بعد هذا الايضاح، لا نخشى من ان ننطلق من اي من هذه الأضلاع الثلاثة ما دمنا نتحرك داخل مساحة المثلث باضلاعه الثلاثة، فالنظام السياسي جزء من خصائص المجتمع والعامل الاقتصادي مؤثر في كلا العاملين السياسي والاجتماعي، وإنطلاقنا من احد هذه الاظلاع لا يعني انها تشكل بداية رسم المثلث بل هي ضرورة يقتضيها منهج الكتابة.
ظروف اجتماعية مهدت لانطلاق حركة التغيير في بنية المجتمع خاصة في صفوف الشباب منه، ولان عددا كبيرا من هذا الشباب يعيش حالة من العطالة من العمل وحالة من مصادرة الأحلام المستقبلية محاصرا بالياس، وهنا يتدخل العامل الاقتصادي في العامل الاجتماعي، فقد اندفع هذا الشباب مطالبا بحقه في الحياة والعمل والمستقبل.
يضاف الى ذلك تمتع هذا الشباب بمعرفة عالية بادوات العصر وفي مقدمتها المعرفة التكنولوجية المتصلة باستخدام الشبكة العنكبوتية ووسائل الاتصال الاجتماعي، مما جعلهم قادرين على تجاوز الرقابة الإعلامية وتخطي وسائل الاعلام الرسمية التي تفرضها وسائل النظام السياسي ( وهنا يتضح عامل التأثير الاجتماعي على العامل السياسي مرة اخرى)، كما يضاف الى ذلك خلو الذاكرة الشبابية الطرية من عوامل الخوف المتراكم من قمع الأنظمة الذي شكل حاجزا سميكا عند جيل الآباء والأجداد دون الثورة على هذه الأنظمة المتسلطة على الرغم مما بذلوه من تضحيات فردية او حزبية ضيقة او محدودة، دون ان تصل الى مراحل الثورة الاجتماعية الشاملة وهذا ما قام به جيل الشباب الذي لم يعرف الخوف ولم يدخل السجون بعد، وظلت تداعبه الأحلام في مستقبل مضيء مع كثير من البراءة فيما يتصل بمعرفته للجانب السياسي من الناحية الميدانية وما يشتبك فيه من صراع بين القوى السياسية المختلفة.
حلم الشباب التونسي بمستقبل جميل لايزال بعيد التحقق امام الاحباطات المتواترة الناتجة عن الاعتصامات وتزايد نسبة البطالة، حيث يؤكد المحلل السياسي زهير مخلوف ان خسارة تونس الاجتماعية كانت كبيرة، بخسارة اليد العاملة التي فقدت أعمالها في المصانع والورش والضيعات الفلاحية، والتجارة الموازية خاصة بالمناطق الحدودية كمدن بنقردان المحاذية لليبيا والقصرين والكاف على الحدود الجزائرية، كذلك غلاء المعيشة وفقدان الفئات الضعيفة والمتوسطة القدرة على مجابهة ومواجهة تبعات الأزمة الاقتصادية .
ويقول مخلوف : "ان عدم توفير مواطن شغل جديدة لخريجي الجامعات والمعاهد المهنية زاد في تفاقم أزمة البطالة، اضافة الى نزول مستوى التنمية الى "خمسة سلبي" زاد أيضاً من أزمة السيولة الذي انعكس على ميزانية الدولة الآنية التي وجدت حالها غير قادرة على دعم المواد الاساسية وتوفيرها، والتجات الى استيرادها الامر الذي اثر على الميزان التجاري كالحليب والزيت ومياه الشرب والخميرة....
فان نصل الى ما يعادل مليون عاطل عن العمل فهذا قد يؤثر تأثيرا بالغا في اختلال التوازن الاجتماعي بين الأسر محدودة الدخل والمتوسطة كذلك".
