البيكيني في الجزائر.. ثورة أم جدل عقيم



الجزائر - عادت المرأة الجزائرية لتصنع لها مكانا في زخم الاحداث التي تعرفها البلاد خلال فترة الصيف، رغم ان الأمر يبدو أنه يتجاوزها في كثير من الأحيان بسبب كثرة المتدخلين الراغبين في السطو على حريتها ومبادئها، والمتاجرة بهما.


البيكيني في الجزائر
البيكيني في الجزائر
انتقل الاهتمام بالمرأة في الجزائر من التعنيف والاقصاء وظروف وضع حملها في المشاف والعيادات الخاصة، والرقم المرتفع للعانسات، إلى الدفاع بقوة عن حريتها في ارتداء البيكيني في الشواطئ والمسابح، حتى تحول هذا الموضوع إلى مادة دسمة في الاعلام الأجنبي خاصة الفرنسي الذي حاول الترويج بقوة لما يسميه " السباحة الجمهورية"، في اشارة إلى الملابس الخاصة بالسباحة.

غير أن الجزائريين يعتقدون أن اثارة هذا الموضوع في هذه المرحلة، يثير الكثير من الاستغراب والدهشة حتى، لأن المرتاد لغالبية الشواطئ في المدن الساحلية، يقف على حقيقة واحدة، وهي أن الجميع ينعم بنسمات البحر وفق معتقداته واهوائه في ظل الاحترام المتبادل بين الجميع.

الصراع بين المحافظين والليبراليين يمتد الى البحر

صحيح أن البعض حاول نقل الصراع بين المحافظين والليبراليين من المواقع والأماكن التقليدية الى وسائل الاتصال الحديثة، فالحملة التي اطلقها السلفيون " الشباب"، تحت شعار " استري روحك" والتي تقوم على دعوة الفتيات والنساء إلى الاحتشام، قابلتها دعوات أخرى تنشد تمكين الجنس اللطيف من الحرية الكاملة في السباحة بالبكيني أو ملابس من قطعتين، مثلما هو معروف عنه عند الغرب.

ونجحت ناشطات في تموز/ يوليو الماضي، في اقناع عشرات الفتيات في النزول إلى أحد شواطئ ولاية عنابة شرقي الجزائر، ضمن الترويج لفكرة " السباحة الجمهورية". ولم يشهد الحدث أي صدام ولا محاولات تصدي من قبل الأطراف الرافضة لهذا التوجه.

وفي خضم هذه التطورات، تسببت احدى الجمعيات في اثارة المزيد من الشكوك وحتى الخوف، عندما وجهت نداء عبر شبكات التواصل الاجتماعي ، دعت فيه من يهمه الامر من الرجال والنساء إلى تخصيص يوم للسباحة بدون ملابس، عند نهاية الأسبوع الأول من شهر اب /اغسطس الجاري، وذلك بشاطئ " الساكت" بولاية بجاية في منطقة القبائل شرقي الجزائر، لكن هذا النداء تبين لاحقا أنه مجرد صيحة في واد، رغم أنه خلف موجة من الاستنكار والرفض لدى سكان بالمنطقة.

معروف أن موجة العنف التي هزت الجزائر مطلع تسعينيات القرن الماضي، غيرت من بعض طباع وتقاليد المجتمع، حيث سعت الجماعات المسلحة إلى فرض والزامية ارتداء الحجاب بدعوى تطبيق الشريعة الاسلامية، ومن يخالف هذا " الأمر" ينال الجزاء الذي وصل إلى حد القتل، لكن مع انحدار هذه الجماعات أمام الضربات المتتالية للجيش والقوى الأمنية الاخرى، ورفض الناس للممارسات الارهابية، استعاد الشعب الجزائري شيئا فشيئا تناغمه وتماسكه ولو بصعوبة. سلمية الشعب وقبول للطرف الأخر

يؤكد سيد علي، وهو اطار في إحدى الشركات الخاصة، على سلمية الشعب الجزائري وقبوله للطرف الاخر، رغم ما كابده من محن وماسي خلال فترة الاستعمار الفرنسي، والعشرية الدموية التي عرفتها الجزائر. ويستدل سيد علي بثقافة سكان مدينة بومرداس التي تقع على مسافة 50 كيلومترا شرقي العاصمة الجزائر، حيث يقول ان هذه المدينة اشتهرت بالاستقرار الكبير للمواطنين الروس فيها حتى تسعينيات القرن الماضي. ويضيف أن النساء والفتيات من هذه الجالية كن يتجولن بحرية ليلا ونهارا دون أن يتحرش بهن أحد أو يتعرضن لأية مشكلة كانت بسبب طريقة لباسهن أو لون شعرهن. لكنه يعترف أن هذا الوضع تغير منذ دخول البلاد في مستنقع الفوضى، حينها قرر عدد كبير من تلك العائلات العودة إلى الوطن الأصلي، في حين أصر البعض وعددهم قليل على البقاء والانغماس في وسط مجتمع اصبحوا جزءا لا يتجزأ منه.

ويضيف سيد علي، أن مدينة بومرداس لا تزال تحافظ على التقاليد التي ورثتها عن التواجد الروسي، فالنساء والفتيات يتجولن بكل حرية في كل الأوقات دون أن يتعرض لهن احد بسوء أو بملاحظة في غير محلها، مشددا على أن الأمر سيان على الشواطئ أو في أماكن أخرى.

