غير أن الأمور لم تجرِ على نحو ما خطّط له سيّد الكرملين. فهو إذ اعتقد أن تدخّلاته في السنوات الأخيرة في جورجيا وأوكرانيا إياها ثم حربه الشاملة في سوريا التي لم يتصدّ له الغربيون فيها ستتجدّد مساقاتها خلال اجتياحه لأوكرانيا، فوجئ بردّ الفعل الأوروبي والأمريكي عليه، وفوجئ أكثر من ذلك بتماسك الأوكرانيين المستمرّ في مواجهة جيشه. ورغم الدمار الرهيب الذي أحدثه القصف الروسي في البنية التحتية الأوكرانية وتدميره الموانئ والمطارات والمرافق الحيوية الكبرى، ورغم تقدّم الجيش الروسي وميليشيا فاغنر في بعض المواقع شرق البلاد وجنوبها وتهجيرهم الملايين من السكان، إلا أن التسليح الغربي النوعي للأوكرانيين ودفاع الأخيرين المستميت عن مدنهم كبّد القوّات الغازية خسائر فادحة لم تكن في الحسبان. كما أن الاعتقاد بتراجع الأوروبيين مع الوقت عن دعم كييف نتيجة حاجتهم الحيوية للغاز الروسي لم يكن في محلّه. فهم بدأوا بالتحوّل عنه نحو الغاز المسيّل (الذي يتمّ شراؤه من أمريكا والنروج والجزائر وقطر) وتعزيز مشاريع الطاقة البديلة. كما أنهم شاركوا الأمريكيين في فرض عقوبات شديدة الإيذاء على الاقتصاد الروسي وعلى آلاف الأفراد والشركات المرتبطين بالنظام في موسكو. والأهم ربما أنهم نجحوا حتى الآن في إيجاد توازن بين مواقف دولهم المختلفة، الأكثر والأقل قرباً إلى الجبهة الأوكرانية، وصاروا اليوم في دينامية تفاوضية داخلية تعدّ الحرب «على الجبهة الشرقية» جزءاً من واقع عليهم التعايش معه طويلاً. وفي هذا تبدّل سينعكس على موازنات الدفاع والأمن وعلى المقاربة الأوروبية للتحالفات العالمية القديمة أو المستجدة.
الإستنزاف وخريطة العلاقات الدولية المستقرّة
بالعودة إلى حصيلة الحرب بعد عام من اندلاعها، يمكن القول إن التطوّرات الميدانية والديبلوماسية والاقتصادية تُفيد بتحوّل الاجتياح الروسي إلى حرب استنزاف لروسيا لا قدرة لها على الخروج منها من دون ادّعاء تحقيق أهداف الاجتياح أو بعضها. وهذه، من إسقاط الحكم الأوكراني إلى فرض الضم القسري لمنطقة الدونباس وجزيرة القرم وانتزاع اعتراف عالمي بذلك، ليست قريبة أو حتى ممكنة المنال.
في المقابل، لا تبدو العقوبات الغربية على موسكو ومعها المساعدات العسكرية والمالية لكييف وكفاءة الوحدات العسكرية الأوكرانية كافية بعدُ لإخضاع بوتين ودفعه إلى الاعتراف بفشله ووقف عدوانه.
كما أن الرهانات الروسية على دعم صيني اقتصادي كبير وعلى إحداث انقسامات في المعسكر الغربي وعلى تعديل جذري للمواقف في الجمعية العامة للأمم المتحدة لم يتحقّق منها إلا القليل. فالصين إذ تكتفي بالامتناع عن التصويت على القرارات الأممية المُدينة لموسكو، لا تبدو على عجلة في التعامل مع الحرب وتبعاتها. فهي تراقب الأحداث والديناميات وفي ذهن قادتها قضية ضمّ تايوان يوماً وما يمكن أن تتسبّب به من ردود أفعال سياسية ومن تطوّرات عسكرية ميدانية. وهي تعيد ترتيب أولوياتها الاقتصادية بعد انحسار آثار أزمة كوفيد الكبرى وارتفاع أسعار المواد الأولية عالمياً. ولا يكفي شراؤها المتعاظم للغاز الروسي لتعويض المقاطعة الأوروبية للأخير. بمعنى آخر، ليست الصين في وارد المجازفة بمجموعة أمور تلبيةً لحاجات الكرملين، وهي التي ترى نفسها القوّة العظمى الوحيدة القادرة على منافسة واشنطن مستقبلاً.