ويضيف مخلوف : "واذا اعتبرنا ان نسبة الفقر التي تم الاعلان عنها بعد الرابع عشر من يناير تناهز 24,7% مقابل ما كان يعلن عنه نظام بن علي وهو 3% فان نسبة الفقر الحقيقية في صعود مستمر، نظرا الى انسداد افق الشغل وغلاء المعيشة وعدم الرعاية الصحية المجانية الا لفئة صغيرة كانت تدعم مجانيا خلال النظام البائد، بينما نجد النسبة التي تحتاج الى الدعم الاجتماعي والصحي والمؤازرة اكبر مما كان يعلن عنه سابقا.
في مقابل هذا فان ملامح هذه الازمة الاجتماعية قادتنا الى احباط عام نتج عنه بروز ظاهرة تفاقم نسبة الجريمة من سرقات وقتل وحرق وتعطيل صيرورة المرافق العمومية وزرعت حالة من عدم الراحة النفسية لعموم المواطنين".
غير ان الناطق باسم حركة النهضة سابقا ووزير العدل الحالي نور الدين البحيري، صرح إن حركة النهضة وعدت في برنامجها الاقتصادي بإمكانية رفع نسبة النمو ما بين 5% و6% في ظرف سنة واحدة واستيعاب أكثر من 300 ألف عاطل عن العمل، وأن النمو المنشود سيتحقق من خلال الاستثمار في البنى الأساسية وتعزيز دور الاستهلاك الداخلي في دعم ميزانية الدولة ودعم الاستقرار ومنح الامتيازات بما يمكن من استقطاب الاستثمارات الأجنبية.
اما الضلع السياسي فيتجاذب طرفيه كل من النظام السياسي القائم من جهة وقوى المعارضة التي يرهص بها المجتمع المدني، التي يتشابك كثير منها مع القوى الاجتماعية المدنية من حيث تمحي الحدود الفاصلة بين البعد السياسي والبعد الاجتماعي لبعض هذه القوى ومثال ذلك، القوى السياسية ذات الطابع الديني التي تسيس المجتمع من خلال دعوته للدين وتنظيمه للعمل التطوعي والخيري ومساعدته على الظروف الصعبة اوقات الأزمات (وهنا تتداخل الأضلاع الثلاثة للمثلث في وحدة تفاعلية حية يصعب فكها)، ولا شك ان هذا التشابك بين الأضلاع هو ما فاجأ جيل الشباب الذي ضحى بدمه وجهده وحياته لكي يرسم الطريق لمستقبله حين قامت هذه القوى المتشابكة سياسة ودينا واقتصادا ومجتمعا بسرقة ثورته البكر، وتحويل ثمارها لصالحها ومصادرة أحلام جيل الشباب الثوري، وليس من المصادفة بما كان ان يتم ذلك في جميع البلاد العربية التي اشتعلت فيها الثورات والاحتجاجات الشبابية من اقصى الخارطة العربية الى أقصاها اذ كانت جميع الثورات نهبا للحركات الاسلامية المتربصة بها.
فالثورات في جميع أنحاء العالم تتأسس على الجانب الفكري والاجتماعي الذي يحدث قطيعة بين جيل الأبناء وجيل الآباء، مما يدفع ببنية المجتمع الى الامام بالضرورية ويفعل قانون التطور في هذه البنية فلا توجد ثورات ترتد على حركة التاريخ وتشد عقارب الساعة الى الوراء ثم تسمى ثورات.
ان الثورة فعل في التاريخ وفي اتجاه تقدمه لا تخلفه وهذا هو منطق الثورات منذ ان الكلمة في اللغة وكان فعلها المجسد في الواقع على مر الزمان والعصور.
