نزل عبد الإله بن كيران، زعيم حزب العدالة والتنمية المغربي من سيارته، صباح اليوم الموالي من الاقتراع، فوجد نفسه وسط حشد من الصحافيين والإعلاميين المغاربة والأجانب. لقد سلطت الأضواء على حزب الإسلاميين الذي حقق فوزا لم يسبق أن حصل عليه أي حزب في تاريخ الانتخابات المغربية. فقد فاز بـ 107 مقاعد، من أصل 395، واحتل الصدارة، جاعلا الفرق بينه وبين حزب الاستقلال
الذي تحمل المسؤولية في الحكومة المنتهية ولايتها أزيد من 40 مقعدا.
بمجرد ما أعلنت وزارة الداخلية عن النتائج الرسمية للانتخابات، أصبح حزب العدالة والتنمية في واجهة الأحداث. إن قصة خروج هذا الحزب إلى الوجود غريبة. فالإسلاميون الذين كانوا يؤمنون بمبدأ الاشتغال من داخل المؤسسات سبق لهم أن تقدموا بعدة طلبات لتأسيس أحزاب سياسية، إلا أن الدولة كانت تتعامل معهم بصرامة كبيرة، خصوصا في عهد العاهل الراحل الحسن الثاني، الذي كان يحتاط كثيرا من الإسلاميين، مستعينا في مواجهته لهم بـ"خبرة" وزير الداخلية إدريس البصري الذي كان له باع طويل في مواجهة المعارضين للنظام. تطورت حركة الإسلاميين المغاربة، التي كانت تستمد أدبياتها من تجربة الإخوان المسلمين في مصر، وأنشأت حركة التوحيد والإصلاح، منتصف التسعينيات، التي هي بمثابة مزج بين حركتين إسلاميين، أولى يتزعمها بن كيران، ئيس الحكومة المعين أخيرا، كانت تعرف باسم حركة الإصلاح والتجديد، والثانية تسمى رابطة المستقبل الإسلامي يرأسها الدكتور أحمد الريسوني، الذي توارى إلى الخلف، وفضل الاشتغال في مجال الفقه والالتحاق بمجمع علماء الفقه في جدة بالسعودية.
وفي تقدير دكتور في العلوم السياسية متخصص في الجماعات الإسلامية، عمر الشرقاوي، فإن حزب العدالة والتنمية ولج الحقل السياسي الرسمي عام 1996 من خلال الالتحاق بحزب عبد الكريم الخطيب، الدكتور الخاص للملك الراحل الحسن الثاني، و"في هذا أكثر من دلالة، لقد كان هناك توجه داخل القصر الملكي بضرورة تهذيب المعارضة الإسلامية، من خلال السماح للإسلاميين الذين اختاروا التغيير من داخل المؤسسات، ولوج عالم السياسية، فأصبحوا الفاعل الإسلامي المعارض الذي يقدم نفسه على أساس أنه يدافع عن مصالح الشعب".
عندما قرر حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، التي التحق بها الإسلاميون، تغيير اسم الحزب، ووقع اختيارهم على اسم العدالة والتنمية، سال مداد كثير في الصحف الوطنية ، وتعالت أصوات تنذر بـ"نسخ" التجربة التركية في المغرب، إلا أن القائمين على العدالة والتنمية المغربي صرحوا أكثر من مرة أن لكل بلد خصوصياته، ولا وجه للمقارنة، أو للاستعانة بالتجارب ونسخها على أرض الواقع. ولما تصدر العدالة والتنمية نتائج الانتخابات البرلمانية، وتأكد أنهم سيقودون الحكومة المقبلة، وفقا لمقتضيات الدستور الجديد، أعيدت علاقة الحزبين التركي والمغربي إلى الواجهة.
