تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

إدارة الصراع على الجغرافيا السورية

26/03/2026 - عدنان عبدالرزاق

بروفات فاشلة في دمشق

24/03/2026 - ماهر حميد


نذور المسلمين والمسيحيين لكنيسة القديسة تريزا نموذج للتسامح التاريخي




القاهرة - عصام فضل - في الوقت الذي يسود فيه الأوساط السياسية المصرية جدلا واسعا يتعلق بمخاوف من عدم إمكانية تحقيق حلم الدولة المدنية بسبب تصدر التيارات الإسلامية للمشهد السياسي وحصول حزبي العدالة والحرية الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين ، والنور السلفي على أغلبية مقاعد المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية ، يقبع مبنى كنيسة سانت تريزا بحي شبرا " القريب من وسط القاهرة " منذ نحو مئة عام ليقدم نموذجا للتسامح يضرب في جذور التاريخ ويمتد إلى الجدل القائم حول تأثير صعود الإسلاميين في البرلمان على حلم الدولة المدنية بشكل عام ، ومستقبل العلاقة بين نسيج الوطن الواحد من مسلمين ومسيحيين بشكل خاص ، فبرغم كون المبنى يبدو من الخارج كأي كنيسة أخرى قد تصادفها في مصر أو أي بلد آخر ، إلا أن المشهد من الداخل لا يتشابه بأي حال مع أي كنيسة أخرى ، فتجد الزائرين مسلمين ومسيحيين ، وربما من جنسيات عديدة ، حضروا جميعا للتبرك بالأم تريزا وطلب شفاعتها في أمر ما ، ويحرص معظم هؤلاء على تدوين نذرهم على لوحات رخامية تملأ جدران الكنيسة وتجسد نموذجا للتعايش الإنساني الذي لا يهتم بديانة الشخص أو جنسيته .


نذور المسلمين والمسيحيين لكنيسة القديسة تريزا نموذج للتسامح التاريخي
ربما لم يدر بخلد الآباء الكرمليين الذين جاءوا من مدينة حيفا عام 1926 إلى مصر ليبنوا كنيسة سانت تريزا في قلب القاهرة عام 1930 ، أن تتحول الكنيسة التي تتبع المذهب الكاثوليكي إلى منارة للعالم ومقصد للجميع سواء المسلمين أو المسيحيين باختلاف طوائفهم أو أصحاب الديانات غير المعروفة ، وربما أيضا كان من قبيل الصدفة أن تنشئ الكنيسة بحي شبرا المعروف بارتفاع نسبة السكان المسيحيين به ، وهو الحي الذي لم يشهد حادثة طائفية واحدة حتى في الأوقات التي شهدت توترات طائفية وحوادث طائفية في مناطق عديدة من مصر ليقدم الحي بدوره نموذجا فريدا أيضا في التعايش بين المسلمين والمسيحيين ينسجم مع النموذج الذي تقدمه الكنيسة نفسها ، حيث اعتبر الكثير من المحللين " حي شبرا " نموذجا لتسامح الشعب المصري والوسطية الدينية التي تقوم على قبول الآخر .

ورغم أن القديسة تريزا لم تزر مصر ولا مرة واحدة، حيث ولدت وعاشت وماتت في فرنسا، إلا أن الكنيسة التي تحمل اسمها في مصر ما زالت تجسد المكانة التي تتمتع بها بين المصريين جميعا مسلمين ومسيحيين على مر العصور ، وهو ما يتجسد في اللوحات الرخامية التي حرص أصحابها على تسجيل نذورهم وشكرهم للأم تريزا ، وهي لوحات تملأ معظم جدران الكنيسة حتى أن القائمين عليها يبحثون عن المزيد من الجدران لوضع اللوحات الجديدة .

وتمتد لوحات تسجيل النذور إلى بدايات إنشاء الكنيسة وبالعديد من اللغات منها العربية والانجليزية والفرنسية واليونانية والصينية ، ويعود عدد كبير منها إلى شخصيات مشهورة في المجتمع المصري منذ منتصف القرن الماضي ، بينهم الفنان عبدالحليم حافظ ، والموسيقار محمد عبدالوهاب ، والفنانة صباح ، والفنانة نجاة ، حتى أن خليل حسن عم الزعيم المصري جمال عبدالناصر حرص على تسجيل نذره وشكره للقديسة تريزا في لوحة رخامية ، كما تمتلئ الجدران بلوحات رخامية تحمل تواريخ حديثة وضعت جنبا إلى جنب لا فرق فيها بين مسلم ومسيحي .