المعارضة بامتياز الأمينة العامة للحزب الديمقراطي التقدمي مية الجريبي ترى ان تونس ربحت الكثير في المجال السياسي ، فمن وجهة نظرها كسياسية متمرسة ترى ان التونسيين ربحوا سماء من الحرية والكرامة، تقول مية الجريبي : "التونسي اصبح حرا ويشعر بمواطنته وصوته، التونسي قطع مع الذل والهوان والاستيلاء على كلمته وارائه وقراره، كما ان تونس كسبت انتخابات حرة ونزيهة قال فيها الشعب كلمته، لكنها في المقابل خسرت شهدائها الأبرار وتقديرا لدمائهم الزكية نحن مطالبون بتحقيق اهداف الثورة.
لا ننسى ان للثورة ثمن، وثمن الثورة التونسية هو هذه الأزمة الاقتصادية العاصفة وهذه الصعوبات الاجتماعية التي لا يجب ان تتنامى وعلى الجميع الإسراع في معالجتها، حتى تتجسد المكاسب التي ذكرتها في مؤسسات دائمة كحرية الصحافة واستقلال القضاء وحكومة تنكب على على إدارة شؤون البلاد " .
تضيف الجريبي : "تونس كسبت معارضة حيوية، شخصيا أتشرف بأنني كنت معارضة لنظام بن علي، والان للمعارضة مجال أوسع فهي ممثلة في المجلس التاسيسي ومتواصلة مع المجتمع المدني تمارس أراءها ودورها الاساسي، ولاحظنا ان هناك تفاعل بين ما يحدث بالمجلس التاسيسي والمجتمع المدني حتى يتم التفطن والتنبيه الضروري للحكومة في صورة حدوث هنات او اخطاء او نواقص فلكل سلطة سلطة مضادة والاثنان متعاضدان لتحقيق اهداف الثورة".
ويبقى الضلع الاقتصادي الذي شكل قاعدة النظرية الماركسية في ثورة اكتوبر 1917 التي انتجت فكرا وأدبا، ونظريات متطورة في مختلف المجالات المعرفية على الرغم من ان جميع ذلك قد صب في صالح طبقة البلوريتاريا لا في صالح اي فئات انتهازية اخرى ، الا في بعض السنوات الاخيرة من تاسيس النظام السياسي كالقبضة الحديدية في عهد ستالين مثلا،
وليس من باب العبث او المصادفة ان تنطلق شرارة الثورة التونسية من المناطق الداخلية المتشحة بالفقر والإهمال وسوء الحال الاقتصادية والبطالة المتفشية بين شبابها، كما ليس من المصادفة امتداد هذه الثورة الى المدن التونسية وفي مقدمتها العاصمة لما ترهص به من عوامل مشتركة مع عوامل قيام هذه الثورة في المناطق المهمشة.
ويمثل العامل الاقتصادي التحدي الاكبر امام الثورة وأما الحكومة الجديدة، وان اختلف البعض حول اهمية العامل الاقتصادي في انطلاق الثورة فان اثنين لن يختلفا على ان الاقتصاد هو التحدي الذي يواجه تونس الجديدة.
لذلك تتطلب الثورة في تونس مثلما تتطلب اي ثورة اخرى كوادر تتسم بالتفكير الجديد والخبرة العصرية والرؤية البعيدة للمستقبل مما يقتضي تكليف فئة من التكنوقراط قادرة على قيادة المجتمع والسياسة والاقتصاد في وحدة واحدة ومثلث متكامل الأضلاع نحو آفاق المستقبل الواعد كما يحلم به الشباب في ثورته.
الخبير في الاقتصاد الاجتماعي الدكتور عبد الجليل البدوي هون من خطورة الوضع الاقتصادي وخسارة تونس في هذا المجال رغم ارتفاع الديون التونسية الى 60% دون احتساب الفوائض
حيث قال : "عندما يقوم الشعب بثورة من الصعب الحديث عن خسارة، فالثورة كلها ربح لانها تفتح آفاقا جديدة وعديدة لتطور المجتمع، وهذا بحد ذاته ربح ومن يرى العكس فهو يرى الخسائر العاجلة.
