز، لأن الإنسان هناك يضطر إلى تعريف نفسه باستمرار في مواجهة قوى أكبر منه.
الماضي الحي
من أبرز ما يلفت في رواية "ختم خزعل" أنها لا تستعير الماضي بوصفه ديكوراً زمنياً. فكثير من الروايات التاريخية تكتفي بتغيير الملابس والأسماء واللغة لتوهم القارئ بأنها أعادت بناء الماضي، أما هنا فإن الماضي يفرض منطقه على العلاقات الاجتماعية، وعلى إيقاع اتخاذ القرار، وعلى طبيعة السلطة داخل الأسرة والقبيلة. ولهذا يشعر القارئ أنه دخل بالفعل إلى زمن آخر، لا إلى مسرح يرتدي أزياء قديمة.
الرواية تدرك بوضوح أن التاريخ لا يتحرك بالمنعطفات الكبرى وحدها، إنه يسير أيضاً بالتراكم البطيء. فالتحولات المصيرية لا تأتي دائماً على هيئة لحظة انفجار، وإنما تبدأ غالباً بتغيرات صغيرة لا يلتفت إليها أحد إلا بعد سنوات. هذا الوعي بالتاريخ البطيء يمنح النص عمقاً؛ لأن القارئ يكتشف أن الكارثة لم تبدأ يوم الاحتلال، لقد بدأت قبل ذلك حين أخذت موازين القوة تتغير في الإقليم من دون أن يملك المجتمع المحلي القدرة على تغيير مسارها.
***
ثمة معرفة دقيقة بطبيعة المجتمع العربي في الأحواز تظهر في تفاصيل السلطة الاجتماعية أكثر مما تظهر في الأحداث السياسية. فالوجاهة، والوساطة، والقرابة، والمكانة القبلية، ليست عناصر تراثية تُذكر لإضفاء نكهة محلية، وإنما هي منظومة كاملة تحدد خيارات الأفراد وحدود حركتهم. وهذا الإدراك يجنّب رواية "ختم خزعل" إسقاط مفاهيم الدولة الحديثة على مجتمع كانت تحكمه توازنات مختلفة تماماً، سواء من خلال علاقة عائلة عزيز بالمجتمع أو بين أجيالها المتتالية، وكذلك علاقتها بمجلس الشيخ خزعل حاكم المحمرة حينها.
الشخصيات بين التعاطف والحكم الأخلاقي
تبتعد الكاتبة عن إغراء إصدار الأحكام الأخلاقية على شخصياتها. فلا أحد يُقدَّم بوصفه تجسيداً مطلقاً للخير أو الشر، يلاحظ المتلقي أن لكل شخصية منطقها الداخلي الذي يمكن فهمه أو تفهُّمَهُ حتى عندما لا يمكن تبريره. وهذه المسافة الأخلاقية بين المؤلفة وشخصياتها تمنح النص نضجاً، لأن الرواية لا تتحول إلى منصة للمرافعة، إنها تبقى على امتداد فصولها فضاءً لفهم إنسان عربستان وجغرافيتها ومدنها بآمالها وآلامها والتغيُّرات التي طرأت عليها.
أيضاً من الجوانب التي يمكن التوقف عندها في رواية "ختم خزعل" أنها تُعيد الاعتبار إلى مفهوم الاستمرارية التاريخية. فهي لا تنظر إلى سقوط الإمارة في عربستان باعتباره لحظة تقطع التاريخ إلى نصفين منفصلين، وإنما تكشف كيف بقيت آثار ذلك الحدث تتناسل داخل الأجيال اللاحقة لا سيّما في عائلة عزيز. وبهذا المعنى يصبح الماضي بنية فاعلة داخل الحاضر، لا مرحلة منتهية يمكن وضعها بين دفتي كتاب. وفي هذا المقام تُحسن الرواية إدارة العلاقة بين الفرد والجماعة. فالشخصيات لا تذوب داخل المجموع، كما أنها لا تتحول إلى أفراد معزولين عن بيئتهم. إنها تتحرك داخل شبكة من الالتزامات والروابط تجعل كل قرار شخصي يحمل نتائج جماعية. وهذه البنية الاجتماعية تمنح السرد كثافة، لأن مصير الفرد لا يعود ملكه وحده.
الرواية الصادرة عن دار العين المصرية تتميَّزُ بحس واضح في ضبط المسافة بين المعرفة والسرد. فالمؤلفة من الواضح أنها تمتلك مادة تاريخية واسعة، لكنها لا تُغرق النص في الاستعراض المعرفي. إذ تترك المعلومات تتسلل عبر الحكاية، فلا يشعر القارئ أنه يقرأ كتاباً في التاريخ مُقَنَّعاً بثوب الرواية. وهذه واحدة من أصعب المهارات في الكتابة التاريخية؛ أن يعرف الكاتب أكثر مما يقول.
لا بد هنا من الإشارة أن رواية "ختم خزعل" ورغم موضوعها لا تقوم على استحضار الماضي بدافع الحنين وحده، تستحضره بدافع الفهم. فهي لا تدعو إلى العودة إلى زمن مثالي مفقود، وإنما تحاول تفسير كيف وصلت الأحداث إلى ما وصلت إليه. وهذا الفارق يجعل النص أقرب إلى التأمل التاريخي منه إلى النوستالجيا، لأن الحنين وحده لا ينتج معرفة، بينما الفهم يفتح الباب لإعادة قراءة الماضي بعيون أكثر اتزاناً.
