وقفة احتجاجية لذوي المعتقلين على يد القوات الإسرائيلية في الجنوب السوري أمام المقر الرئيس للأمم المتحدة بدمشق للمطالبة بكشف مصيرهم ـ 19 أيار 2026 (عنب بلدي) ركان الخضر image
ويقدّر عدد المعتقلين بـ47 معتقلًا من محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق.
أهالي وذوو المعتقلين في السجون الإسرائيلية عمدوا إلى تنظيم وقفة أمام المقر الرئيس للأمم المتحدة في دمشق، تعبيرًا عن رفضهم لممارسات الجيش الإسرائيلي واعتقال ذويهم، مطالبين بالكشف عن مصيرهم.
وتضمنت الوقفة، التي نفذت في 19 من أيار الحالي، تسليم المطالب إلى الفريق الأممي في دمشق، وفقًا لمراسل عنب بلدي.
تحاول عنب بلدي الوقوف على المسارات والإجراءات القانونية الممكن اتباعها وفق القانون الدولي لمساءلة إسرائيل عن عمليات الاعتقال التي تمارسها في الجنوب السوري، بالإضافة إلى أهمية توثيق هذه العمليات، والمسؤولية الواقعة على الحكومة السورية في متابعة الملف مع الجهات الدولية.
المسارات القانونية لرفع شكاوى
قال مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، إن الاحتجاز الإسرائيلي للسوريين يُكيَّف في ضوء نظام القانون الدولي الإنساني الخاص بالاحتلال العسكري، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، ونظامها المتعلق بحماية الأشخاص المحميين، وخاصة في مادتيها 27 و42.وأضاف أن “الشبكة السورية” وثقت منذ كانون الأول 2024 حالات احتجاز تعسفي لسكان من جنوبي سوريا، ونقلهم قسرًا إلى إسرائيل، وهو ما يشكل انتهاكًا صريحًا للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر النقل القسري من الأراضي المحتلة.
وأشار إلى أن مجلس حقوق الإنسان طالب في مناسبات متكررة بالإفراج عن المعتقلين السوريين في السجون الإسرائيلية، بمن فيهم المحتجزون منذ أكثر من 30 عامًا.
وبيّن عبد الغني أن الإجراءات القانونية المتاحة للشكوى على إسرائيل بخصوص عمليات الاعتقال التي تمارسها في الجنوب السوري تشمل عدة مسارات، يتمثل الأول في آليات الأمم المتحدة، من خلال توجيه شكاوى موثقة إلى المقرر الخاص المعني بالتعذيب، والمقرر الخاص المعني بالاحتجاز التعسفي، فضلًا عن الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري.
كما يملك مجلس حقوق الإنسان، بحسب عبد الغني، صلاحية تبنّي قرارات مخصصة للمعتقلين السوريين، على غرار القرار “A/HRC/22/L.3” الذي طالب صراحة بالإفراج عنهم، بالإضافة إلى لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، المنشأة بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان “S-17/1” لعام 2011، التي تملك تفويضًا قابلًا للتوسيع ليشمل الانتهاكات المرتكبة ضد السوريين من أي طرف.
بينما يتعلق المسار الثاني، وفق مدير “الشبكة السورية”، بمحكمة العدل الدولية، عبر استغلال امتلاك سوريا، بوصفها دولة طرفًا في اتفاقية جنيف الرابعة وسائر معاهدات حقوق الإنسان ذات الصلة، أهلية رفع دعوى أمام المحكمة استنادًا إلى الاختصاص القائم على المعاهدات، مثل اتفاقية مناهضة التعذيب أو العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بشريطة توفر شرط الاختصاص بين الدولتين.
ونوه عبد الغني إلى أن المسار الثاني تعترضه بعض المعوقات، بسبب غياب قبول إسرائيل للولاية الإلزامية للمحكمة، الأمر الذي يقيّد هذا المسار وفق مبدأ الاختصاص القائم على الرضا.
وبيّن مدير “الشبكة” أن المسار الثالث يتمحور حول الولاية القضائية العالمية، مشيرًا إلى أنه المسار الأكثر قابلية للتفعيل في المدى المنظور، عبر تقديم ملفات قانونية عن طريق منظمات حقوق الإنسان إلى دول تعترف بمبدأ الولاية القضائية العالمية، مثل ألمانيا وهولندا وبلجيكا، استنادًا إلى الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف، وتحديدًا جرائم النقل القسري والاحتجاز التعسفي بوصفها جرائم حرب وفق المادة 8 (2)(أ) من نظام روما الأساسي.
أهمية التوثيق الاسمي والملفات الفردية
تضمن بيان ذوي المعتقلين أمام المقر الرئيس للأمم المتحدة، أن ما يتعرض له المعتقلون هو جريمة “اختفاء قسري مكتملة الأركان”، تضرب بعرض الحائط جميع القوانين الدولية واتفاقيات جنيف المعنية بحماية المدنيين.وأكد البيان أن هؤلاء المختفين قسرًا قد وُثقت أسماؤهم وملفاتهم رسميًا بشكل دقيق لدى فريق الأمم المتحدة المعني بحالات الاختفاء القسري، مطالبًا بالتحرك الفوري بالضغط لإطلاق سراح المعتقلين.