فالانتقال له كلفته، والكلفة قد تكون مكلفة في بعض الحالات ومعقولة احيانا، وانا كمختص اعتبر ان خسارة تونس الاقتصادية معقولة الى حد الان ، ومثال على ذلك ما يحدث في ليبيا فالمجتمع والاقتصاد دمرا تماماً حتى اصبح من الصعب تحديد نسبة الخسارة ، كما ان المجال لا يسمح لنا بالرجوع الى الثورة الفرنسية والحديث عما كلفتهم من خسائر جسيمة".
كما يرى البدوي ان الثورة بالمعنى التاريخي في تونس لم تعطل الحياة، فحركة النقل سائرة والمرافق الاساسية تواصل أعمالها، اذ لم نشهد انقطاع كهرباء او ماء كما ان السنة الدراسية كانت شاملة وتوجت بالنجاحات كذلك شهدنا استمرار القطاع الصحي بكل نجاح، باختصار ما حدث ويحدث هو طبيعي للانتقال الديمقراطي.
ويضيف عبد الجليل البدوي : "الامر المقلق هو بروز ثقافة الغنيمة وكان الثورة قامت ايام الغزوات والفتوحات ، هناك وللأسف جانب من الشعب التونسي تصرف بهذه الثقافة ونسوا ان الثورة بمفهومها الشامل والعميق تفتح صفحة بيضاء وافاقا جديدة ونتائجها طويلة المدى والا لن تكون ثورة.
افتكاك الفرص والتدخل في مهام الدولة، التعيينات التي شهدتها بعض الإدارات ، الحكومة الجديدة وطريقة اقتسامها الغنيمة والصراع على الحقائب الوزارية، البناء الفوضوي وعدم احترام النظام بشكل عام هو الذي اضر بالاقتصاد التونسي ولا شيء غيره، لان الثورة لم تقم بالمفهوم الكلاسيسي ، بل كانت شعبية بعد ان سحق بن علي الطبقة المتوسطة وهمش الشباب وأزًًم وضع العمال وتراجع عن المكاسب الاجتماعية فقط ليقول ان تونس بمنأى عن الأزمة الاقتصادية العالمية".
ظروف اجتماعية مهدت لانطلاق حركة التغيير في بنية المجتمع خاصة في صفوف الشباب منه، ولان عددا كبيرا من هذا الشباب يعيش حالة من العطالة من العمل وحالة من مصادرة الأحلام المستقبلية محاصرا بالياس، وهنا يتدخل العامل الاقتصادي في العامل الاجتماعي، فقد اندفع هذا الشباب مطالبا بحقه في الحياة والعمل والمستقبل.
يضاف الى ذلك تمتع هذا الشباب بمعرفة عالية بادوات العصر وفي مقدمتها المعرفة التكنولوجية المتصلة باستخدام الشبكة العنكبوتية ووسائل الاتصال الاجتماعي، مما جعلهم قادرين على تجاوز الرقابة الإعلامية وتخطي وسائل الاعلام الرسمية التي تفرضها وسائل النظام السياسي ( وهنا يتضح عامل التأثير الاجتماعي على العامل السياسي مرة اخرى)، كما يضاف الى ذلك خلو الذاكرة الشبابية الطرية من عوامل الخوف المتراكم من قمع الأنظمة الذي شكل حاجزا سميكا عند جيل الآباء والأجداد دون الثورة على هذه الأنظمة المتسلطة على الرغم مما بذلوه من تضحيات فردية او حزبية ضيقة او محدودة، دون ان تصل الى مراحل الثورة الاجتماعية الشاملة وهذا ما قام به جيل الشباب الذي لم يعرف الخوف ولم يدخل السجون بعد، وظلت تداعبه الأحلام في مستقبل مضيء مع كثير من البراءة فيما يتصل بمعرفته للجانب السياسي من الناحية الميدانية وما يشتبك فيه من صراع بين القوى السياسية المختلفة.
