تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة

سلامتك يا حلب

11/01/2026 - أنس حمدون


لا مانشا بلدة دون كيخوتة تبوح بأسرارها بعد 4 قرون من ثربانتيس




مدريد - آنا لاثارو بيردي - تسلط شمس الربيع آشعتها بسخاء على الساحة الرئيسية ببلدة أرجاماسييا دي البا الإسبانية حيث يقضي مجموعة من العجائز وقت الظهيرة الدافئ بعيدا عن أعين السائحين، المولعين بتصوير تماثيل ومنحوتات دون كيخوتة ( دون كيشوت) وتابعه الأمين سانشو بانثا. "نشعر بالفخر لكوننا كيخوتيين"، هكذا أكد أحد العجائز عند سؤاله عن الرواية العظيمة التي أبدعها الأديب الإسباني الأشهر ميجل دي ثربانتيس، فيما أمن الباقون على كلامه بين ابتسامات وإيماءات.


 
يؤكد عدد كبير من المتخصصين في أدب ثربانتيس أن هذه البلدة الواقعة في قلب منطقة لامانشا وسط إسبانيا، شهدت مولد واحدة من أشهر خمس شخصيات أدبية في تاريخ الإنسانية: الكيخوتة، أما الشخصيات الأخرى فهي هاملت وعطيل ومكبث، وهي من إبداع شكسبير، أما الأخيرة فهي شخصية دون خوان أو مخادع النساء الأشهر دون جوان، من إبداع الإسباني تيرسو دي مولينا في القرن السابع عشر.

يذكر أن ثربانتيس حين أبدع شخصيته الشهيرة حرص على تخليد المنطقة بالكامل من خلال عبارته الافتتاحية للرواية "في مكان ما من المانشا لا أود أن أتذكر اسمه ..."، ليثري بذلك الأسطورة التي لا تزال حية بالرغم من مرور 400 عام على رحيل مبدعها.

ويحذر أهالي البلدة بقوة كل من يحاول منازعتهم هذا الشرف، إزاء احتدام الجدل حول مسقط راس الكيخوتة مع سكان بلدة بيانويبا دي لوس انفانتس، التي تدعي بدورها انتماء شخصية ثربانتيس الشهيرة إليها.

في هذا السياق يوضح لوكالة الأنباء الألمانية ( د .ب .أ ) بدرو باديا، مسؤول ضيعة "كاسا دي مدرانو" أنه "لا توجد براهين علمية، ولكن هذا الجدل يحتدم على خلفية المصالح الاقتصادية والسياحية". يشار إلى أن ثربانتيس كان محبوسا في هذا المكان ببلدة ارجامسيا بسبب تراكم الديون عليه في فترة من فترات حياته التي اتسمت بكثير من البؤس والشقاء.

يعتقد أن ثربانتيس في محبسه داخل كهف كاسا مدرانو، يمكن أن يكون قد كتب رائعته "الكيخوتة"، التي تعتبر أول رواية حديثة في تاريخ إسبانيا، لتحكي مغامرات العبقري النبيل الونسو كيخانو، الذي فقد قدرته على التمييز بين الواقع والخيال من كثرة قراءة روايات الفروسية التي كانت منتشرة في ذلك الوقت.

"يعتقد أنه بسبب ظروف محبسه هنا، يمكن أن يكون ثربانتيس قد تعرف على النبيل ردوريجو باتشيكو، الذي أصابه الجنون، ومن ثم أثيرت التكهنات على إمكانية استيحاء شخصية الكيخوتة منه"، يوضح بادييا مشيرا إلى لوحة زيتية معلقة على أحد جدران كنيسة الضيعة ويظهر بها صورة الشخصية التي أبدعها ثربانتيس.

بعد مرور أربعة قرون على رحيل ثربانتيس عن عالمنا (1547-1616)، لا تزال آثاره حية في إقليم لا مانشا مترامي الأطراف، والذي كان مسرحا لمغامرات وانكسارات الفارس الحزين، كما هي كنية دون كيخوتة بعد هزيمته وعودته خائب الرجاء إلى دياره معتزلا عمل الفروسية. من الواضح أن مبدع الشخصية كان على دراية كبيرة بالمنطقة، بسبب سفراته المتعددة بين مدريد و الأندلس، حينما كان يعمل جابي ضرائب، قبل أن يحبس بسبب تلاعبه في الدفاتر.

إلى اليوم، لا تزال المنازل القائمة هناك ذات الواجهات البيضاء المطلية بالكلس تعبق بأنفاس ثربانتيس، كما تحمل الشوارع والأزقة والميادين وحتى المطاعم والحانات اسمه وأسماء شخصيات أعماله، والأطرف من ذلك أن قوائم الطعام والشراب لا زالت تحمل نفس أسماء الأطعمة والمشروبات التي ظهرت بها في الرواية الشهيرة.

عبر سهول منقطة لامانشا الفسيحة، التي تتخللها قمم صغيرة تعرف باسم طواحين الهواء، عُمِد العبقري النبيل "الكيخوتة" فارسا جوالا وخرج في مغامرات دفاعا عن الحق ورفع الظلم عن المظلومين، تحدى العمالقة والجن وقاسى واكتوى قلبه أيضا بنيران حب مستحيل من طرف واحد لمحبوبته دولثينيا ديل توبوسو.

