وتأتي هذه الجولة بعد حوادث أمنية متتالية، وتوترات في ريف المحافظة الغربي واشتباكات وقعت في تموز الماضي بين الطرفين، ما يعكس استمرار غياب آلية لتثبيت الاستقرار.
وفي خلفية هذا المشهد، تبدو السويداء أمام إشكالية أوسع من حدود الاشتباك العسكري، تتصل بمستقبل العلاقة بين السلطة المركزية والقوى المحلية المسلحة، وارتباط الاستعصاء بالتدخل الخارجي متمثلًا بالعامل الإسرائيلي، وحدود قدرة الحكومة على بسط سلطتها في المحافظة، مقابل تمسك “الحرس الوطني” بدوره الأمني والعسكري المحلي.
كما يتزامن ذلك مع تطورات سورية أوسع، أبرزها إعلان دمج “قسد” في مؤسسات الدولة، إلى جانب المواقف التي صدرت عن الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز، حكمت الهجري، تجاه إسرائيل، ويطرح ذلك أسئلة حول موقع السويداء ضمن مسار إعادة تشكيل الدولة السورية، وما إذا كانت التوترات الحالية جزءًا من صراع على ترتيبات أمنية وسياسية لم تُحسم بعد.
بين سلطة الدولة والحماية المحلية
سياسيًا، تبدو جذور التوتر مرتبطة بتعارض رؤيتين لطبيعة السلطة الأمنية في السويداء، الأولى تتمسك بوجود مؤسسات الدولة ضمن سلطة مركزية واحدة، والثانية ترى أن الظروف التي مرت بها المحافظة تستدعي استمرار قوة محلية قادرة على توفير الحماية.ويضع الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله التوترات في هذا الإطار، معتبرًا أنها تعكس أزمة لم تُحسم بعد بين منطق الدولة ومنطق الحماية المحلية، وليست مجرد خرق أمني عابر.
وقال العبد الله، إن الحكومة تسعى، من حيث المبدأ، إلى إنهاء ازدواج السلاح واستعادة فاعلية المؤسسات ضمن سلطة مركزية واحدة، في حين يتمسك “الحرس الوطني” بدور الحماية المحلية، مستندًا إلى مخاوف تراكمت بعد أحداث 2025، وإلى قناعة بأن ضمانات الدولة والمحاسبة عن الانتهاكات لم تكتمل بعد.
أما الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن عمار جلو، فيقرأ ما يجري في سياق أوسع يتعلق برغبة دمشق في استعادة السيطرة على كامل الجغرافيا السورية، معتبرًا أن الجنوب هو المنطقة الأبرز التي بقيت خارج سيطرة الحكومة.
ويرى جلو أن التحركات الحكومية ربما جاءت في سياق “جس نبض” القوات الموجودة في المنطقة، ومحاولة معرفة إمكانية اتباع مسار يقود إلى توحيد الجغرافيا السورية، لكنه يستبعد أن يكون ذلك ناتجًا عن “غرور النجاح” لدى القوات الحكومية، ويرجح أن يكون محاولة لتحريك المياه الراكدة والوصول إلى حل وطني يجمع السوريين بمختلف أطيافهم.
ماذا تعني عودة الاشتباكات؟
لا تقتصر دلالة استمرار التوتر على الخسائر المباشرة التي تنتج عن كل جولة، إذ إن تكرارها يبقي العلاقة بين الطرفين في حالة عدم استقرار، ويمنع الانتقال إلى صيغة أمنية ثابتة.ويرى العبد الله أن استمرار السلاح خارج إطار قانوني موحد يحول الحماية من ضرورة مؤقتة إلى سلطة موازية، ويجعل أي حاجز أو حادث فردي قابلًا للتحول إلى شرارة لتصعيد أوسع.
وحذر الباحث من أن تكرار الاشتباكات قد يرسخ ما يسميه “انفصالًا وظيفيًا” للمحافظة، بحيث تبقى السويداء ضمن سوريا جغرافيًا، لكنها تكون منفصلة أمنيًا وخدميًا وسياسيًا.
من جهته، حذر جلو من أن استمرار الطرفين في الاحتكام إلى القوة العسكرية لتعزيز مواقفهما أو مطالبهما قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد.
وأشار إلى وجود حالة من التجييش والتوتر، إلى جانب غياب الحلول السياسية، ما يبقي احتمال خروج الأمور عن السيطرة قائمًا، وإن كان يرى أن هذا الاحتمال أصبح بعيدًا في الوقت الحالي.
واعتبر جلو أن التوترات الأخيرة تعكس بالدرجة الأولى استمرار حالة العداء والتنافر والقطيعة بين الطرفين، مشيرًا إلى أن التصعيد قد يأتي نتيجة حوادث عرضية، أو قد يحمل في بعض الحالات رسالة مقصودة، لكنه يؤكد صعوبة تحديد ذلك من دون معرفة طبيعة الحدث وظروفه.