حلم الشباب التونسي بمستقبل جميل لايزال بعيد التحقق امام الاحباطات المتواترة الناتجة عن الاعتصامات وتزايد نسبة البطالة، حيث يؤكد المحلل السياسي زهير مخلوف ان خسارة تونس الاجتماعية كانت كبيرة، بخسارة اليد العاملة التي فقدت أعمالها في المصانع والورش والضيعات الفلاحية، والتجارة الموازية خاصة بالمناطق الحدودية كمدن بنقردان المحاذية لليبيا والقصرين والكاف على الحدود الجزائرية، كذلك غلاء المعيشة وفقدان الفئات الضعيفة والمتوسطة القدرة على مجابهة ومواجهة تبعات الأزمة الاقتصادية .
ويقول مخلوف : "ان عدم توفير مواطن شغل جديدة لخريجي الجامعات والمعاهد المهنية زاد في تفاقم أزمة البطالة، اضافة الى نزول مستوى التنمية الى "خمسة سلبي" زاد أيضاً من أزمة السيولة الذي انعكس على ميزانية الدولة الآنية التي وجدت حالها غير قادرة على دعم المواد الاساسية وتوفيرها، والتجات الى استيرادها الامر الذي اثر على الميزان التجاري كالحليب والزيت ومياه الشرب والخميرة....
فان نصل الى ما يعادل مليون عاطل عن العمل فهذا قد يؤثر تأثيرا بالغا في اختلال التوازن الاجتماعي بين الأسر محدودة الدخل والمتوسطة كذلك".
ويضيف مخلوف : "واذا اعتبرنا ان نسبة الفقر التي تم الاعلان عنها بعد الرابع عشر من يناير تناهز 24,7% مقابل ما كان يعلن عنه نظام بن علي وهو 3% فان نسبة الفقر الحقيقية في صعود مستمر، نظرا الى انسداد افق الشغل وغلاء المعيشة وعدم الرعاية الصحية المجانية الا لفئة صغيرة كانت تدعم مجانيا خلال النظام البائد، بينما نجد النسبة التي تحتاج الى الدعم الاجتماعي والصحي والمؤازرة اكبر مما كان يعلن عنه سابقا.
في مقابل هذا فان ملامح هذه الازمة الاجتماعية قادتنا الى احباط عام نتج عنه بروز ظاهرة تفاقم نسبة الجريمة من سرقات وقتل وحرق وتعطيل صيرورة المرافق العمومية وزرعت حالة من عدم الراحة النفسية لعموم المواطنين".
غير ان الناطق باسم حركة النهضة سابقا ووزير العدل الحالي نور الدين البحيري، صرح إن حركة النهضة وعدت في برنامجها الاقتصادي بإمكانية رفع نسبة النمو ما بين 5% و6% في ظرف سنة واحدة واستيعاب أكثر من 300 ألف عاطل عن العمل، وأن النمو المنشود سيتحقق من خلال الاستثمار في البنى الأساسية وتعزيز دور الاستهلاك الداخلي في دعم ميزانية الدولة ودعم الاستقرار ومنح الامتيازات بما يمكن من استقطاب الاستثمارات الأجنبية.