يرى المختص في الحركات الإسلامية الشرقاوي، في الحديث الذي أجرته معه وكالة الأنباء الألمانية (د.ب. أ)، أن ركوب الإسلاميين قطار الحكم في المغرب يدخل في السياق العربي والإقليمي الذي خيم على المنطقة في الآونة الأخيرة، "إننا إزاء أسلمة شمال إفريقيا، ثم إن الإسلاميين في المغرب ليسوا فاعلين جدد، بل كانوا حاضرين منذ ما يزيد عن أربعة عقود، وصعد نجمهم أخيرا، خصوصا بعد الشرعية التي اكتسبوها خلال ممارسة المعارضة تحت قبة البرلمان".
يقول الشرقاوي إن حزب العدالة والتنمية المغربي ظهر كحزب طهراني، وله عذرية سياسية، "هم الآن أمام محك كبير وحقيقي، لأن ثمة فرق بين ممارسة المعارضة وتقديم النفس على أساس أن الحزب لم يلوث في تدبير القضايا، وبين رئاسة الحكومة والإشراف على تسيير الشأن العام للبلاد".
فمن أولى الإكراهات التي واجهت العدالة والتنمية إقامة تحالفات واضحة. فالحزب منذ اليوم الأول، وحتى قبل إجراء الانتخابات البرلمانية، كان دائما يلوح بأنه قريب من أحزاب الكتلة الوطنية التي تأسست عام 1992 لإثارة انتباه الدولة للطريقة التي تسير بها الأمور من قبل أحزاب إدارية. لقد أطلق بن كيران أولى الإشارات وبسط يديه إلى الكتلة، لكن سرعان ما اختار حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الحزب اليساري الذي عارض النظام المغربي لسنوات قبل أن يختار المشاركة في الحكومة عام 1998 في إطار ما سمي آنذاك بالتناوب التوافقي لإنقاذ البلاد من السكتة القلبية، أن يعود إلى المعارضة، فوجد بن كيران نفسه يتحرك في دائرة ضيقة وطرق باب حزب الحركة الشعبية، أحد الأحزاب الإدارية.
وفي هذا الصدد، قال الشرقاوي عمر إن العدالة والتنمية سيعترضه صعوبات لا محالة، إنه أمام "مجموعة من إكراهات الشارع، وجيوب المقاومة التي لا تريد أن تتغير الأوضاع إلى أحسن، لذلك سيضطر إلى أن يتحالف مع ما هو موجود في الساحة السياسية، على اعتبار أن طريقة تدبير الانتخابات في المملكة لا تسمح بظهور حزب له أغلبية، وبإمكانه أن يشكل حكومة بمفرده دون اللجوء إلى أحزاب أخرى".
وحسب وصف الشرقاوي لبن كيران، فإنه رجل عرف كيف يصل إلى قلوب وعقول المغاربة بخطاباته البسيطة والواضحة، "إنه ممثل جيد في مسرحية قديمة".
يشار إلى أنه بعد مرور أسبوعين عن الإعلان عن نتائج الانتخابات، جلس بن كيران إلى زعماء مجموعة من الأحزاب باستثناء حزب الأصالة والمعاصرة، الذي أسسه صديق العاهل المغربي محمد السادس، بسبب الحرب الضروس التي دارت رحاها بين الهيئتين السياسيتين طيلة المرحلة السابقة. ووعد بن كيران بالقضاء على الفساد والضرب من حديد على يد كل الذين يريدون أن تستمر دار لقمان على حالها، إنه رهان صعب لحزب سياسي مارس المعارضة لمدة زادت عن 15 سنة، ولا يدري إن كان سيتوفر على المؤهلات البشرية التي ستساعده على ضبط زمام الأمور في كبرى القطاعات الوزارية أهمها الداخلية والأوقاف والشؤون الإسلامية والشؤون الخارجية، فهذه الوزارات كانت دائما تعد وزارات السيادة، ولا دخل للأحزاب في من يتولون شؤونها.