مدير “الشبكة السورية”، فضل عبد الغني، أكد أن أي ملف قانوني دولي، يُشترط التحقق من الهوية الفردية لإثبات شخصية الضحية وصفتها القانونية المحمية، فمعايير لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وإجراءات اللجان التعاهدية الأخرى تستلزم تقديم شكاوى فردية تتضمن بيانات هوية المعتقل، وتاريخ الاحتجاز وظروفه، مما يجعل قاعدة البيانات الاسمية ركيزة إجرائية لا يمكن الاستعاضة عنها.
وأضاف أن التوثيق، وهو ما تركز عليه “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، يُمكّن من إثبات ثلاثة عناصر جوهرية، تتمثل في إثبات النمط الممنهج الذي يرفع الانتهاكات الفردية إلى مستوى جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، وفق ركن الاتساع والمنهجية في المادتين 7 و8 من نظام روما الأساسي.
ويتركز العنصر الثاني على دحض إنكار الاحتجاز، إذ دأبت إسرائيل في حالات كثيرة على إنكار احتجاز أشخاص بعينهم، مما يجعل التوثيق المستقل عنصرًا مركزيًا يُسهم في تقويض هذا الإنكار وترسيخ مسؤولية الدولة.
عبد الغني تابع أن العنصر الثالث يتناول تفعيل آلية الاستفسار الفردي أمام هيئات المعاهدات، إذ إن اللجان التعاهدية، ولا سيما لجنة حقوق الإنسان واللجنة الفرعية لمنع التعذيب، تشترط ملفات فردية محددة لأي تدخل في حالات الاحتجاز، مبيّنًا أن الزاوية التوثيقية المتخصصة لـ”الشبكة السورية” تشترط أن يشمل الملف اسم المعتقل وتاريخ ميلاده، وظروف الاعتقال ومكانه، وتاريخ النقل إلى الأراضي الإسرائيلية إن وُجد، ومعلومات الاتصال بالأسرة، وأي معلومات متاحة عن مكان الاحتجاز أو الوضع الصحي، نظرًا إلى أهمية هذه العناصر في تحويل الادعاء العام إلى دليل إجرائي مقبول أمام الهيئات الدولية.
مسؤولية الحكومة السورية في الملف
لم تقتصر تحركات ذوي المعتقلين على الوقفة الاحتجاجية أمام المقر الرئيس للأمم المتحدة في دمشق، فقد سبقتها وقفة أخرى أمام وزارة الخارجية والمغتربين السورية، ضد الاعتقالات التعسفية التي تمارسها إسرائيل في الجنوب السوري.وطالب المحتجون، في 26 من نيسان الماضي، الدولة السورية بالسعي للإفراج عنهم، ودعوة المجتمع الدولي والأمم المتحدة للتدخل بالكشف عن مصير المعتقلين.
رئيس التجمع، حسن سعد الدين، وهو والد معتقل لدى إسرائيل، قال لعنب بلدي، حينها، إن لجنة من وزارة الخارجية السورية التقت الأهالي، وتم عرض مطالبهم المتضمنة التدخل لإنهاء الاعتقالات التعسفية، والإفراج عن المعتقلين وشرح التفاصيل عنهم، مضيفًا أن اللجنة المشكّلة في وزارة الخارجية وعدت بمتابعة أوضاع المعتقلين.
مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، أوضح أن الحكومة السورية الانتقالية تعد صاحبة الصفة القانونية الأصيلة في ملاحقة هذا الملف، بوصفها الجهة التي تمثل الدولة المعنية أمام الهيئات الدولية، مشيرًا إلى أن مسؤوليتها القانونية والسياسية تشمل مستويين، الأول يتعلق بالالتزامات التعاهدية، من خلال استغلال وجود سوريا في اتفاقية جنيف الرابعة، وفي اتفاقية مناهضة التعذيب مع تحفظات، لافتًا إلى أن هذه المعاهدات تلزمها بالمطالبة بالإفراج عن مواطنيها المحتجزين بصورة غير مشروعة.
كما أن الفقرة الأولى من المادة الأولى المشتركة لاتفاقيات جنيف تلزم الأطراف بضمان احترام الاتفاقيات، وهو التزام يقتضي الاحتجاج الدبلوماسي والسعي إلى الإنفاذ الدولي.
بينما يتمحور المستوى الثاني، بحسب عبد الغني، بالصفة أمام محكمة العدل الدولية، التي تجعل الدولة السورية الجهة الوحيدة المخوّلة قانونًا باللجوء إلى محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل في هذا الملف، كون الاختصاص أمام المحكمة يقتصر على الدول، الأمر الذي يجعل أي مسار قانوني أممي رفيع المستوى يستلزم تبنيًا حكوميًا رسميًا.
كابوس يؤرق سكان الجنوب
بات ملف الاعتقالات الإسرائيلية في الجنوب السوري كابوسًا يؤرق السكان في ظل غياب أي ردع للعمليات الإسرائيلية، الأمر الذي دفع الأهالي لرفع صوتهم ونقل معاناتهم إلى الجهات المسؤولة المحلية الدولية.ويأمل الأهالي من هذه الخطوة سماع صوتهم ونقل معاناتهم إلى الجهات القانونية المختصة، بحثًا عن الوصول إلى ذويهم المفقودين والمختفين قسرًا دون أي معلومة تشرح أوضاعهم أو تفسّر ظروف اعتقالهم.
وتبقى الوقفات الاحتجاجية لذوي المعتقلين بحاجة إلى خطوات عملية من الحكومة السورية والمنظمات الدولية، سعيًا لإيصال الملف إلى الجهات القانونية المختصة، وأملًا في مساءلة إسرائيل عن جميع انتهاكاتها في الجنوب السوري.


الصفحات
سياسة