اما الضلع السياسي فيتجاذب طرفيه كل من النظام السياسي القائم من جهة وقوى المعارضة التي يرهص بها المجتمع المدني، التي يتشابك كثير منها مع القوى الاجتماعية المدنية من حيث تمحي الحدود الفاصلة بين البعد السياسي والبعد الاجتماعي لبعض هذه القوى ومثال ذلك، القوى السياسية ذات الطابع الديني التي تسيس المجتمع من خلال دعوته للدين وتنظيمه للعمل التطوعي والخيري ومساعدته على الظروف الصعبة اوقات الأزمات (وهنا تتداخل الأضلاع الثلاثة للمثلث في وحدة تفاعلية حية يصعب فكها)، ولا شك ان هذا التشابك بين الأضلاع هو ما فاجأ جيل الشباب الذي ضحى بدمه وجهده وحياته لكي يرسم الطريق لمستقبله حين قامت هذه القوى المتشابكة سياسة ودينا واقتصادا ومجتمعا بسرقة ثورته البكر، وتحويل ثمارها لصالحها ومصادرة أحلام جيل الشباب الثوري، وليس من المصادفة بما كان ان يتم ذلك في جميع البلاد العربية التي اشتعلت فيها الثورات والاحتجاجات الشبابية من اقصى الخارطة العربية الى أقصاها اذ كانت جميع الثورات نهبا للحركات الاسلامية المتربصة بها.
فالثورات في جميع أنحاء العالم تتأسس على الجانب الفكري والاجتماعي الذي يحدث قطيعة بين جيل الأبناء وجيل الآباء، مما يدفع ببنية المجتمع الى الامام بالضرورية ويفعل قانون التطور في هذه البنية فلا توجد ثورات ترتد على حركة التاريخ وتشد عقارب الساعة الى الوراء ثم تسمى ثورات.
ان الثورة فعل في التاريخ وفي اتجاه تقدمه لا تخلفه وهذا هو منطق الثورات منذ ان الكلمة في اللغة وكان فعلها المجسد في الواقع على مر الزمان والعصور.
المعارضة بامتياز الأمينة العامة للحزب الديمقراطي التقدمي مية الجريبي ترى ان تونس ربحت الكثير في المجال السياسي ، فمن وجهة نظرها كسياسية متمرسة ترى ان التونسيين ربحوا سماء من الحرية والكرامة، تقول مية الجريبي : "التونسي اصبح حرا ويشعر بمواطنته وصوته، التونسي قطع مع الذل والهوان والاستيلاء على كلمته وارائه وقراره، كما ان تونس كسبت انتخابات حرة ونزيهة قال فيها الشعب كلمته، لكنها في المقابل خسرت شهدائها الأبرار وتقديرا لدمائهم الزكية نحن مطالبون بتحقيق اهداف الثورة.
لا ننسى ان للثورة ثمن، وثمن الثورة التونسية هو هذه الأزمة الاقتصادية العاصفة وهذه الصعوبات الاجتماعية التي لا يجب ان تتنامى وعلى الجميع الإسراع في معالجتها، حتى تتجسد المكاسب التي ذكرتها في مؤسسات دائمة كحرية الصحافة واستقلال القضاء وحكومة تنكب على على إدارة شؤون البلاد " .
تضيف الجريبي : "تونس كسبت معارضة حيوية، شخصيا أتشرف بأنني كنت معارضة لنظام بن علي، والان للمعارضة مجال أوسع فهي ممثلة في المجلس التاسيسي ومتواصلة مع المجتمع المدني تمارس أراءها ودورها الاساسي، ولاحظنا ان هناك تفاعل بين ما يحدث بالمجلس التاسيسي والمجتمع المدني حتى يتم التفطن والتنبيه الضروري للحكومة في صورة حدوث هنات او اخطاء او نواقص فلكل سلطة سلطة مضادة والاثنان متعاضدان لتحقيق اهداف الثورة".
ويبقى الضلع الاقتصادي الذي شكل قاعدة النظرية الماركسية في ثورة اكتوبر 1917 التي انتجت فكرا وأدبا، ونظريات متطورة في مختلف المجالات المعرفية على الرغم من ان جميع ذلك قد صب في صالح طبقة البلوريتاريا لا في صالح اي فئات انتهازية اخرى ، الا في بعض السنوات الاخيرة من تاسيس النظام السياسي كالقبضة الحديدية في عهد ستالين مثلا،
وليس من باب العبث او المصادفة ان تنطلق شرارة الثورة التونسية من المناطق الداخلية المتشحة بالفقر والإهمال وسوء الحال الاقتصادية والبطالة المتفشية بين شبابها، كما ليس من المصادفة امتداد هذه الثورة الى المدن التونسية وفي مقدمتها العاصمة لما ترهص به من عوامل مشتركة مع عوامل قيام هذه الثورة في المناطق المهمشة.
