الأخبار الزائفة بالمغرب...دخان بلا نار يلوث سماء المملكة



الرباط - في أواخر شهر آب/ أغسطس الماضي، تحرك خبر مخيف بين المغاربة على شبكات التواصل يقول إن داء الكوليرا " ينتشر في المغرب" ووزارة الصحة تدعو المواطنين إلى "شرب الماء المعدني" حصرا، وتعلن حالة استنفار في تراب المملكة. ورغم أن وسائل إعلام معروفة بدقتها لم تؤكد النبأ لكن الرأي العام صار تحت تأثير الإشاعة. أيصح أن يكون هناك دخان بدون نار؟ نعم، وهذا ما أكدته وزارة الصحة المغربية بسرعة في بيان عممته على وسائل الإعلام تنفي فيه تسجيل أي حالة إصابة بهذا الداء أو إصدار أي تعليمات استثنائية بهذا الخصوص.


بعدها بأيام، وفي خضم الجدل الدائر حول أزمة الهجرة السرية بالمغرب، ينتشر شريط فيديو يوثق لما يفترض أنه عملية إنقاذ لمغربيين اثنين من الموت في عرض مياه المتوسط كانا يحاولان العبور إلى الضفة الأخرى. مرة أخرى يتبين أن الفيديو الذي جرى تداوله على نطاق واسع غير صحيح. وتخرج وزارة الاتصال ببيان تؤكد فيه أن "الفيديو المنشور يوثق لعملية لا علاقة لها بالمغرب، وتمت في شواطئ أجنبية بعيدة بآلاف الكيلومترات عن التراب الوطني للمملكة".