إن قراءة وتفكيك رواية "ختم خزعل" تؤكد أن الأدب يستطيع أحياناً أن يؤدي وظيفة يعجز عنها الخطاب السياسي. فالسياسة تبحث غالباً عن الإقناع، بينما يبحث الأدب عن الفهم
في الحديث عن البناء الروائي فإنَّ "ختم خزعل" تكشف عن حس معماري تمتلكه هدى النعيمي في تنظيم المادة الحكائية. رغم اتساع عدد الشخصيات وتشعب الأزمنة، لا نرى تحولاً في النص إلى فسيفساء مفككة، يظلُّ محافظاً عبر خيط داخلي مشدود يصل بين الأجزاء المختلفة. وهذا التماسك لا ينتج من التسلسل الزمني، وإنما من وحدة الرؤية التي تحكم العمل كله، وهي رؤية تجعل كل قصة جزئية تضيف طبقة جديدة إلى البناء الكلي. وتفتح في ذات الوقت مساراً سردياً جديداً يضيف إلى ما كان قبله.
"ختم خزعل" تنتمي إلى الروايات التي تمنح القارئ دوراً تأويلياً واضحاً. فهي لا تفسر كل شيء، ولا تغلق جميع الفراغات السردية، وإنما تترك مساحات يشارك القارئ في ملئها اعتماداً على خبرته التاريخية والإنسانية. وهذه الثقة في ذكاء المتلقي ترفع من القيمة الجمالية للنص، لأن الرواية تصبح عملاً يُعاد إنتاجه مع كل قراءة. بخاصة أن الفصل الأخير ظلَّ مفتوحاً دون كتابة بعد عبارة "خرجنا ولم نعرف إن كنَّا سنعود".
الأحواز في قلب التحولات
يمكن قراءة الرواية أيضاً باعتبارها نصاً عن تبدل موازين القوة في الخليج العربي خلال العقود الأولى من القرن العشرين. فهي لا تتوقف عند الحدث المحلي، بل تلمِّح إلى التحولات الدولية التي جعلت الكيانات الصغيرة أكثر هشاشة أمام صعود الدولة المركزية الحديثة. ومن هذه الزاوية، تبدو الأحواز جزءاً من قصة إقليمية أوسع، لا قضية معزولة عن سياقها.
وهذا ما يقودني للحديث عن أحد الجوانب التي تمنح الرواية بعداً يتجاوز الحكاية المحلية. فهي تذكر القارئ بأن كثيراً من المآسي التاريخية لم تكن نتيجة اختلافات ثقافية أو دينية فحسب، لقد وقعت كثمرة مباشرة لقيمة الأرض نفسها. فالأقاليم الغنية بالموارد، أو الواقعة على المعابر الاستراتيجية، كثيراً ما تصبح ضحية أهميتها قبل أن تكون ضحية ضعفها. وبهذا المعنى، لا تبدو الأحواز في ختم خزعل مجرد وطن مفقود، إنها مثال تاريخي واضح على الكيفية التي يمكن أن تتحول فيها الجغرافيا من نعمة إلى عبء، حين تصبح الأرض محط أطماع تتجاوز قدرة أهلها على الدفاع عنها. وهذا جانب تتميز به الرواية إذ تجعل القارئ يخرج بانطباع أن الجغرافيا ليست خلفية صامتة للأحداث، وإنما إحدى الشخصيات غير المرئية في الرواية. فهي لا تتكلم، لكنها تدفع الأحداث إلى الأمام، وتفسر كثيراً من التحولات، وتمنح المأساة جذورها العميقة. وبذلك يقترب النص من أحد إنجازات الأدب التاريخي، حين يُظهر أن فهم الإنسان لا يكتمل من دون فهم الأرض التي أنجبته، وأن قراءة المصير الفردي تظل ناقصة إذا عُزلت عن الجغرافيا التي صنعت شروط ذلك المصير.
إن قراءة وتفكيك رواية "ختم خزعل" تؤكد أن الأدب يستطيع أحياناً أن يؤدي وظيفة يعجز عنها الخطاب السياسي. فالسياسة تبحث غالباً عن الإقناع، بينما يبحث الأدب عن الفهم. والسياسة تصوغ المواقف، أما الرواية فتصوغ الخبرة الإنسانية. ولهذا تبدو "ختم خزعل" أكثر قدرة على تقريب القارئ من التجربة الأحوازية مما يمكن أن تفعله عشرات الخطب أو البيانات، لأنها تجعل التاريخ يُعاش قبل أن يُفهم. ولعل الإنجاز الحقيقي في هذه الرواية أنها تُخرج الأحواز من موقع "الموضوع المنسي" إلى موقع "العالم الروائي المكتمل". فالقيمة الأدبية لأي مكان لا تتحقق بمجرد الكتابة عنه، ولكن بقدرته على إنتاج شخصياته وزمنه وإيقاعه ومنطقه الداخلي. وعندما يبلغ المكان هذه الدرجة من الاكتمال رغم وجوده فقط في الذاكرة والخيال، فإنه يتجاوز حدوده الجغرافية ليصبح قابلاً لأن يقرأه أي إنسان بوصفه تجربة بشرية عامة، لا مجرد قضية تخص مجموعة بشرية معيَّنة.


الصفحات
سياسة