صحيح أن ركوب العدالة والتنمية قطار الحكم في المملكة المغربية أنهى فزاعة الإسلاميين، لكنه في نفس الوقت وضع هؤلاء أمام اختبار عسير، الأيام وحدها كفيلة بأن تبين مدى نجاحهم أو إخفاقهم في هذا الامتحان.
الذي تحمل المسؤولية في الحكومة المنتهية ولايتها أزيد من 40 مقعدا.
بمجرد ما أعلنت وزارة الداخلية عن النتائج الرسمية للانتخابات، أصبح حزب العدالة والتنمية في واجهة الأحداث. إن قصة خروج هذا الحزب إلى الوجود غريبة. فالإسلاميون الذين كانوا يؤمنون بمبدأ الاشتغال من داخل المؤسسات سبق لهم أن تقدموا بعدة طلبات لتأسيس أحزاب سياسية، إلا أن الدولة كانت تتعامل معهم بصرامة كبيرة، خصوصا في عهد العاهل الراحل الحسن الثاني، الذي كان يحتاط كثيرا من الإسلاميين، مستعينا في مواجهته لهم بـ"خبرة" وزير الداخلية إدريس البصري الذي كان له باع طويل في مواجهة المعارضين للنظام. تطورت حركة الإسلاميين المغاربة، التي كانت تستمد أدبياتها من تجربة الإخوان المسلمين في مصر، وأنشأت حركة التوحيد والإصلاح، منتصف التسعينيات، التي هي بمثابة مزج بين حركتين إسلاميين، أولى يتزعمها بن كيران، ئيس الحكومة المعين أخيرا، كانت تعرف باسم حركة الإصلاح والتجديد، والثانية تسمى رابطة المستقبل الإسلامي يرأسها الدكتور أحمد الريسوني، الذي توارى إلى الخلف، وفضل الاشتغال في مجال الفقه والالتحاق بمجمع علماء الفقه في جدة بالسعودية.
وفي تقدير دكتور في العلوم السياسية متخصص في الجماعات الإسلامية، عمر الشرقاوي، فإن حزب العدالة والتنمية ولج الحقل السياسي الرسمي عام 1996 من خلال الالتحاق بحزب عبد الكريم الخطيب، الدكتور الخاص للملك الراحل الحسن الثاني، و"في هذا أكثر من دلالة، لقد كان هناك توجه داخل القصر الملكي بضرورة تهذيب المعارضة الإسلامية، من خلال السماح للإسلاميين الذين اختاروا التغيير من داخل المؤسسات، ولوج عالم السياسية، فأصبحوا الفاعل الإسلامي المعارض الذي يقدم نفسه على أساس أنه يدافع عن مصالح الشعب".
عندما قرر حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، التي التحق بها الإسلاميون، تغيير اسم الحزب، ووقع اختيارهم على اسم العدالة والتنمية، سال مداد كثير في الصحف الوطنية ، وتعالت أصوات تنذر بـ"نسخ" التجربة التركية في المغرب، إلا أن القائمين على العدالة والتنمية المغربي صرحوا أكثر من مرة أن لكل بلد خصوصياته، ولا وجه للمقارنة، أو للاستعانة بالتجارب ونسخها على أرض الواقع. ولما تصدر العدالة والتنمية نتائج الانتخابات البرلمانية، وتأكد أنهم سيقودون الحكومة المقبلة، وفقا لمقتضيات الدستور الجديد، أعيدت علاقة الحزبين التركي والمغربي إلى الواجهة.
يرى المختص في الحركات الإسلامية الشرقاوي، في الحديث الذي أجرته معه وكالة الأنباء الألمانية (د.ب. أ)، أن ركوب الإسلاميين قطار الحكم في المغرب يدخل في السياق العربي والإقليمي الذي خيم على المنطقة في الآونة الأخيرة، "إننا إزاء أسلمة شمال إفريقيا، ثم إن الإسلاميين في المغرب ليسوا فاعلين جدد، بل كانوا حاضرين منذ ما يزيد عن أربعة عقود، وصعد نجمهم أخيرا، خصوصا بعد الشرعية التي اكتسبوها خلال ممارسة المعارضة تحت قبة البرلمان".