بسبب الإقبال الواسع على زيارة الكنيسة لجأ القائمون عليها إلى تحديد مواعيد للزيارة على فترتين إحداهما صباحية وأخرى مسائية ، طوال أيام الأسبوع ، باستثناء يومي الأحد والجمعة ، حيث تكون فترة الزيارة طوال اليوم من السابعة صباحا حتى السابعة مساء ، حيث يشهد اليومان زحاما وإقبالا كبيرا على الزيارة ، ويقول الأب كيرلس الكاهن بالكنيسة : " الجميع يحضر إلى هنا لا فرق بين مسلم ومسيحي ، وكثيرا ما تجد نساء يرتدين النقاب أو الحجاب يحضرن إلى الكنيسة وهو أمر مألوف لا يثير أي دهشة " ، ويضيف " المشاحنات أو الخلافات التي قد تشهدها الحياة بين الأشخاص وبعضهم أو حتى بين الأصدقاء وأبناء العائلة الواحدة تذوب هنا بمجرد الدخول إلى الكنيسة لأننا جميعا بشر " .

ويرى الأب كيرلس أن حضور نساء يرتدين النقاب أو الحجاب للكنيسة أمر لا يثير الدهشة على الإطلاق ، ويقول " برغم الفكرة العامة التي يراها الناس في النساء مرتديات النقاب بأن ملابسهن قد توحي بالتشدد ، إلا أنني أرى لدى معظم الزائرات منهن قدرا كبيرا من التسامح لا يختلف عن أي شخص آخر ، فعندما تتحدث إلى واحدة منهن تجدها لا تختلف عن أي امرأة أخرى " ، ويضيف " زوار الكنيسة هنا يجسدون نموذجا للحب ، الذي يشكل أحد أسباب الشهرة الواسعة التي تحظى بها الأم تريزا ، فقد كانت لديها قدرة على حب البشر بغض النظر عن ديانتهم فأحبها الناس من جميع الديانات ، وهذا النموذج الذي يقدمه المصريون يؤكد أن الذين يخلطون الدين بالسياسة سيكتشفون مع الوقت أن الشعب المصري أكثر تسامحا من التأثر بأي أفكار متطرفة " .

يرى المفكر القبطي مؤسس جماعة " الأقباط العلمانيين " كمال زاخر ، أن الحالة التي تجسدها كنيسة سانت تريزا هي " امتداد طبيعي للتناقض الظاهري الموجود في المجتمع المصري ، حيث يعتنق المصريون رسميا المذهب السني ، في حين أنهم يقدسون أل البيت أكثر من الشيعة أنفسهم " ، ويقول " وهو أمر إن كان يعكس تناقضا ظاهريا ، لكن في جوهره يشكل أحد صمامات الأمان في المجتمع الذي يحمل في تركيبته الثقافية منذ قديم الأزل قدرة كبيرة على قبول الآخر فهو يؤمن بالمذهب السني لكنه يحتفي بآل البيت أكثر من الشيعة ، وهو أيضا يقدس الأولياء والقديسين بنفس الدرجة " ، ويضيف " الموضوع له مردود تاريخي قديم منذ الفراعنة حيث الإيمان بعقيدة الخلود والعالم الآخر وهو إيمان سابق على الأديان جميعا ، وهو ما يدفع المصريين إلى عدم التفرقة بين القديسين والأولياء في التوجه إليهم والحصول على بركتهم لقضاء حاجاتهم " .

ويصف الناشط السياسي المنسق العام الأسبق للحركة المصرية من أجل التغيير " كفاية " جورج اسحق الأمر بأنه " شكل من أشكال الثقافة المصرية الممتدة في العقل الجمعي لجميع المصريين والتي لا تفرق بين قديس وولي وتقوم على مبدأ التسامح وقبول الآخر " ، ويقول " قبل ظهور تيارات الإسلام السياسي لم يكن المجتمع المصري يفرق بين مسلم ومسيحي ، وهو أمر يشكل عقل ووجدان المجتمع ، وستظل مصر منارة للتسامح ولن تتأثر بمحاولات إقحام الدين في السياسة " .


عصام فضل
السبت 24 ديسمبر 2011