التيه الكوني من اوديسة هوميروس الى ملحمة جويس



ان شئت ان تسخر من يوليسس وتحيل التراجيديا الى كوميديا سوداء على طريقة جيمس جويس في الرواية التي تحمل اسم بطل الملحمة الهوميرية فاذهب الى الفصل الخامس من الاوديسة لتتوقف عن اعتبار يوليسس آخر زوج مخلص في التاريخ ففي نهاية ذلك الفصل يمارس التائه الحكيم الحب مع كاليبسو دون ان يتوقف شوقه الى بينلوبي وفي ذاك المشهد الذي يسبق اطلاق سراحه من جزيرة الفاتنة التي عرضت عليه الخلود والشباب الدائم ان تزوجهافرفض تلك العروض المغرية كلها


لاتعرف في هذه المتاهة العاطفية والوجودية المتقنة هل شوق البطل لمن سكن الديار كقيس بن الملوح أم للديار وحدها فاناشيد حب الوطن الذي تمثله جزيرة ايثاكا الصغيرة الفقيرة في هذه الاسطورة الاغريقية تغطي على كل حب آخروتجعل من من خيانة الزوج الذي جعلوا من زوجته مثالا للاخلاص مجرد حدث عابر تافه تنساه بمجرد ان تقلب الصفحة لتتابع ذلك الطوفان من التيه الوجودي الذي يمارسه الانسان مجبرا برا وبحرا منذ ان تعلم المشي والكلام وقبل ان يتعلم الكتابة .
جيمس جويس في روايته (يوليسيس) المفصلة على البناء الملحمي الهوميري عكس الآية فجعل من موللي زوجة ليوبولد بلوم امرأة خائنة لكن خياناتها مثل خيانة عوليس فهي تنام مع غير زوجها لكن عواطفها تظل معه فالرواية تنتهي بها (بينلوبي المعاصرة ) وهي تحلم بلقائهما الرومانسي الاول حين قبلها وكاد يخمد انفاسها وهو يقول :من أجلك أشرقت الشمس اليوم ومن أجلك ستشرق غدا فبتلك العبارة الباذخة من مجاملات العاشقين اكتشف البطلة انه يفهم نفسية المرأة وهو بالضبط ما كانت تحتاجه في غربتها النفسية عما حولها .
وما تزال الشمس تغيب وتشرق على النساء المخلصات والخائنات معا لكن لمواعيد العشق واللقاءات الاولى عند هوميروس وجويس طعمها الذي لا يبلى فقد خلد جويس لقاءه الاول بزوجته نورا في دبلن والذي يصادف السادس عشر من يونيو- حزيران 1904بكتابة أول فصل من فصول ملحمته الروائية الفذة وقد التقط الايرلنديون هذا الموعد وقرروا تحويله قبل خمسة أعوام في ذكراه المئوية ويومها قدمت مدينة عوليس المعاصر دبلن لستةعشرالف شخص افطارا مكونا من الطعام الذي كان يحبه ليوبولد بلوم بطل الملحمة الجويسية (يوليسيس) .
وانطلق الاحتفال حسب الرواية الملحمية من شارع اسكيلس الذي كان يقطنه جيمس جويس في دبلن وهو ذات العنوان الذي يقطنه بطله فقد انطلق بلوم في اوديسة ضياعه من المنزل رقم سبعة في ذلك الشارع وتاه في المدينة المصابة بشلل اخلاقي لمدة 12 ساعة بينما استغرقت اوديسة عوليس عشرة اعوام سبقتها عشرة اعوام اخرى في حصار طروادة وبذا يكون قد غاب عن بيته عشرين عاما كثفها جويس في تلك السويعات القليلة التي تغطي أحداث روايته والاطوار الغريبة لبطلها الذي احتقلت به دبلن التي حولها ابنها البار الى مدينة اغريقية احتفالا منقطع النظير وعلى ذكر حب جويس لدبلن واسرافه في وصفها يقال ان هذه المدينة اذا تهدمت في حرب او بركان فان اعادة اعمارها كما كانت ممكنة من خلال يوليسيس والمجموعة القصصية الجويسية الأخرى أهالي دبلن .
العملاق والحانة
البطل الملحمي عند جويس لم يكن بطوليا وليس عنده ذرة رومانسية من ذلك النوع المتعارف عليه في السلوك البشري فقد كان يفطر حسب وصف جويس الامعاء والكلاوي والمعاليق وطعاما من النوع الذي يسمونه في ارض الكنانة - مومبار- وغرائبه ليست هنا فحسب بل في مسائل كثيرة أخرى فجويس حير النقاد طويلا لانه أختار بطلا من طينة غير بطولية وجعل الموازي لعوليس الايثاكي مجرد بائع يهودي تخونه زوجته ويخذله اصدقاؤه ويسخر منه رفاق الحانة التي يجعلها جويس الموازي المكاني لجزيرة السايكلوبس التي يسكنهاأكلة لحوم البشر من نوعية العملاق ذو العين الواحدة التي يحرقها له عوليس بجذع زيتون محمى ويتسبب في عماه ومن هناك تأتيه لعنة الضياع فالعملاق ابن بوسيدون حامي البحار الذي ينزل به عشرات العقوبات الفظيعة .
وتبلغ السخرية مداها عند جويس حين يجعل فقدان عين ليوبولد بلوم بسبب مكنسة طائشة أصابه بها أحد الكناسين حين كان يقضي يوما في القراءة عن طروادة القديمة اما السيخ المحمى الذي فقأ به عوليس عين العملاق فيحيله جويس الى سيجاركوبي يشعله بلوم متلذذا في الحانة التي لعبت دوركهف العملاق بوليفيموس .
وهذا الفصل مشغول بعناية خاصة فجويس نفسه كاد يفقد بصره اثناء كتابة ملحمته الروائية وكانوا يعالجونه بعد عملية جراحية في عينيه بدواء سام يسمونه اسكوبولامين كنب له جويس الذي بدأ حياته شاعرا قصيدة ساخرة:
عندنا اسكوبولامين
لانظير له في الوجود
يستطيع ان اعطيته لتوت عنخ آمون في قبره
ان يخرجه من وقاره ورصانته
ويجعله يقفز محلقا كسمك السلمون
بينما امه ترش الشراب الاسكتلندي على الارض الخضراء
اما المشهد الذي ربط فيه يوليسس ( او عوليس كما في بعض الترجمات العربي )نفسه الى صارية السفينة ليسمع غناء السيرينات اللواتي يقدن البحارة الى الهلاك باصواتهن العذبة فان جويس يستعيض عنه بمشهد ساخر آخر يربط فيه بلوم أصبعه بشريط بلاستيكي وهو يستمع الى مطربة من الدرجة الثالثة في الفندق الذي يراقب منه عشيق زوجته وهو يستعد للذهاب اليها مستغلا غياب زوجها وعلى هذا المنوال يحيل جويس مبغى دبلن الى الى جزيرة السيركات التي تحول ساحرتها الرجال الى خنازير وهذا اختيار موفق للغاية ففي المباغي حيث كل شئ بثمن وبدون اية عاطفة تظهر حيوانية الانسان الذي لا يعرف كيف يروض غرائزه على حقيقتها .
وقبل ان نستطرد في المقارنات بين المزاج الهوميري والجويسي ونعرف ماذا جرى للاوديسة من تحولات وجودية وعاطفية وعبثية على يد جويس لابد من الاشارة الى ان رواية جويس اتهمت حين صدرت مسلسلة في مجلة اميركية عام 1916 بالاباحية وافساد الاخلاق فأصدرت لجنة في نيويورك اسمها لجنة مكافحة الرذيلة قرارا بوقف نشرها نظرا لتأثيرها الضار على المجتمع لكن هذا لم يمنعها من التحول الى اوديسة حقيقية للانسان المعاصرككل الكتب الهامة التي تنتصر على مانعيها فقد ظل قرار المنع ساري المفعول الى عام 1933 حين أصدر القاضي الشجاع ام. وولسي قرارا آخربالسماح بمواصلة نشرها وقد دخل ذلك القرار المختصر تاريخ الادب العالمي ليدلل على أهمية وجود قضاة ورقباء مثقفين يفهمون الكتاب قبل المسارعة الى منعه ومما قاله القاضي عن ملحمة جويس في ذلك القرار التاريخي : انها تحليل عميق للحياة الداخلية للرجال والنساء ومع ان فيها بعض المشاهد اللتي تبدو صعبة على القارئ الحساس لكن هذه المشاهد لا تستهدف الاثارة الجنسية لذا يجب ان يتم نشرها في الولايات المتحدة الاميركية .
ان شخصية يوليسس المركبة كما يراها مبتكر شخصية الرديف المعاصر ليوبولد بلوم أهم بمراحل من شخصيتي هاملت وفاوست فالثاني لم يكن انسانا والاول رغم انه ابن رجل وامراة لم يعرف من الحياة غير شهوة الانتقام اما يوليسيس فهو ابن لارتيس التي تقع في مرتبة وسطى بين الجنسين وهو الاب لتيليماخوس والزوج لبينلوبي والعشيق لكاليبسو والمحارب امام اسوار طروادة وقبل هذه الصفات كلها فهو عنوان الدهاء والخديعة فهل السبب الاخير هو الذي جعل جويس يجعل من عوليس المعاصر بائعا يهوديا ....؟
يعتقد ديفيد نوريس الذي يعتبر حجة في الدراسات الجويسية ان جويس وضع الكثير من تفاصيل حياته في ملحمته فالتاريخ الذي قابل فيه نورا والذي تم اختياره موعدا لاحتفالات صيف هذا العام كان يصادف ايضا موعد سنويا لسباق الخيل وكان جيمس جويس المفرط في الشراب والرهان قد تعرض في احدى نوبات سكره للضرب من قبل رجل تحرش الكاتب بفتاة ترافقه ولم ينقذه من الضرب المبرح الا رجل يهودي اسمه ألفريد هنتر الذي يشبه بلوم في يهوديته وفي ان له زوجة خائنة .
وقد تكون الحادثة صحيحة لكن الاعتراف بالجميل ومحاولة رده لا تحتاج الى كل هذا الجهد والأرجح ان جويس كان يفكر قبل قيام الدولة العبرية بنصف قرن باليهود كجنس تائه علمته الغربة الطويلة وغريزة البقاء الكثير من أساليب الخداع التي كان يتقنها عوليس الاصلي بالفطرة فهو داهية أريب خرج من كل ورطة بخدعة متقنة والاديسة اولا وأخيرا وقبل هذه التفاصيل كلها ملحمة تيه وضياع تأخذ بطلها ليس الى الجزر الغريبة فحسب بل الى العالم الآخر فعوليس من الشخصيات الاسطورية النادرة التي تذهب الى العالم السفلي حيث عالم الموتى وتعود الى الحياة الطبيعية بمساعدة ارباب الاولمب الذين نراهم في الاوديسة كالبشر يخدعون ويخونون ويمارسون رذائل وفضائل شبيهة برذائل الانسان وفضائله .
أفروديت الخائنة
لقد روى عوليس لالكينوس والد نوسيكا التي انقذته بعد تحطم قاربه البدائي الذي زودته به عشيقته كاليبسو حكاية خيانة افروديت لزوجها الحداد الاعرج مع ايريس وكيف قام الحداد الحاذق بصنع شبكة سجن فيها الخائنين الى ان يأتي جميع ارباب الاولمب ويتفرجوا عليهما في ذلك الوضع المشين ثم نكتشف على لسان عوليس ان الحداد هيفستوس انما فعل ذلك مثل اي زوج بشري طماع ليستعيد بعد خطة انتقامه المبيتة الهدايا التي قدمها لافروديت اثناء الخطبة وذلك في الكتاب الثامن من الملحمة الهوميرية حيث نستمع الى الزوج المنكوب وهو يندب حظه ويكشف خطته :
انظروا كيف تسللا الى فراشي
ليرمي كل منهما نفسه بين ذراعي من يحب
الآه تخترق قلبي كنصل السيف
لكن خطتي جاهزة لأطيل أمد حرجهما
شبكتي ستجمدهما في ذات الوضع كما هما
الى ان يعيد لي والدها كل الهدايا
التي قدمتها من أجل هذه الكلبة الوقحة
قد تكون ابنة زيوس
لكنها عبدة لغرائزها
وعلى ذكر الغرائز وافروديت فان هوميروس في الالياذة يجعل من الفاتنة افروديت محركة الغرائز السبب في خيانة هيلين لزوجها مينلاوس وهروبها مع باريس الطروادي ابن الملك بريام لكنه في النهاية يغفر لها ويستعيدها ويلقي باللوم على اغواءات افروديت الخائنة لاننا في الاوديسة سنشاهدهمامعا اثناء زيارة تيليماخوس ابن عوليس للزوج مينلاوس بحثا عن أخبار أبيه بين اصدقائه حكام الجزر الاسطورية .
ان الانهارعند هوميروس تحضر الاجتماعات والارباب يلعبون مع الحيوانات والبشر والجبال تطير من امكنتها اذا اقتضى الامر وعليه فان هوميروس هو رائد تيار الواقعية السحرية في الادب وليس ماركيز اما جويس فكان في ملحمته رائدا لتيار أخطر هو تيار الوعي الذي سيتحكم بالرواية الغربية من جراء نجاحاته ونجاحات فيرجينيا وولف لعدة حقب خصبة .
وقد أنكر جويس ان يكون قد استقى ذلك الاسلوب من دراسات فرويد لطبقات الوعي وقال انه تعلمه من رواية فرنسية مجهولة وجدها صدفة في قطار وهي لايدموند دي جاردان واسمها (les lauries sont coupe,s).
ويقوم اسلوب الوعي كما شرحته فرجينيا وولف على تحييد دور الروائي
وترك الافكار المتساقطة كالمطر تتشكل وحدها دون تدخل : في لحظة واحدة يستقبل العقل الانساني العادي عشرات الافكار بعضها تافه والآخر متماسك وصلب ان الافكار تأتي من كل صوب وتهبط من حياتنا الماضية مثل ضوء مشع لتحيط بنا من كل جانب وعلى الروائي ان يقدم تلك الارواح الهائمة المتحولة دوما كما هي دون ان يفسد تلقائيتها بتدخله المبالغ فيه .
ومن خلال الالياذة والاوديسة سوف تلاحظ ان هذا عين ما كان يفعله هوميروس الذي لا يشكل الحدث نقطة مركزية عنده فما يحيط بالاحداث هو الأهم لذا تراه يقفز كالفراشات من فكرة الى أخرى ومن مشهد الى آخر وعينه دوما على الاثارة العقلية والبصرية ففي الالياذة ورغم عشر سنوات من الدم والمعارك ينجح هوميروس دوما في تحويل الانظار الى الافكار العميقة الموحية من خلال نقل الحديث الى المصائر البشرية والاحزان والافراح الانسانية التي تعرف كيف تبرعم رغم كل انهار الشقاء والعذاب .
ولو تعمقنا في المقارنات لوجدنا أن الرواية الملحمية بواقعيتها السحرية تقوم بالأمر ذاته فالجوهري كما أدرك العباقرة على مدار التاريخ قد يكون ضائعا ومهملا كجوهرة وسط الغبار .
---------------------------------------------
الصورة : بورتريه جيمس جويس
 

د . محيي الدين اللاذقاني
الثلاثاء 3 ديسمبر 2019