ارتفاع معدل حالات الانتحار في امريكا يدق أجراس الخطر



واشنطن - أندريا بارتلمي – كانوا ناجحين وجذابين، ويتمتعون بحياة مميزة، ولكنهم كانوا يائسين بدرجة مخيفة، في البداية كانت "كيت سبيد"، وتبعها "أنتوني بوردين"، آخر حوادث انتحار المشاهير التي صدمت مشاعر الجمهور الأمريكي، الأولى مصممة أزياء ذائعة الصيت والثاني نجم الطهي التليفزيوني، لتقفز حوادث الانتحار إلى سطح اهتمامات الرأس العام الأمريكي، على الرغم من أنه ظل من التابوهات المسكوت عنها لفترة طويلة في الوقت الذي تزايدت فيه معدلات الانتحار بوتيرة متسارعة.


 
تشير البيانات إلى أن 45 ألف أمريكي انتحروا عام 2016، بزيادة تصل إلى 25% مقارنة بعام 1999، وما يعادل ضعف عدد ضحايا جرائم القتل في العام نفسه. يكفي أنه في نفس أسبوع انتحار سبيد وبوردين أعلنت مراكز المراقبة والوقاية من الأمراض ( سي دي سي) أحدث تقاريرها، والتي وصفتها نائب المدير "آن شوشات" بأنها "مفزعة".
 
وقالت "إن انتشار هذه الظاهرة، في جميع الولايات باستثناء واحدة، يوضح إلى أي مدى تمثل حقاً مشكلة عامة تؤثر على جميع أنحاء البلاد".
كما تحذر من أنه "في الواقع، تعتبر ظاهرة تؤثر على جميع الفئات العمرية والجنسية والجماعات العرقية أيضًا، وإن كان ذلك على مستويات مختلفة. بشكل عام، أكثر من 80 في المئة من ضحايا الانتحار هم من البيض وحوالي 75 في المئة من الرجال".

ويوضح التقرير أن الظاهرة تبلغ أقصى ذروتها في ولايات الغرب الأوسط: حيث بلغت زيادة معدلات الانتحار في داكوتا الشمالية، على سبيل المثال 57% خلال الفترة بين 1999 و 2016، أما في مونتانا فالأرقام مروعة بصورة أكبر، حيث تصل النسبة إلى 2ر29% بين كل 100 ألف نسمة، مقابل متوسط 4ر13% على مستوى البلاد. فقط في ولاية نيفادا تراجع المعدل بصورة طفيفة، على الرغم من أنه ما زال مرتفعا. على سبيل المقارنة في 2015 بلغ المعدل 3ر12% في ألمانيا.

ويبدو أن الموقف أفضل نسبيا في الولايات التي توجد بها قوانين حيازة سلاح أكثر صرامة، وهي الأداة الأكثر شيوعا في حوادث الانتحار بين الذكور البيض.
ويتساءل كثيرون حاليا لماذا أصبح الوضع بهذا السوء وما السر وراء استفحال هذه الظاهرة. يرى خبراء الصحة وبالمثل الاقتصاد وعلماء الاجتماع أن السبب يرجع بنسبة كبيرة إلى الأزمة المالية التي هزت البلاد بقوة منذ عام 2008.

في مقال لها بصحيفة الواشنطن بوست، أوضحت بروفيسر علم الاجتماع ساره برجارد أن "الأبحاث التي أجريت على مدار سنوات طويلة، مركزة على قضايا اجتماعية وسياسية وصحية، تشير إلى وجود علاقة قوية بين انهيار الاقتصاد وارتفاع معدلات الانتحار".

كما تمثل المخدرات أيضا عنصرا هاما: أحيانا يكون من الصعب التمييز بين الانتحار والجرعات الزائدة العرضية. ومن ثم فإن مراكز (سي دي سي) تحذر من أن حالات الانتحار باستخدام عقاقير مخدرة قوية مسببة للإدمان تضاعفت خلال الفترة بين 1999 و 2014.
أما من يعانون من مشاكل نفسية، اكتئاب أو أمراض مرتبطة بأي نوع رهاب أو قلق، فعادة يجدون صعوبة في الحصول على المساعدة الطبية أو العلاج الفعال، علاوة على أن الحصول على تأمين صحي ملائم ودخول المستشفى للحصول على العلاج المناسب، من الأمور الباهظة للغاية في الولايات المتحدة.

بدورها علقت صحيفة نيويورك تايمز قائلة "زيادة حالات الانتحار تضع المجتمع الأمريكي أمام مرآة قاتمة، تعكس التوترات العرقية، وثقافة الانقسام، وتفضح منظومة التأمين الصحي الهشة، ومدى يأس الكثيرين الذين يتلاشون بين الملايين من الصور عن السعادة المنتشرة على شبكات التواصل الاجتماعي".
يقول جون درابر من شبكة لايف لاين الوطنية للوقاية من حوادث الانتحار "يعاني من هذا الصمت الأشخاص الذين يغرقون في أزمات عنيفة وكذلك الأسر التي يتعرض أحد أفرادها لحادث انتحار، ومن ثم قد يكون من المجدي في هذه الأحوال حدوث مزيد من الانفتاح". ويضيف "هناك أدلة واضحة على أنه كلما تكلم الناس بصورة أكثر انفتاحا، كلما توافرت لهم القدرة على تجاوز أفكارهم وميولهم الانتحارية، وهذا يعد جانبا إيجابيا محفزا للأشخاص الذين يعانون في هذه الأوقات من أزمات قد تؤدي بهم للانتحار".
تقول الكاتبة الأمريكية كريستين باوز في مقالها بصحيفة يو إس توداي "على الأقل بعض المأزومين توافرت لهم الجرأة على المواجهة"، مشيرة إلى الأزمة العنيفة والاكتئاب الحاد الذي تعرضت له إثر وفاة ومرض أشخاص مقربين منها. كما تعتقد باوز أيضا أن من بين أسباب تزايد الحالات اليائسة، انتشار ثقافة عدم الرضا والرغبة أكثر في الحصول على المزيد من أي شيء، عوضا عن بناء أو إقامة علاقات حقيقية، مؤكدة "لم أكن أتمنى أي شيء سوى الموت، ولكن في النهاية صمدت ونجوت". وتشبه حالتها حالات مشاهير آخرين مثل نجمة الإعلام السمراء أوبرا وينفري، والنجمة الحاصلة على الأوسكار هالي بيري. وتشعر باوز اليوم بالامتنان لما قاموا به لمساعدتها وغيرها من اليائسين للانفتاح على العالم والحديث بحرية عن أزماتهم.
كما يعبر المتضررون عن أنفسهم عبر شبكة التدوين المصغر تويتر، حيث غرد جوش رابي "لقد مرت ست سنوات منذ صعدت حافيا إلى حافة أحد الجسور تحت المطر"، لتنهال عليه التعليقات والتغريدات لتصل إلى 90 ألفا من متابعيه. كان سبب انقاذ جوش، أحد جيرانه متنكرا على هيئة إحدى شخصيات فيلم "قصة لعبة"، كان متواجدا في نفس التوقيت لينقذ حياته.

أما الناقدة السينمائية شيلا أومالي، فقد غردت على حسابها، مشيرة إلى أصدقائها الذين يطلبون منها المساعدة في أزماتهم، وكيف أنها لحسن الحظ نجحت في إقناعهم بالتخلي عن أفكارهم الانتحارية، مؤكد أن الأصدقاء الحقيقيين يجب أن يخوضوا المخاطرة من أجل إنقاذ أصدقائهم.

أندريا بارتلمي
الاحد 26 غشت 2018