والمعسكر الغربي، أو أمريكا وكندا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي (وحلفاؤهم أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية) لم ينقسم رغم تفاوت الدعم المقدّم من أطرافه إلى أوكرانيا وتعدّد «اللهجات» السياسية المعتمَدة في مواجهة موسكو. ولم تشكّل قضية الطاقة، كما أشرنا، وارتفاع أسعار السلع منطلقاً لتبرير أي تراجع عن دعم كييف. إلا أن التحدّي المطروح عليه يرتبط بقدرته على المديين المتوسط والطويل على إقناع الرأي العام بضرورة رفع موازنات الدفاع وإنتاج الأسلحة والذخائر على حساب موازنات أُخرى، بعضها اجتماعي ومؤثّر على معيشة قطاعات واسعة من الناس. وهذا ليس بالطبع سهلاً. وهو يرتبط أيضاً بقدرة الأوروبيين تحديداً على بلورة سياستين خارجية ودفاعية يتخطّى التنسيق فيها الآني أو الراهن الحربي نحو صياغة استراتيجية أوروبية في التعامل مع الدول والتكتّلات الكبرى الحليفة والمنافسة والمعادية على حدّ سواء.
أما الجمعية العامة للأمم المتّحدة، فلم يتغيّر في تعداد أصواتها شيء بين التصويت الذي جرى في 2 آذار/مارس 2022 وذاك الذي جرى في 23 شباط/فبراير 2023. ففي التصويت الأول، أدانت 141 دولة العدوان الروسي، وعارضت الإدانة 5 دول هي روسيا وبيولوروسيا وكوريا الشمالية وسوريا (الأسد) وأريتريا، في حين امتنعت 35 دولة عن اتخاذ موقف. وفي التصويت الثاني، أدانت 141 دولة العدوان، وعارضته 7 دول (أضيفت إلى المذكورة أعلاه مالي ونيكاراغوا) وامتنعت 32 دولة عن التصويت.
وإذا كانت خريطة الدول الممتنعة عن التصويت تبدو الأكثر إثارة للاهتمام السياسي نظراً لكونها جميعها (باستثناء كوبا والسلفادور وبوليفيا) في أفريقيا وآسيا، فإنه من الخطأ اعتبارها، على ما ينحو بعض المحلّلين، منطلقاً لتحالف أو لمعسكر عالميّ جديد، يذكّر بدول عدم الانحياز. ذلك أن التدقيق في هذه الخريطة يُظهر حجم العداوات أو التنافس بين أقطابها، ويُظهر أيضاً رغبة كثرة منها في إرسال رسائل «انتقام» إلى الغرب أكثر منها رسائل «تأييد مبطّن» لموسكو. فلا الصين والهند وباكستان وأوزبكستان وكازاخستان وفييتنام يمكن اعتبارها جبهة آسيوية (والعلاقات الثنائية بين معظمها شديدة السوء) متماسكة داخلياً أو تجاه موسكو أو في مواجهة «الغرب». ولا جنوب أفريقيا وأنغولا وأثيوبيا والسودان والجزائر والغابون والكونغو وسواها قوّة أفريقية صاعدة، أو قادرة على توحيد مواقفها تجاه واشنطن وبروكسيل وموسكو.
وحتى إذا نظرنا إلى دولتين تقيمان مع روسيا علاقة وثيقة في سوريا، إيران حليفتها، وتركيا التي تتعاون وإياها في أكثر من ملف وتواجهها في ملفات أخرى، نرى أن الأولى اكتفت بالامتناع عن التصويت والثانية صوّتت مع إدانة عدوانها على أوكرانيا. وهذا يشي بالكثير سياسياً، إذ أن إيران رغم خطابها ومواقفها المعلنة من الغرب، ما زالت تعوّل عليه للوصول إلى اتفاق نووي جديد وإلى رفع للعقوبات وسماح بالاستثمارات وباستيراد تكنولوجيات لا يمكن لا للصين ولا لروسيا أن تكونا بديلاً في مجالاتها. وتركيا التي يُبقي رئيسها علاقة خاصة بفلاديمير بوتين للعب دور الوساطة بينه وبين خصومه ولجذب أموال روسية إلى البنوك والشركات التركية ولاستثنائية موقع بلاده بين البحرين الأسود والمتوسّط وبين آسيا وأوروبا، تركيا هذه، تبيع الطائرات المسيّرة الفتّاكة إلى أوكرانيا وتُدين اجتياح أراضيها. وهي تفعل ذلك بعد أن واجهت حلفاء روسيا عسكرياً في ليبيا وإقليم قراباخ وبعد أن عادت إلى ابتزاز أوروبا وحلف شمال الأطلسي بذريعة أمنها واقتصادها.
بهذا المعنى، لا يبدو أن تغيّراً جذرياً طرأ على مجمل التوازنات والعلاقات الدولية خلال عام من الحرب الروسية على أوكرانيا. ولا يبدو كذلك أن أعلى هرم القوى العظمى سيكون عرضة لأي تبدّل قريب مع استمرار الحرب واحتمالات أن تطول كثيراً.
المرجّح أكثر من أي شيء الآن، هو أن يتكيّف العالم مع هذه الحرب ومع تنوّع إيقاعاتها واستنزافها لروسيا ولما بقي من بنية دولتية أوكرانية، وأن تُعيد الدول الكبرى جميعها وبعض المنظومات الإقليمية حساباتها الاقتصادية والأمنية في انتظار تبلور مشهد جديد، بعناصر قد يبقى معظمها متقادم
-------------…
القدس العربي