لا تزال تحتفظ بلدة كونسويجرا إلى الآن بآخر هؤلاء العمالقة "طاحونة هواء" ترجع للقرن السادس عشر، حيث يقوم المرشد السياحي خوان باوتيستا سانشيث يوميا باصطحاب السياح لزيارتها ليريهم كيف تطحن الحبوب والغلال. وفقا للرواية لم يخرج دون كيخوتة لمحاربة طواحين الهواء كما هو معروف في الثقافة العربية، بل خرج دفاعا عن الأميرات اللاتي خطفهن الجن والعمالقة، وحين صوب حربته لقتالهم، ساحر شرير حول هؤلاء الجن والعمالقة لطواحين هواء فقط ليسخر منه ومن رسالته النبيلة.

يقول سانشيث لـ(د. ب. أ) "ليس غريبا أن يلجأ ثربانتيس لتفصيلة طواحين الهواء، لأنها في ذلك الوقت كانت بالفعل أشبه بعمالقة ضخمة وكان صوت ضجيجها يسمع من على مسافة عدة كيلومترات". يدير المرشد /36 عاما/ ذراع الطاحونة الخشبية من الداخل، فتبدأ أذرعها الخارجية في الحركة لتحرك رحاها مصدرة ضجيجا مزعجا أشبه بالأنين الحزين فيما يهتز المبنى القديم بالكامل كما لو كان سينهار على رؤوس من فيه.



يقدر المؤرخون أن منطقة لامانشا كان يوجد بها ما يربو عن 500 طاحونة هواء، كانت السبب في تحسن الظروف الاقتصادية في تلك المنطقة غير المأهولة بالسكان. لم يعد متبقيا منها الآن سوى عشرة أو أقل تعمل بنفس التقنية القديمة، أشهرها في بلدات كونسويجرا وكامبو دي كريبتانا، التي يعتقد أن معركة الكيخوتة الشهيرة مع العمالقة الذين تحولوا إلى طواحين هواء وقعت بها.

من ناحية أخرى تقع بلدة التوبوسو على مسافة بضعة كيلومترات من هنا، وهي موطن محبوبة الكيخوتة، وتجسيد قصة الحب الأفلاطوني الذي غرق فيه الفارس الخالد. يعتقد أن ثربانتيس استوحىى شخصيتها من إحدى فتيات هذه البلدة، واسمها آنا مارتينيث ثاكرو دي موراليس.

تؤكد عمدة البلدة بيلار ارينيرو أنه "لا يوجد دليل مؤكد، ولكن هناك إشارات على تردد ثربانتيس على المكان، وهو ما يستدل عليه من الوصف الدقيق الذي أورده للبلدة في الكيخوتة".

بمجرد وصوله إلى بلدة التوبوسو صرح الفارس النبيل لتابعه سانشو بعبارته الشهيرة " ها قد وصلنا إلى الكنيسة"، عندما مرا بإبراشية البلدة، التي لا تزال قائمة إلى اليوم في البلدة الصغيرة، بينما ينتصب أمامها تمثال للكيخوتة راكعا أمام محبوبته دولثينيا.

"ندين لثربانتيس بكل شئ. كل ما نحن عليه الآن وما لدينا يرجع الفضل فيه إلى الفارس الذي خلد ابنة قرية التوبوسو"، تؤكد العمدة، في إشارة إلى متحف ثربانتيس الذي توجد به الكثير من متعلقات الكيخوتة، والذي حظي بزيارة مشاهير العالم مثل الزعيم الجنوب أفريقي الراحل نيلسون مانديلا والرئيس الأمريكي الأسبق الراحل رونالد ريجان.

تضم البلدة الغارقة في الهدوء كما وصفها ثربانتيس متحفا لفنون الكاريكاتيرمستوحاة أعماله من رواية الكيخوتة، من إبداع مشاهير الفنانين أمثال فورجس وبريديس ومينا، بالإضافة إلى متحف منزل دوليثينيا، وهو عبارة عن بيت يستحضر نمط الحياة في بيوت النبلاء في الماضي.

يشار إلى أن مسار الكيخوتة في إقليم لامانشا يقدر بنحو 2500 كيلومتر مقسمة على عشرة مراحل، حددت وفقا لتطور الأحداث الرئيسية في الرواية، ومن بينها كهف مونتسينوس، بويرتو لا بيثي، الذي ينسب إليه موقع النزل الذي عمد به دون كيخوتة فارسا جوالا.

ويشمل المسار مراحل من حياة ثربانتيس نفسه، ومنها بلدة إسكيبياس، حيث تزوج مؤلف الكيخوتة من كاتالينا سالاثار، وبلدة الكاثار دي سان خوان، التي توجد بها نسخة من وثيقة تعميد ثربانتيس، بخلاف الوثيقة الأصلية الموجودة في مسقط راسه بضاحية قلعة إينارس بمدريد. يمتد مسار مغامرات الفارس النبيل عبر أراجون وكتالونيا، إلا أن مشهد طواحين الهواء في لا مانشا وقت الغروب بأذرعها المتقاطعة مع ألوان السماء المكتسية بالأرجواني والبرتقالي، تشكل جزءا أصيلا من المخيلة الجمعية لأجواء واحدة من أهم وأشهر الأعمال التي كتبت في تاريخ الأدب الإنساني.

آنا لاثارو بيردي
الجمعة 10 يونيو 2016