يقول الشرقاوي إن حزب العدالة والتنمية المغربي ظهر كحزب طهراني، وله عذرية سياسية، "هم الآن أمام محك كبير وحقيقي، لأن ثمة فرق بين ممارسة المعارضة وتقديم النفس على أساس أن الحزب لم يلوث في تدبير القضايا، وبين رئاسة الحكومة والإشراف على تسيير الشأن العام للبلاد".
فمن أولى الإكراهات التي واجهت العدالة والتنمية إقامة تحالفات واضحة. فالحزب منذ اليوم الأول، وحتى قبل إجراء الانتخابات البرلمانية، كان دائما يلوح بأنه قريب من أحزاب الكتلة الوطنية التي تأسست عام 1992 لإثارة انتباه الدولة للطريقة التي تسير بها الأمور من قبل أحزاب إدارية. لقد أطلق بن كيران أولى الإشارات وبسط يديه إلى الكتلة، لكن سرعان ما اختار حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الحزب اليساري الذي عارض النظام المغربي لسنوات قبل أن يختار المشاركة في الحكومة عام 1998 في إطار ما سمي آنذاك بالتناوب التوافقي لإنقاذ البلاد من السكتة القلبية، أن يعود إلى المعارضة، فوجد بن كيران نفسه يتحرك في دائرة ضيقة وطرق باب حزب الحركة الشعبية، أحد الأحزاب الإدارية.
وفي هذا الصدد، قال الشرقاوي عمر إن العدالة والتنمية سيعترضه صعوبات لا محالة، إنه أمام "مجموعة من إكراهات الشارع، وجيوب المقاومة التي لا تريد أن تتغير الأوضاع إلى أحسن، لذلك سيضطر إلى أن يتحالف مع ما هو موجود في الساحة السياسية، على اعتبار أن طريقة تدبير الانتخابات في المملكة لا تسمح بظهور حزب له أغلبية، وبإمكانه أن يشكل حكومة بمفرده دون اللجوء إلى أحزاب أخرى".
وحسب وصف الشرقاوي لبن كيران، فإنه رجل عرف كيف يصل إلى قلوب وعقول المغاربة بخطاباته البسيطة والواضحة، "إنه ممثل جيد في مسرحية قديمة".
يشار إلى أنه بعد مرور أسبوعين عن الإعلان عن نتائج الانتخابات، جلس بن كيران إلى زعماء مجموعة من الأحزاب باستثناء حزب الأصالة والمعاصرة، الذي أسسه صديق العاهل المغربي محمد السادس، بسبب الحرب الضروس التي دارت رحاها بين الهيئتين السياسيتين طيلة المرحلة السابقة. ووعد بن كيران بالقضاء على الفساد والضرب من حديد على يد كل الذين يريدون أن تستمر دار لقمان على حالها، إنه رهان صعب لحزب سياسي مارس المعارضة لمدة زادت عن 15 سنة، ولا يدري إن كان سيتوفر على المؤهلات البشرية التي ستساعده على ضبط زمام الأمور في كبرى القطاعات الوزارية أهمها الداخلية والأوقاف والشؤون الإسلامية والشؤون الخارجية، فهذه الوزارات كانت دائما تعد وزارات السيادة، ولا دخل للأحزاب في من يتولون شؤونها.
صحيح أن ركوب العدالة والتنمية قطار الحكم في المملكة المغربية أنهى فزاعة الإسلاميين، لكنه في نفس الوقت وضع هؤلاء أمام اختبار عسير، الأيام وحدها كفيلة بأن تبين مدى نجاحهم أو إخفاقهم في هذا الامتحان.


الصفحات
سياسة