ويمثل العامل الاقتصادي التحدي الاكبر امام الثورة وأما الحكومة الجديدة، وان اختلف البعض حول اهمية العامل الاقتصادي في انطلاق الثورة فان اثنين لن يختلفا على ان الاقتصاد هو التحدي الذي يواجه تونس الجديدة.
لذلك تتطلب الثورة في تونس مثلما تتطلب اي ثورة اخرى كوادر تتسم بالتفكير الجديد والخبرة العصرية والرؤية البعيدة للمستقبل مما يقتضي تكليف فئة من التكنوقراط قادرة على قيادة المجتمع والسياسة والاقتصاد في وحدة واحدة ومثلث متكامل الأضلاع نحو آفاق المستقبل الواعد كما يحلم به الشباب في ثورته.
الخبير في الاقتصاد الاجتماعي الدكتور عبد الجليل البدوي هون من خطورة الوضع الاقتصادي وخسارة تونس في هذا المجال رغم ارتفاع الديون التونسية الى 60% دون احتساب الفوائض
حيث قال : "عندما يقوم الشعب بثورة من الصعب الحديث عن خسارة، فالثورة كلها ربح لانها تفتح آفاقا جديدة وعديدة لتطور المجتمع، وهذا بحد ذاته ربح ومن يرى العكس فهو يرى الخسائر العاجلة.
فالانتقال له كلفته، والكلفة قد تكون مكلفة في بعض الحالات ومعقولة احيانا، وانا كمختص اعتبر ان خسارة تونس الاقتصادية معقولة الى حد الان ، ومثال على ذلك ما يحدث في ليبيا فالمجتمع والاقتصاد دمرا تماماً حتى اصبح من الصعب تحديد نسبة الخسارة ، كما ان المجال لا يسمح لنا بالرجوع الى الثورة الفرنسية والحديث عما كلفتهم من خسائر جسيمة".
كما يرى البدوي ان الثورة بالمعنى التاريخي في تونس لم تعطل الحياة، فحركة النقل سائرة والمرافق الاساسية تواصل أعمالها، اذ لم نشهد انقطاع كهرباء او ماء كما ان السنة الدراسية كانت شاملة وتوجت بالنجاحات كذلك شهدنا استمرار القطاع الصحي بكل نجاح، باختصار ما حدث ويحدث هو طبيعي للانتقال الديمقراطي.
ويضيف عبد الجليل البدوي : "الامر المقلق هو بروز ثقافة الغنيمة وكان الثورة قامت ايام الغزوات والفتوحات ، هناك وللأسف جانب من الشعب التونسي تصرف بهذه الثقافة ونسوا ان الثورة بمفهومها الشامل والعميق تفتح صفحة بيضاء وافاقا جديدة ونتائجها طويلة المدى والا لن تكون ثورة.
افتكاك الفرص والتدخل في مهام الدولة، التعيينات التي شهدتها بعض الإدارات ، الحكومة الجديدة وطريقة اقتسامها الغنيمة والصراع على الحقائب الوزارية، البناء الفوضوي وعدم احترام النظام بشكل عام هو الذي اضر بالاقتصاد التونسي ولا شيء غيره، لان الثورة لم تقم بالمفهوم الكلاسيسي ، بل كانت شعبية بعد ان سحق بن علي الطبقة المتوسطة وهمش الشباب وأزًًم وضع العمال وتراجع عن المكاسب الاجتماعية فقط ليقول ان تونس بمنأى عن الأزمة الاقتصادية العالمية".


الصفحات
سياسة








