عن خلافات أهل الحكم في سوريا

20/09/2019 - أكرم البني


القائمة القصيرة لبوكر 2019: محاولات البحث عن الهوية



لعلها المرة الأولى التي تلقى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر) رضا واستحسان الكثير من النقّاد والقرّاء والمتابعين من محبي فن الرواية بشكل خاص. فمنذ أعلنت الجائزة مطلع يناير الماضي عن الأعمال المرشّحة على القائمة الطويلة والتي كان اختيارها من أصل 134 رواية رشحت للجائزة، استبشر الكثيرون خيرًا بهذه القائمة التي شملت 16 رواية، كان واضحًا توزعهم على الدول العربية بشكل جيد من جهة، وكذلك وجود أكثر من امرأة مرشّحة للجائزة في سابقة لم تتكرر إلا مرة واحدة من قبل عام 2011، حيث وصلت 7 كاتبات إلى القائمة الطويلة.


من المغرب مبارك ربيع، ومحمد المعزوز، ومن الجزائر واسيني الأعرج، والحبيب السائح، مرورًا بمصر إيمان يحيى، وعادل عصمت، ومن الأردن كفى الزعبي، وجلال برجس، ومن لبنان مي منسي، وهدى بركات، ومحمد أبي سمرا، ومن سوريا شهلا العجيلي، ومن السعودية أميمة الخميس، وصولاً للعراق إنعام كجه جي، وميسلون هادئ، بل وصلت الجائزة للمرة الأولى إلى إريتريا من خلال حجي جابر.
 
بدا واضحًا أن اللجنة حريصة كل الحرص على ذلك التوزيع الجغرافي العادل، كما اشتملت القائمة على أسماء مكرسّة ومعروفة، بل اعتاد الناس وجودها في قوائم الجائزة لسنوات مثل واسيني الأعرج، كذلك وجدنا أسماء مهمّة وذات مشاريع روائيه مهمة مثل هدى بركات، وعادل عصمت، وإنعام كجه جي بالإضافة إلى الأسماء التي يتعرّف عليها القرّاء من جديد ويصلون للجائزة لأول مرة مثل حجي جابر، وإيمان يحيى، ومبارك ربيع، والحبيب السائح.

القائمة القصيرة… الرهان الأكبر

وكالعادة وما أن ينتهي معرض الكتاب بالقاهرة، حتى تعلن لجنة الجائزة عن القائمة القصيرة والتي كانت في الخامس من فبراير الماضي، والتي ضمّت لأوّل مرةـ أربع كاتبات وكاتبين هم على التوالي:
من المغرب محمد المعزوز بروايته «بأي ذنبٍ رحلت»، ومن مصر عادل عصمت برواية «الوصايا»، ومن الأردن كفى الزعبي بروايتها «شمس بيضاء باردة»، ومن سوريا شهلا العجيلي براويتها «صيف مع العدو»، ومن لبنان هدى بركات برواية «بريد الليل»، وأخيرًا من العراق تأتي إنعام كجه جي بروايتها «النبيذة».
 
في تصريحاته عن اختيار روايات القائمة القصيرة قال ياسر سليمان ، رئيس مجلس أمناء الجائزة:
 تطلُّ علينا القائمة القصيرة لهذه الدورة بأصواتٍ أدبيةٍ تبدع في تناولها لموضوعات رواياتها، والتي يعود بعضها إلى الماضي فيستحضره بلغة تأسر الواقع وتتجاوزه؛ لترسم صورة للحنين إلى ماضي لن يعود. ويستلهم بعضها الآخر ثيماته من مآسي الحاضر المتنوعة؛ مآسي تَحطُّم الأوطان وانكسار إنسانية الإنسان أمام جبروت قوى تقضم ما يقف أمامها بلا شفقة.
ويميز هذه الروايات غوايتها باللغة، وآليات سردها المتداخلة، ورواتها الذين يتداولون الأدوار في النص الواحد بأصوات متوازية متنافرة تتنازع القارئ وتجذبه إليها.
ولا شكّ أن صدارة الأصوات النسائية في هذه القائمة لأول مرة في تاريخ الجائزة العربية يمنحها ريادة جديرة بالحفاوة. ومما يزيد من احتفائنا في هذه القائمة هي فرصة الإعلان عنها من القدس الشرقية، بتاريخها الثقافي العميق، والذي هيّأ لها فرصة الانخراط من موقع المنتج والمتلقي في أدبها العربي على مر العصور.
هكذا تطل علينا روايات القائمة القصيرة على اختلاف مضامينها وعوالم الكتابة التي يتناولها فيها كتابها، ولكنها تجتمع في النهاية في بحثها الدؤوب عن الهوية، تلك الهوية التي تتنازعها طوال الوقت صراعات ومشكلات داخلية وخارجية تحيا في المواطن العربي، فيسعى كل كاتب إلى رصد حالته والتعبير عنها من خلال روايته.
يأتي هذا الرصد بطرقٍ مختلفة تعتمد في أكثرها على العودة للماضي من خلال استدعاء حكايات الأجداد بشكلٍ أساسي، نجد ذلك بدايةً مع «الوصايا» لعادل عصمت، حيث يحضر الجد بشكلٍ أساسي، وإن كان الحفيد هو الرواي الذي يسرد سيرة وحياة عائلته، ولكن الجد ووصاياه هو المهيمن على الحكاية وتفاصيلها

