تروي سهام لعنب بلدي تفاصيل تلك المأساة التي صبغت حياتها بلون العجز المبكر، قائلة، “منذ تلك اللحظة بدأت معاناتي التي لم تنتهِ، خاصة مع رحلة تركيب الأطراف الصناعية”.
“استغرقتُ ما بين أربع إلى خمس سنوات حتى استطعتُ التأقلم مع الطرف الصناعي، لكن العذاب الحقيقي يكمن في التنقل المستمر إلى دمشق”، أضافت سهام، إذ إن مستشفى الأطراف الصناعية في منطقة برزة بدمشق بات وجهة مجهدة لها، كونها شبه عاجزة جسديًا، وهو ما حرمها من استكمال تعليمها لتتوقف عند الصف السادس الابتدائي فقط.
وترى سهام أن غياب الداعم الحقيقي لحالتها ولغيرها من المصابين يسبب حالة نفسية واجتماعية مضاعفة، خاصة وأن معظم الضحايا يعيلون عائلات في ظروف معيشية قاسية.

من الإصابة إلى العمل الإنساني

قصة سهام تتقاطع في فصولها مع حكاية عادل محمد الخالد، الذي أصيب في 20 من أيار 1988 بانفجار لغم زرعه جيش النظام السابق شرقي بلدة خان أرنبة.
أشار عادل، في حديثه لعنب بلدي، إلى مفارقة توصف بالمؤلمة، إذ كان من المفترض أن تكون هذه الألغام في خط الدفاع الأول غربي البلدة، لكنها كانت مزروعة في مناطق مدنية شرقًا.
الحادثة أدت إلى وفاة شخص وإصابة ستة آخرين، كان نصيب عادل منها فقدان بصره بالكامل.
قال عادل، “انقلبت حياتي رأسًا على عقب، ودخلت في حالة نفسية سيئة استمرت لعام ونصف”.
لكن وبدعم من صديق دراسة، استعاد عادل توازنه، تزوج وبنى منزلًا، وأسس جمعية للمكفوفين عام 1997.
ولم يتوقف طموحه عند هذا الحد، بل أتم دراسته في قسم التاريخ عام 2007، وتسلّم رئاسة جمعية المصابين بالألغام عام 2012.
اليوم، يخوض عادل معركة من نوع آخر، وهي استعادة حقوق الجمعية المصادَرة، حيث يكشف عن وجود مصنع للأطراف الصناعية كان منحة من اليابان، لكن الأجهزة الأمنية صادرت جميع معداته ومنعت تفعيله، ولا يزال مصير تلك المعدات مجهولًا، في حين تم الاستيلاء على مقر الجمعية وتحويله إلى سكن وظيفي.

صرخة من أجل معمل الأطراف المصادَر

من جانبه، سلّط رئيس مجلس الإدارة العامة لتأهيل ورعاية المصابين بالألغام، ماهر حمود، الضوء على الجانب المؤسساتي والخدمي الغائب.
أكد حمود لعنب بلدي، أن محافظة القنيطرة تسجل واحدة من أعلى نسب الإصابة بالألغام بين المحافظات السورية، نظرًا إلى أنها منطقة صراع مباشر مع إسرائيل، بالإضافة إلى مخلفات الحروب المتعاقبة.
وكشف حمود عن “تراجع حاد” في الدعم، حيث كان فرع الهلال الأحمر السوري يقدم مساندة منذ عام 2014، إلا أن هذا الدعم توقف تمامًا منذ سنتين.
وفيما يخص معمل الأطراف الصناعية المصادَر، أوضح حمود أنهم بحثوا طويلًا عن مكان وجوده لإعادته إلى القنيطرة، بهدف تخفيف معاناة المصابين الذين يضطرون لقطع مسافات طويلة نحو دمشق لتأمين وصيانة أطرافهم.
ووجه حمود نداء عبر عنب بلدي لمطالبة الحكومة السورية بإعادة المعمل وتخصيص دعم مالي للمصابين، مشيرًا إلى أن الجمعية، وبالرغم من إمكانياتها المحدودة، تحاول تلبية احتياجات 245 مصابًا مسجلًا لديها، يمتدون من شمال المحافظة إلى جنوبها، ومعظمهم أرباب أسر بحاجة ماسة للرعاية.

‏إحصائيات “مقلقة” وجهود لـ”المساحات الآمنة”

منذ عام 1987 حتى العام الحالي، سجلت إحصائيات الهلال الأحمر السوري 507 حالات بين ضحية ومصاب بالأجسام المتفجرة، منهم 380 حالة وفاة و127 إصابة دائمة، بحسب رئيس فرع الهلال الأحمر في القنيطرة، ربيع عثمان.
وقال عثمان لعنب بلدي، إن فرق الهلال تتابع المصابين وتقدم المساعدة في مجال الأطراف الصناعية والدعم النفسي عبر برامج متخصصة.
ولفت عثمان إلى أن نقص المعرفة بمخاطر الأجسام المتفجرة هو السبب الرئيس وراء سقوط معظم الضحايا، مشيرًا إلى أن قرى خان أرنبة ونبع الصخر وحضر وجبا والحميدية والرفيد هي الأكثر تضررًا.
وللحد من هذه الظاهرة، يعمل فريق الأعمال الإنسانية على تخصيص “مساحات آمنة” للعب الأطفال، ومنها تجهيز حديقة “مدينة السلام” بالألعاب لتكون ملاذًا بعيدًا عن خطر الموت المدفون تحت التراب.
وعلى الصعيد الوطني، لا تزال الأرقام تثير القلق، إذ توثق التقارير الحقوقية استمرار سقوط الضحايا بمعدلات مرتفعة، حيث بلغت أعداد القتلى المدنيين بسبب الألغام ومخلفات الحرب منذ سقوط النظام حتى آذار الماضي نحو 789 شخصًا، بينهم 236 طفلًا.
وتعزو التقارير الدولية هذا الارتفاع إلى زيادة تعرض المدنيين للمخاطر في مناطق النزاعات النشطة والمخازن المهجورة.
وتبقى صرخة ضحايا الألغام في القنيطرة معلقة بين المطالبة بحقوق جمعياتهم المصادَرة، وبين الحاجة الماسة لخدمات طبية وتأهيلية قريبة تغنيهم عن عناء السفر.