كي لا يكون النص ضداً للعقل

18/08/2019 - توفيق السيف


الأخبار الكاذبة تصنع المشهد لجزائري وتهيمن على الحراك الاجتماعي



الجزائر - منذ أيام أعلنت وزارة الصحة الجزائرية، في بيان رسمي أن مصدر الكوليرا هو منبع "سيدي لكبير" قرب بلدة أحمر العين غرب الجزائر العاصمة، ولم تتردد السلطات المحلية في ردم ذلك المنبع الذي أصبح جزءا من تاريخ سكان المنطقة. كثير من السكان تعاملوا مع البيان مثلما يتعاملون يوميا مع الإشاعات والأخبار الكاذبة التي انتقلت من مواقع التواصل الاجتماعي والمقاهي الشعبية إلى وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية، وخرجوا في استعراض إعلامي يشربون من النبع الذي قيل إنه مصدر الوباء.


منبع "سيدي لكبير"
منبع "سيدي لكبير"
المفاجأة أن الوزارة نفسها التي أعلنت الخبر الأول، سارعت بعد ذلك لتنفيه بطريقة ضمنية عندما قالت في بيان لاحق أن مصدر الوباء هو وادي بني عزة بولاية البليدة، بعيدا عن المنبع الأول الذي أعيد إليه الاعتبار. وبدا أن الأمر كله يتعلق بالأخبار الكاذبة التي تجاوزت الإعلام الرسمي والإعلام "البديل" إلى المؤسسات الرسمية التي دخلت في حالة تخبط غير مسبوقة.
وبدا واضحا، أن المجتمع لم يعد يثق في ما تنقله وسائل الإعلام بمختلف أشكالها، حتى تجاوز الأمر إلى المصادر الرسمية نفسها، فالإعلام الذي أصبح يتغذى من الإشاعة وأصبح تابعا بشكل من الأشكال لشبكات التواصل الاجتماعي، وقد أصبحت مصدره الوحيد، هي وسائل لم تعد لها أي مصداقية وأصبح كلامها مجرد "كلام جرائد" مثلما تقول العبارة الشهيرة.
والمفارقة أنه وبعد مرور زمن كانت فيه المعلومة شبه منعدمة، جاء ما سمي بـ"زمن الانفجار المعلوماتي"، بنتائج عكسية تماما، وأصبح كثير من الصحفيين لا يلتزمون بأي أخلاقيات للمهنة، ولم يعد كثير منهم يفرّق بين الخبر والإشاعة وحتى الدعاية، فاختلطت المفاهيم وأصبحت المعلومة الصحيحة هي الضحية الأولى في هذه اللعبة.
ومن الملفت أنه في زمن تعددت فيه وسائل الإعلام، اقتصرت هذه التعددية في الشكل فقط، ليبقى المضمون نفسه، فالعشرات من الجرائد الورقية والقنوات التلفزيونية، تتغذى من مصدر واحد هو "الفيسبوك"، وغابت ادنى معايير الكتابة الصحفية المتعارف عليها، والنتيجة أن الموطن لم يعد يثق في أي جهة بما فيها الجهات الرسمية التي وصلت إلى حالة من التخبط لم تشهدها في أسوأ الظروف التي عاشتها في وقت سابق.
يقول الاعلامي حسان حويشة، أن الأنباء الكاذبة للأسف صارت ظاهرة منتشرة على المنصات الاجتماعية وصارت تغذيها بشكل يومي. والملاحظ ايضا أن تأثير هذا التوع من الأخبار صار له مفعوله على المستخدمين على شبكات التواصل الاجتماعي الذين يصدق الكثير منهم بسذاجة ما ينشر على هذه المنصات.
والمثير برأي حويشة، ان الأنباء الكاذبة صارت تؤثر على الصحفيين الذين يفترض منهم التحقق من المعلومة قبل نشرها، مستدلا بما حدث مؤخرا مع بيان مفبرك لشركة اتصالات الجزائر، وتم تداوله على أنه بيان صادر عن الشركة بخصوص قطع كلي لخدمة الانترنت في الجزائر، بسبب أشغال الصيانة على كابل بحري يربط الجزائر بمدينة مارسيليا الفرنسية.
ويعتقد حويشة، أن الإجراءات والتدابير التي تخطط لها المنصات الاجتماعية الكبرى على غرار "فيسبوك" لمحاربة انتشار الانباء الكاذبة، هي مهمة على ما يبدو، لن تكون سهلة لشبكة يستعملها الملايين من المستخدمين يوميا.
" الفيك نيوز"...مرض العصر
يصف المراسل الصحفي، كمال زايت، الاخبار الكاذبة أو " الفيك نيوز" بمرض هذا العصر الذي طغى عليه سيل المعلومات المتدفقة بفعل ثورة الاتصالات، وفي دول مازالت مبتدئة في هذا المجال، ومازالت تعاني قصورا في الاتصال بسبب ان المسؤولين عن البلد لم يدركوا ولم يعوا بعد أهمية الاتصال والتواصل مع المواطنين كمتلفين بتواصل مناسباتي فج مازال يتعامل مع المواطن على أنه قاصر. في ظروف مثل هذه-يقول زابت، تصبح الاخبار الكاذبة هي الأخبار الصحيحة، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي.