وإذا كان الماضي هو ما يهم عادل عصمت ويؤرقه ويسعى لرصده والتركيز عليه، فإن إنعام كجه جي تتجول في العالم العربي وتنتقل بنا في الزمان والمكان في روايتها «النبيذة» لتعرض لنّا عمرًا من المآسي والانتهاكات والأحلام الضائعة التي شهدتها بطلة روايتها العجوز تاج الملوك التي تتذكر ماضيها وحكايتها خلال تعرفها على شابة تشاركها حياتها وتعرض من خلال حكايتها تاريخ العراق بل وتاريخ العرب كاملاً في فترات الصعود القومي الكبرى ثم ما تلا ذلك من انهزامات متعاقبة. ومع بطل الرواية الفلسطيني أيضًا، ناصر البادي، الذي يشاركها الهم والأسى ويعرض طرفًا من مأساة فلسطين بشكلٍ جلي، ليكتمل نسيج الأحوال المأساوية التي يمر بها العالم كله، وحالة الشتات والتشرذم والبحث عن وطنٍ ومأوى أثناء انتقالهم من بلدٍ لأخرى.
يقترب من ذلك ما تفعله شهلا العجيلي في روايتها «صيفٌ مع العدو» والتي ترصد فيها مائة عامٍ من تاريخ الأمة العربية، وذلك من خلال بطلات عملها لميس، السورية التي تروي حكاية جدتها كرمة أيضًا، وهي حكاية شيقة ومليئة بالتفاصيل تعكس حال المجتمع في تلك الفترة الزمنية من ستينيات القرن الماضي، ثم تعود بنا الرواية مع الأم نجوى مرة أخرى إلى الواقع المأساوي وما فيه، حيث المواجهات الدامية والصراعات التي تشهدها سوريا حاليًا. مع تلك الحكاية نغوص إلى عوالم النساء وما فيها من خصوصية وثراء، كما يعكس من جهة أخرى أحلام وآمال الشباب منذ الستينات وكيف ضاعت وتبخرت بما حدث من مشكلات وحروب وصراعات، لا زلنا نعاني منها حتى اليوم.


الهوية: انطلاقًا من الهزيمة الفردية

ربما يختلف الأمر مع الروايات التالية، والتي تركز بشكلٍ أكبر على مشكلات الأفراد، أبطال هذه الروايات، وتمزج بين صراعاتهم النفسية والاجتماعية وبين بحثهم الدؤوب عن مكانٍ يمكنهم فيه العيش بسلام.
نجد ذلك بدايةً في «شمس بيضاء باردة» للروائية كفى الزعبي مع حكاية بطل روايتها راعي الذي يواجه أسرته ومجتمعه بوعيه المختلف والفريد، وهو الشاب العشريني المثقف الذي يبحث ليس فقط عن هويته وإنما عن معنى وجوده، وتنهمر على رأسه الأسئلة التي تحيره وتحيّر قارئه معه. يدور حول معنى الدين والفن والحياة، ويسعى مع شخصيات الرواية التي تأتي ثانويةً وعابرة، إلى الخلاص من كل ما يحيط به من مشكلات أملاً في العثور على هوية واضحة ترضيه ويقنع بها. ينتقل من مشكلة الحب والجنس إلى مشكلة الفكر والدين، وتبدو الرواية بلغتها الشاعرية وكأنها ملحمة الفرد في مواجهة ذلك العالم.
 
أما «بأي ذنبٍ رحلت» للروائي المغربي محمد المعزوز فتقدم معالجة مختلفة لعلاقة الإنسان بذاته وبعالمه ومجتمعه، من خلال قصة راحيل الغريبة وما تحيط بها من معاناة وتشرد، وخالد الذي يبحث عنها متحركًا في الرواية بين الماضي والحاضر، بين بحثه الشخصي عن نفسه في مجتمعٍ يموج بالصراعات والنبذ والاختلافات، وبين بحثه عنها وما تمثله شخصيتها من انتصارٍ لقيم الحب والجمال والمعرفة. وبشكلٍ عام، هناك حالة من التوحد والاغتراب يعيشها شخوص الرواية فيما هم يكتشفون ذواتهم ويسعون للبحث عن هوياتهم في مجتمع رافض مضطرب.
أما في «بريد الليل» للروائية هدى بركات فنحن إزاء عدد من الشخصيات المختلفة التي قد لا يجمع بينها إلا الصدفة وحدها، لكنهم في النهاية مقهورون بشكلٍ أو بآخر. شخصيات تمارس الاعتراف من خلال رسائل لا تصل إلى أصحابها، ولكنها تكشف لنا عن حكاياتهم بشكلٍ ذكي وموجز.

هكذا مثّلت روايات القائمة القصيرة للبوكر هذا العام حالة خاصة تبدو منسجمة مع ما يعانيه الفرد والمجتمع في العالم العربي اليوم من صراعات داخلية وخارجية، كما تعكس من جهةٍ أخرى توجهًا فنيًا مغايرًا لهؤلاء الكتاب الذين استطاعوا أن يمزجوا بين العام والخاص ويقدموا لقرائهم روايات شيقة وممتعة وهي في الوقت نفسه تحمل أفكارً وقيمًا كبرى.
من المنتظر أن تعلن الجائزة العالمية للرواية العربية عن الفائز لهذا العام في آخر أبريل من العام الحالي تزامنًا مع معرض أبوظبي الدولي للكتاب.


ابراهيم عادل - اضاءآت
السبت 9 فبراير 2019