وعاد أمين، بالذاكرة إلى الوراء، وقال ان جزائريات في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كن يرتدين اللباس القصير والبنطالون واللباس الخاص بالسباحة بما فيه البيكيني بكل حرية، حتى في المناطق التي تعرف على أنها محافظة.

صراع البيكيني والبوركيني.. تجارة رابحة

يقول سمير المصور الصحفي بإحدى اليوميات الخاصة، ان الصراع بين البيكيني والبوركيني في الجزائر، لا يوجد إلا في مخيلة اولئك الذين يريدون تأجيج الخلافات بين أبناء البلد الواحد. منوها أن المرأة التي تريد السباحة بالبيكيني لها كل الحرية في ذلك، ومن تريد ارتداء البوركيني فمن حقها فعل ذلك أيضا.

ويرى سمير، أن الحديث عن اطلاق الدعوات لـ"لتظاهر بالبيكيني" أمر مبالغ فيه، لأن القانون الجزائري لا يحظر على المرأة ارتداء هذا اللباس إطلاقا. كما يكشف ان الشواطئ خاصة في المدن الكبرى في فصل الصيف تظل عامرة باللائي يلبسن البيكيني او لباس من قطعتين. لكنه يعترف ان هناك من تفضل ارتداء لباس أخر تفاديا للمضايقات والعيون والألسن التي لا ترحم.

يذكر فؤاد، الذي قضى اجازته الصيفية رفقة عائلته بولاية جيجل المعروف أنها منطقة محافظة جدا، انه لم يصادف البيكيني في طريقه طيلة الأيام التي مكث بهذه المدينة الجميلة، معترفا أن لباس البوركيني لقي رواجا كبيرا وبات تجارة تدر ربحا كبيرا على اصحابها. مضيفا بالقول أنه لاحظ انتشار هذا النوع من الملابس اثناء مروره بمختلف المدن في طريق عودته إلى العاصمة الجزائر.

اللباس.. حرية شخصية

تشدد كريمة وهي فتاة في العقد الثالث من العمر على أن لباس البحر حرية شخصية لا يمكن للأخرين التدخل فيه، مبينة أنها لا تجد حرجا في ارتداء البيكيني خلال تواجدها عادة على أحد شواطئ ولاية سكيكدة شرقي الجزائر، وأن هذا الأمر ثقافة شائعة عند العائلة. كما استغربت الجدل المثار حول هذا الموضوع.

في حين يقول كمال، انه يرفض أصلا فكرة التنقل مع زوجته أو أخته إلى البحر، ولا يتصور اطلاقا ارتدائهما للبيكيني لما يمثل ذلك مخالفة للشرع, وهناك جزائريون كثر من ينبتون هذا الطرح ليس بالضرورة تنفيذا لتعاليم الدين الاسلامي، ولكن أيضا لكون " حرمة المرأة خط احمر" عندهم.

غير أن أمين، يهاجم الرافضين لتواجد زواجاتهم وبناتهم في الشواطئ، وحتى اولئك الذين يدافعون عن البروكيني، حيث وصفهم بـ" المتخلفين" والرجعيين"، داعيا إياهم الى التخلص من عقدهم النفسية والذهنية.

من جهته، شدد توفيق على ضرورة البحث في الأسباب التي جعلت الجزائر من بين أكثر الدول تخلفا في استقطاب السياح الأجانب، وخسارتها لإيرادات بمليارات الدولارات سنويا. موضحا أن الأهم هو مواكبة التطورات التي يشهدها العالم، بدلا من الاهتمام بالتفاهات التي لا تفيد البلد في شيء. واستطرد يقول أنه من يريد ارتداء البيكيني فله الشواطئ ومسابح الفنادق الفخمة، وحتى من يفضل التجرد من ملابسه فيمكنه ذلك بالتوجه إلى الدول التي تبيح هذه المظاهر، أما من يفضل لباس الاحتشام، فلا يمكن لأحد أن يفرض عليه غير ذلك.

يفسر رجل الأعمال، رضا بورايو، الذي لا زال يقيم بدبي، سبب اقدامه على انجاز المنتجع السياحي " مارينا بالم" الخاص بالنساء فقط، لرغبته في تمكين المرأة الجزائرية من فضاء يمكنها من الاستمتاع بحريتها كاملة بعيدة عن نظرات الريبة والشك ودون قيود او شرط. ويذكر بورايو، أن " مارينا بالم " جذب المتحجبات والمتبرجات من مختلف الأعمار والمستويات العلمية، من كل مناطق البلاد وحتى أجنبيات يقمن في الجزائر.

ويعترف بورايو، أن مشروع " مارينا بالم" نجح بفضل خدماته المميزة، وتلبيته الدائمة لرغبات زبائنه، مؤكدا ان الجزائر لها كل الطاقات والمؤهلات الطبيعية لتصبح وجهة سياحية بامتياز تنافس دول الجوار وأوروبا، ما يسمح بالإسهام في بناء اقتصاد متنوع لا زال يقوم حتى الأن على ريع ما تجود به أبار النفط والغاز.

د ب ا
الاحد 20 غشت 2017