في الفترة الأخيرة، انتشرت الأخبار الكاذبة بشكل كبير، واصبح يكفي لأي صفحة أن تكتب اي شيء مهما كان يبدو سخيفا وغير معقول، لكنها ستجد من يتلقف تلك الاكاذيب وينشرها.
ويلفت زابت، أنه رغم أن الكثير من الأخبار غير الصحيحة والملفقة يتم تكذيبها الا أنها تستمر في الانتشار، خاصة وأن المواطن الذي تعود على أن تكذب عليه السلطات غالبا، اصبح يميل لكل ما لا يصدر عن جهة رسمية، ويفضل كل ما له علاقة بنظرية "المؤامرة".
والظاهر أن المشكلة الأكثر صعوبة، هي أن وسائل الاعلام اصبحت تقع فريسة سهلة للأكاذيب، فالكثير من الصحافيين بسبب "ضعف المستوى والضغوط الممارسة عليهم في اماكن العمل" يبحثون عن أي خبر ويتلفقون أي خبر كاذب ويعيدون نشره، وهو ما تسبب في كوارث.
ويعتقد زايت، ان السلطات في الجزائر، بدأت تتفطن إلى خطورة الأخبار الكاذبة، مشيرا إلى بيان مديرية الامن العام الذي دعت فيه إلى توخي الحذر وعدم استقاء المعلومات إلا من المصادر الرسمية، غير أنه يرى أن حل المشكلة لن يكون سوى بالتوعية والتواصل الدائم والمستمر مع وسائل الاعلام، وتكريس الحق في الوصول إلى المعلومة، لأن الطبيعة ترفض الفراغ.، واذا لم تكن هناك أخبار موثوقة، فإن الأخبار الكاذبة ستجد الطريق مفتوحا أمامها للانتشار وتشكيل الرأي والوعي العام.
أزمة اتصال وتواصل في محيط حاضن للإشاعة
يرفض عزالدين ديدان، وهو رئيس تحرير مركزي بقناة "دزاير نيوز" الإخبارية، الانتقادات، ويقول إنه من الإجحاف إتهام الصحفيين أو القائمين على وسائل الإعلام بالقصور وعدم الاحترافية في رصد الخبر، فهو يعتبر أن القضية أعمق من هكذا حكم، كون الصحفي ناقل للمعلومة، والأجدر الحديث عن أزمة الاتصال السائدة في أغلب الهيئات وحتى الوزارات والمؤسسات الحكومية في التعامل مع وسائل الإعلام باعتبارها مصادر للمعلومة.
ويؤكد ديدان، أن الأمر ينطبق على مختلف الأطراف من مجتمع وشركات اقتصادية تعاني من معضلة تواصل مزمنة، لافتا إلى أن الصحافيين يعيشون في محيط حاضن للإشاعة ومغذي للخبر الكاذب.
ويضيف بالقول " لا أحد ينكر الأثر الكبير للإعلام الجديد خاصة ما ينشر في منصات التواصل الاجتماعي من توفير الآنية في نشر المعلومة، لكن بث الخبر في دعامة إعلامية معترف بها في مثل قناة إخبارية بمقام "دزاير نيوز" بالاستناد على مواقع انترنت، يخضع لمجموعة ضوابط مهنية معروفة، من تحري وتدقيق من مصادر رسمية وغير رسمية وشبكة المراسلين. السرعة في نقل المعلومة لا تعني التسرع، والمغامرة بمصداقية قناة إخبارية تحمل صورة الجزائر مرفوض جملة وتفصيلا".
يرجح البعض أن تطور الانترنت واضفاء الطابع الديمقراطي والاجتماعي عليها، انتج اثارا عكسية، لكونها ساهمت في انتشار معلومات غير صحيحة وكاذبة في وسائل الإعلام أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وبشكل عام معلومات خاطئة عن غير قصد، بسبب الجهل أكثر من النية والتعمد.