التوترات الأخيرة تعكس بالدرجة الأولى استمرار حالة العداء والتنافر والقطيعة بين الطرفين، والتصعيد قد يحمل في بعض الحالات رسالة مقصودة.
عمار جلو
باحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات بواشنطن”
اندماج “قسد” ومواقف الهجري من إسرائيل
تأتي التوترات في وقت تشهد فيه الساحة السورية نقاشًا حول شكل الدولة وترتيبات دمج القوى العسكرية المحلية، بعد إعلان دمج “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في الدولة، ويضع ذلك السويداء أمام سؤال يتعلق بموقعها في أي صيغة مستقبلية لتوحيد المؤسسات والسلاح.
الباحث العبد الله اعتبر أن هذا التزامن يضع السويداء أمام “اختبار سياسي”، إما الانخراط في تسوية تضمن حقوقها وخصوصيتها المحلية ضمن دولة موحدة، وإما التحول إلى “الاستثناء المسلح الأخير”، لكنه شدد على أن التزامن بين التطورات لا يثبت وجود تنسيق مباشر، وإن كان يمنح التصعيد دلالة سياسية واضحة.
وبالنسبة إلى مواقف حكمت الهجري من إسرائيل، يرى جلو أن جزءًا من هذا التوجه جاء نتيجة ما حدث في السويداء، إلى جانب التطورات المرتبطة بـ”قسد”.
واعتبر أن اللجوء إلى إسرائيل أصبح لدى بعض الأطراف خيارًا أو موقفًا رمزيًا، مع وجود أصوات درزية في السويداء تعارض هذا التوجه.
تزامن التوترات الأخيرة مع اندماج “قسد” يضع السويداء أمام اختبار سياسي، إما الانخراط في تسوية تضمن حقوقها وخصوصيتها المحلية ضمن دولة موحدة، وإما التحول إلى الاستثناء المسلح الأخير.
الدكتور سمير العبد الله
باحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”
ويرى جلو أن “تيار الهجري” أصبح الطرف الأكثر حضورًا وقوة من الناحية العسكرية في السويداء، وأن الدعم الإسرائيلي له أسهم في إبقاء الوضع القائم بوصفه ورقة ضغط في مواجهة حكومة دمشق.
وعزا جلو جانبًا من استمرار هذا الواقع إلى الخطأ الحكومي في التعامل مع أحداث تموز 2025 وما رافقها من مجازر، معتبرًا أن ذلك جعل قضية السويداء تتحول من مسألة سورية داخلية إلى قضية ذات أبعاد إقليمية.
من يوظف التوتر.. ومن المستفيد؟
في ظل تبادل الاتهامات حول المسؤولية عن كل جولة من الاشتباكات، يصبح السؤال الأوسع متعلقًا بالوظيفة السياسية لهذه التوترات، وما إذا كان استمرارها يخدم مصلحة أي من الطرفين.وأشار العبد الله إلى أن أي استمرار للسلاح خارج إطار الدولة يعزز وجود سلطة أمنية موازية، في حين أن عدم حسم ملف الضمانات والمحاسبة يبقي لدى الطرف الآخر مبررات للتمسك بالحماية المحلية.
أما جلو فيرى أن الطرفين لا يزالان يغيّبان الحلول الوطنية والسياسية والدبلوماسية.
واعتبر أن حالة العداء والقطيعة وإصرار كل طرف على موقفه تبقي الوضع العام متوترًا، ويرى أنه ليس هناك مستفيد من استمرار هذا الوضع سوى إسرائيل، في ظل استمرار الانقسام والتوتر، ووجود قوى عسكرية مستعدة لحماية مواقعها ومدعومة بشراكات أو دعم إقليمي.
الحل.. بين السلاح والمحاسبة
لا يرى العبد الله أن معالجة التوتر تبدأ من جولة أمنية جديدة، بل من ترتيب العلاقة بين الدولة والقوى المحلية على مراحل.ويقترح ترتيبًا أمنيًا تدريجيًا، إلى جانب محاسبة شفافة، وتشكيل شرطة محلية من أبناء المحافظة تعمل تحت سلطة الدولة لا فوقها.
وبالنسبة إلى جلو، فإن استمرار الاحتكام إلى القوة العسكرية لا يوفر حلًا مستدامًا، ويرى أن تحريك المياه الراكدة قد يكون مدخلًا للوصول إلى حالة من الهدوء، بعد أن أصبحت الأوضاع في الجنوب السوري بحالة من الجمود، مع تراجع فرص الحلول الوطنية أو الإقليمية.
وبينما تختلف قراءة الخبيرين لطبيعة الدوافع المباشرة وراء التحركات الأخيرة، يلتقيان عند خطورة استمرار التوتر دون معالجة سياسية وأمنية أوسع، إذ إن تكرار الاشتباكات يبقي السويداء أمام واقع أمني هش، ويجعل أي حادث محدود قابلًا للانتقال سريعًا إلى مواجهة أوسع.


الصفحات
سياسة









