عقب ذلك، انتقلت واشنطن من سياسة الضغط السياسي والعقوبات إلى الخيار العسكري، ونفذت عملية خاطفة في كراكاس أسفرت عن اعتقال مادورو وزوجته ونقلهما إلى نيويورك لمواجهة اتهامات تتعلق بتهريب المخدرات.
قبل العملية، كانت الإدارة الأميركية قد حسمت خيارها بشأن البديل المرحلي، مفضِّلة نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز باعتبارها أكثر براغماتية وقابلية للتعامل، ولا سيما في ملف النفط.
من هي ديلسي رودريغيز في الحسابات الأميركية؟
سياسية فنزويلية من مواليد 1969، شغلت منصب نائبة الرئيس، وتولت فعليًا إدارة الملف الاقتصادي والنفطي.
ابنة مناضل ماركسي يساري توفي في السجن عام 1976، وقد درست القانون وتخصصت في قانون العمل، وتلقّت جزءًا من تعليمها في فرنسا.
صعد نجمها في عهد مادورو بدعم من شقيقها خورخي رودريغيز، أحد أبرز مهندسي النظام سياسيًا.
تُنسب إليها إدارة التحول الاقتصادي الأخير في فنزويلا: من اشتراكية متصلّبة إلى نموذج رأسمالي متحرر مشوَّه، مع تحقيق قدر من الاستقرار وزيادة تدريجية في إنتاج النفط رغم العقوبات.
بنت علاقات وثيقة مع نخب الأعمال والمستثمرين والدبلوماسيين، وقدّمت نفسها كتكنوقراطية هادئة مقارنة بالدائرة الأمنية الصلبة المحيطة بمادورو.
لم تُدن علنًا القمع أو الفساد، ما يجعلها في نظر كثيرين جزءًا من إعادة تدوير النخبة الحاكمة لا بديلًا ديمقراطيًا.
رأت واشنطن في رودريغيز شخصية قادرة على حماية الاستثمارات النفطية الأميركية و«إدارة» مرحلة انتقالية مستقرة، حتى لو كانت من داخل النظام نفسه.
في المقابل، تجاهلت الإدارة الأميركية زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، رغم فوز معسكرها في انتخابات 2024 وحصولها على جائزة نوبل للسلام، معتبرة أنها تفتقر إلى «الدعم والاحترام» اللازمين للحكم.
أعلن ترامب صراحة نية الولايات المتحدة «إدارة» فنزويلا لفترة غير محددة واستعادة مصالحها النفطية، في تعبير واضح عن أولوية المصالح الاقتصادية والأمنية على الاعتبارات الديمقراطية.
رغم قبولها الواقعي بالدور الأميركي، أدانت رودريغيز علنًا العملية العسكرية ووصفتها بـ«الغزو غير القانوني»، وأكدت أن مادورو لا يزال الرئيس الشرعي، في خطاب مزدوج يهدف إلى تهدئة الجيش وأنصار النظام.
أبقت واشنطن العقوبات النفطية قائمة كأداة ضغط، مع نقاش داخلي حول تخفيفها لاحقًا إذا التزمت القيادة الجديدة بالشروط الأميركية.
ما جرى لا يمثل انتقالًا ديمقراطيًا، بل إعادة هندسة للسلطة في فنزويلا: استبدال رأس النظام بشخصية من داخله تُعد «قابلة للإدارة»، بما يضمن استقرارًا محدودًا وحماية المصالح الأميركية في الطاقة، على حساب الشرعية الانتخابية والتحول الديمقراطي الحقيقي


الصفحات
سياسة