يجزم مهدي بوخالفة، وهو اعلامي متقاعد، أنه في غياب الإحصاءات والارقام، يصعب تقييم الآثار المباشرة والجانبية لهذه المعلومات الكاذبة على المجتمع، وعلى سلوك وردود فعل الجهات الفاعلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ويعتبر بوخالفة، أن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن هذا النوع من المعلومات الخاطئة، التي يتم نشرها من خلال الشبكات الاجتماعية (تويتر، فيسبوك، انستجرام) تنتشر في المجتمع، وكذلك بين الدوائر السياسية، كوباء حقيقي، قد يؤدي في بعض الحالات إلى زعزعة استقرار الوضع السياسي، أو خلق أزمة اجتماعية، أو مجرد هبوط حاد في مؤشر مصداقية الحكومة.
ويستدل بوخالفة، بمرض الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، الذي أدى إلى ظهور جميع أنواع الأخبار الكاذبة بشأنه في الأيام الأخيرة ، بدءا من أكثرها تناقضا إلى أكثرها سخرية، مثل أولئك الذين أعلنوا موته بمناسبة رحلته العلاجية الأخيرة إلى سويسرا.
لقد أدى وباء الكوليرا ، الذي ظهر في آب/أغسطس الماضي في مدينة البليدة جنوبي العاصمة الجزائرية، إلى ظهور معلومات كاذبة حول سبب الوباء، وتسبب ذلك في تغير تصرفات وسلوكيات العديد من الأشخاص، بينما لم يجد البعض الاخر حرجا في نشر صور مفبركة على منصات التواصل الاجتماعي تطعن في طريقة نمط حياة الجزائريين.
هذا النوع من المعلومات في الجزائر، يعتبره بوخالفة، امتدادا لما يسمى بـ "الهاتف العربي" ، أو عبارة "انهم يقولون" ، وشائعات كلام المقاهي التي كانت تصنف على أنها أداة التواصل الجماهيري التي تحولت اليوم إلى شبكات التواصل الاجتماعي.
في مكان آخر غير الجزائر، هذا النوع من الأخبار الكاذبة له أهداف أخرى، فمثلا دونالد ترامب، استغل عن قصد لصالحه الأخبار الكاذبة خلال الحملة الانتخابية، أو تصويت البريطانيين حول "البريكزيت" بعد حملة شرسة من الأخبار المزيفة على الشبكات الاجتماعية ضد الأجانب الذين يعيشون في بريطانيا؟. ترامب-يقول بوخالفة- أوجد في كانون ثان/يناير الماضي "جوائز وهمية" لتشويه سمعة الصحفيين الذين ينتقدونه.
اليوم في أوروبا، في الولايات المتحدة، وفي أي مكان اخر، حيث تتوفر لشبكات التواصل الاجتماعي أهمية اقتصادية وسياسية حيوية، أصبحت الأخبار الكاذبة خطيرة وقاتلة بالنسبة للقوى السياسية القائمة، إذا لم تكن تعرف كيفية التصدي لها.
في الجزائر، أصبحت الأخبار الكاذبة لعبة اجتماعية في بعض الاحيان مرضية، إن لم تكن رياضة وطنية جديدة، ظاهرة اجتماعية مدمرة. إلى درجة أن المعلومات الخاطئة، خاصة في مجال الصحة، والتعليم، والرياضة وخاصة كرة القدم، والسياسة، والاقتصاد، قد استحوذت على الواقع الاجتماعي للجزائريين.
صحيح أن غياب معلومات دقيقة، وعدم قدرة المؤسسات على التواصل بشأن حالة البلد، أعطى صكا على بياض أو تأشيرة بدون حدود للأخبار المزيفة التي وجدت ضالتها على مواقع التواصل الاجتماعي، في غياب أي رد فعل رسمي.

د ب ا
الاربعاء 26 سبتمبر 2018