وفي كل مرة تنتشر قضية تسترعي اهتمام الرأي العام تصبح عرضة للاستغلال من طرف مروجي الإشاعات والأخبار الزائفة. وحين اشتعل جدل إدخال كلمات من العامية المغربية في مقررات السنتين الأوليين من الطور الابتدائي، ظهرت عشرات الصور لمقررات دراسية تحمل عبارات عامية، معظمها مفبرك أو منقول من مقررات دراسية لدول أخرى.
وهذه الإشاعات التي تطفو خلال الأزمات والأحداث الساخنة تحدث إثارة وتشوش على التداول السليم للمعلومات؛ ومن ثم يتم تكوين قناعات ومواقف متوازنة إزاءها، وتكون هناك مخاوف مزدوجة. من جانب، مخاوف مؤسسات إعلامية جادة من استغلالها كذريعة للحد من حرية التعبير، ومن جهة أخرى مخاوف الجهات المسؤولة من حمل المواطنين على التشكيك في كل مبادرة تقوم بها الدولة بناء على معطيات خاطئة أو اختلاق أزمات لا أساس لها من الصحة.
عبد الوهاب العلالي، أستاذ الإعلام والتواصل السياسي بالمعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط، يعزو تفشي هذه الأخبار في المغرب إلى سببين أساسيين. من ناحية، الثورة التقنية التي فتحت أبواب وسائل التواصل الاجتماعي أمام شرائح اجتماعية واسعة من المغاربة مسقطة قدرة وسائل الإعلام التقليدية في التحكم في المعلومات أو توجيهها أو حجبها، ومن ناحية ثانية، السياق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي "لمجتمع يعاني من الأمية والأمية المعلوماتية وانسداد مسار الإصلاح، ومؤشرات الإقصاء والفقر والهشاشة"، ما يجعل "نمو ظاهرة الأخبار الكاذبة أمرا يكاد يكون طبيعيا .
ويرى هذا الخبير الإعلامي أن وجود بيئة سياسية "صحية"، يسهم إيجابا في مكافحة هذه الأخبار. وفي هذا الإطار، يعتبر أن الحد من الأخبار الزائفة يتطلب "توفير بيئة سياسية كاملة تكرس الديمقراطية كممارسة فعلية وقيم مقدسة لكل المجتمع، وهو ما يعني وجود توافق عميق حول مشروع مجتمعي ديمقراطي تسود فيه علاقات واضحة وشفافة ومستقلة أساسها الديمقراطية بين السلطة العليا والسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية".
كما يرى أن "التعاطي العقلاني مع هذه الظاهرة يجب ألا يقتصر على مقاربات قانونية بقدر ما يتطلب عملا موجها إلى الصحافيين المهنيين، من قبيل تعزيز حقوق ومسؤوليات الصحفي وتطوير المدونات والمعايير من قبل الصحفيين والمحررين والناشرين وحماية التعدّدية والاستقلالية و قول الحقيقة والنزاهة".
بدوره، يستبعد يونس مسكين، مدير نشر جريدة "أخبار اليوم المغربية"، أن تكون المقاربة القانونية ناجعة في القضاء على هذا النوع من الأخبار. ويرى، بالمقابل، أن الحل الأمثل لتجاوز هذا الوضع الإعلامي "هو تكثيف جهود وسائل الإعلام المحترفة، ودخولها في شراكة مع شبكات التواصل الاجتماعي، مادام أن الهدف المشترك بين الطرفين هو تمكين المجتمعات من تواصل صحي وبنّاء وخال من التلوث الاعلامي".
وفي نظر يونس تعتبر "الصحافة المهنية والمحترفة هي أول ضحية لنشر الأخبار الزائفة، خاصة في بيئة غير ديمقراطية ولا تتمتع فيها الحريات بالحماية الكافية"، مفسرا رأيه بكون "الصحافة المهنية هي العدو الأول للماسكين بالسلطات والمتمتعين بالنفوذ الاقتصادي، وبالتالي فإن الاخبار الزائفة وفرت الفرصة السانحة من أجل إغراق الرأي العام وسط سحاب من التضليل والتزييف، كلما كانت هناك محاولة من الصحافة المهنية لكشف الحقائق".
كما أن تطوير قدرات شبكات التواصل الاجتماعي على رصد ومحاربة الشائعات سيوفر، وفقا له، "البيئة الملائمة لازدهار الصحافة المهنية، باعتبارها تتمتع بالحرفية والمصداقية".
ولا تتوفر كثير من الصفحات والمواقع الإلكترونية التي تنشر أخبارا كاذبة على أرقام اتصال أو بيانات تخص المقر الاجتماعي والمستخدمين والمعلومات القانونية المعتادة للعمل الصحفى. وتصطدم محاولات إقرار قانون جديد خاص بهذه الأخبار بمخاوف الجسم الإعلامي من تقليص مساحة التعبير.
وفي منتصف شهر أيلول / سبتمبر الماضى، دعت وزارة الثقافة والإتصال كافة المنابر الإعلامية الإلكترونية، إلى السهر على تنزيل مقتضيات قانون الصحافة والنشر، بخصوص المعلومات والادعاءات الزائفة الواردة ضمن التعليقات على الخبر.
وقالت الوزارة إنها إذ تؤكد على أن "حرية خدمات الصحافة الإلكترونية مكفولة ومضمونة، فإنها تذكر بأن تعليقات زوار الصحيفة الإلكترونية تخضع لمبدأ الحرية والمسؤولية، وأن مدراء النشر ملزمون بعدم نشر أي محتوى يعد جريمة طبقا للقانون، مع وجوب سحب التعليقات في حالة ثبوت الإساءة". وحثت الوزارة مدراء النشر على وضع وسائل ملائمة لمراقبة المضامين غير المشروعة في الحيز المخصص للمساهمات الشخصية لمستعملي شبكة الانترنيت.
وفي آيار/ مايو الماضي، لمّحت الحكومة المغربية إلى اعتزامها مراجعة مدونة الصحافة والنشر "لأنه لا يمكن القبول بترويج أخبار غير صحيحة تمس سمعة واقتصاد البلد، وتؤدي للإضرار بقطاعات مهمة كالفلاحة، وينتج عنها مشاكل اقتصادية كبيرة للبلد"، وفقا لبلاغ أصدرته حينها تزامنا مع حركة مقاطعة واسعة النطاق لثلاث علامات تجارية بينها شركة توزيع للحليب. ولقيت خطوة الحكومة حينها معارضة شديدة من قبل أصوات إعلامية رأت فيها محاولة للحد من حرية التعبير.
ويعول المهنيون على المجلس الوطني للصحافة، وهو هيئة للتنظيم الذاتي لمهنة الصحافة، لاحتواء هذه الظاهرة. ومن بين مهام المجلس، الذي تعثر تشكيله بسبب خلافات وطعون في نتائج انتخابات الصحفيين منذ حزيران/ يونيو الماضي، النظر في القضايا التأديبية التي تهم المؤسسات الصحفية والصحفيين المهنيين الذين أخلوا بواجباتهم المهنية وميثاق أخلاقيات المهنة.


(د ب ا) ص ع/ ب ت 2018

د ب ا
الجمعة 12 أكتوبر 2018


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan