صراع حدود أم صراع وجود؟

11/12/2019 - توفيق السيف


«الثُوَّرَة» اللُبنانِيّة.. نحو نقاش هادئ





يمضي كثيرون في حماسة مُعظمها مُبرّر، وَصف ما يجري في لبنان منذ 17 الشهر الجاري بأنّه «ثَوّرة»، وهم بذلك يُوصِلون المشهد «اللُبناني» المُعقّد, وغير القابل للحلّ منذ أزيد من سبعة عقود إلى ذروته. دون تمحيص وتدقيق في إمكانية نجاح هذا الحِراك الشعبي المُثير للدّهشة والإنطباع والمحمول على غضب دفين, لم يستطع اللبنانيون بأغلبية طوائِفهم ومذاهِبهم تحمّل المزيد منه, بعد ان استنّزَفتْهم الطبقة الحاكمة, ورثة وبقايا النظام الزبائني الذي قام منذ العام1943.. أمراء الحرب وزعماء الطوائف والمذاهب, ودائماً اؤلئك المرتبطون بعلاقات مشبوهة مع عواصم وأجهزة إقليمية ودولية, دأبت على اعتبار لبنان مُختبرً للمنطقة وبارومتر الاحتقان او الانفراج وبالون الإختبار, الذي يسمح بإحداث هزّات وقلاقل في دول الإقليم, وأخذ الجمهور العربي – دع عنك اللبناني – إلى ملفات وقضايا ثانوية, لكنها تَغْرِف في النهاية وكما هي حال منطقتنا, من قِدر الطائِفية والمذهبِية والأصول العِرقِية والإِثنية.


  ما علينا..
أحقاً ما يجري في لبنان.. ثورة؟ وإن كان كذلك، فثمّة أسئلة يتوجّب لإجابة عليها, بلا مراوغة وحماسة زائدة وإطلاق شعارات ومصطلحات التي لا رصيد سياسياً وخصوصاً اجتماعياً لهاعندما تخضَع للتطبيق. وبخاصة الشعار الذي رُفِعَ وما يزال يتقدّم المطالب الشعبية وهو «الشعب يُريد إسقاط النظام».
أي نظام يُراد إسقاطه؟.
أهو نِتاج صيغة العام 1943، المُسمى «الميثاق» والذي تعود إليه نُخب السُلطة القائِمة منذ ذلك الحين حتى اليوم، كلما شَجَرَ خلاف أو برَزتْ مُعضلة؟. صيغة قائمة على مُحاصَصة طائفية ومذهبية, نهضَتت – وما تزال – على المناصفة بين مَسيحيي لبنان ومُسلِميه.
ما يعني ان «18» طائفة ومذهباً يقتسمون كعكة الوطن اللبناني، فهل هناك أغلبية وازِنة قادِرة على إطاحة نظام محاصصة فاسد ومُفسد كهذا؟ (دع عنك ما يُقال في الشارع وشاشات التلفَزة, التي تُبدي حماسة مشبوهة في تأجيج العواطف وإثارة الغرائز, والتحريض على قطع الطرقات).
ثم تبرز دعوات الى تشكيل حكومة جديدة بعيداً عن الأحزاب. فهل ثمة امكانية حقيقة لاستيلاد حكومة كهذه؟ واذا ما وُجِدت (رغم استبعاد قيامها) فمن اين ستحصل على الثقة؟ أليس من مجلس النواب الحالي؟ فهل يمنحها مجلس المُحاصصة والطائِفية والمذهبِية.. الثقة؟ ومَنْ يضمن أن تكون حكومة وطنية تلبي مصالح الجميع وتنحاز بالضرورة للغالبية العظمى من اللبنانيين, الذين يعيشون حالاً غير مسبوقة من الفاقَة والعوَز والبطالة وفقدان الأمل؟
ثم من يقبل ان يكون لبنان دائرة انتخابية «واحِدة» بدون قيد طائفي ومذهبي؟ في ظل خلل طائفي ومذهبي, يُدرِك زعماء الطوائف وأمراء الحرب الذين يتصدّرون المشهد, وفي مقدمتهم جعجع ووريث عائلة الجمَيّل مهندسة الحرب الأهلية، انها «لن» تكون لصالح المُناصَفة بين المسلمين والمسيحيين؟
أسئلة كثيرة لها إجابات لكنها تضيع في ظل حماسة مشبوهة يؤجّجِها لوردات الحرب وأبرزهم قاتل رئيس وزراء لبناني, «عفا» عنه مجلس النواب, فيما كان القضاء حكم عليه بالمُؤبّد تخفيضاً لعقوبة إعدام لم تُنفّذ؟
… ثورة ضد مَنْ, لصالح مَنْ وبقيادة مَنْ؟.
--------
الرأي

محمد خروب
الثلاثاء 29 أكتوبر 2019