الكاتب السعودي عبده خال يفوز بجائزة بوكر العربية في أول ايام معرض أبو ظبي للكتاب




ابوظبي - الهدهد - أعلن في ابوظبي في مساء اليوم الاول لافتتاح معرض الكتاب عن فوز الكاتب السعودي عبد خال بجائزة بوكرز العربية التي تمنح للمرة الثالثة وقد سبق ان فاز بها قبله كل من الكاتبين المصريين بهاء طاهر ويوسف زيدان ويأتي فوز كاتب سعودي بالجائزة بعد تغيير في مجلس ادارتها واستبعاد عناصر وادخال آخرين عقب أزمة فجرها العام الماضي الكاتب والصحافي رياض نجيب الريس احتجاجا على طريقة ادارة الجائزة ولجان تحكيمها


الكاتب السعودي عبده خال
الكاتب السعودي عبده خال
وقد جرت العادة ان يعلن عن هذه الجائزة كل عام مع افتتاح معرض ابوظبي اما الكاتب الفائز عبده خال فهو من مواليد إحدى قرى جازان (المجنة ) عام 1962حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية جامعة الملك عبد العزيز 1987اشتغل بالصحافة من عام 1982 حاليا يشغل مدير تحرير لجريدة عكاظ السعودية

ويأتي فوز خال عن روايته "ترمي بشرر ..." و قص الكاتب السعودي عبده خال يحمل كما قالت لجنة التحكيم تكملة لعنوان الرواية: ترمي بشرر «كالقصر». قصر بهيج هو جنة جحيمية، ترمي بشررها على جحيم الحارات البائسة في جدة، فيمتد الحكي جسرا بين عالم سيد القصر ومن تحولوا دمى بشرية وعبيداً، من اجتاحهم القصر وسلبهم بحرهم وقوارب نجاتهم. رواية ساخرة فاجعة تصور فظاعة تدمير البيئة وتدمير النفوس بالمتعة المطلقة بالسلطة والمتعة المطلقة بالثراء، وتقدم البوح الملتاع لمن أغوتهم أنوار القصر الفاحشة فاستسلموا إلى عبودية مختارة من النوع الحديث.

وكان هناك من يتوقع فوز "يوم غائم في البر الغربي"، لمحمد المنسي قنديل لكن كواليس العاملين مع اللجنة ولجانها قالت ان بعضهم استكثر ان يفوز بالجائز كتاب مصريون لثلاث سنوات على التوالي

--------------------------------------------------
قالوا عن ترمي بشرر :
عندما تحتضن رواية لعبده خال فأنت تعد نفسك بقراءة مختلفة ، دائماً تأخذك إلى أعماق نفس إنسانية شوهها الواقع ومزقتها الفاقة وافترسها الحرمان لتقع فريسة للأقوياء الذين لا يتوانون عن سحقها سواء متعمدين أو عن دون قصد
قرأت روايته الأخير" ترمي بشرر" وانتابني شعوريين مختلفين الأول كان شعوراً بالفرح لأني موعود بجلسة مسائية تطوق بها عيناي سرداً أعشقه وأستمتع به لأقصى حد ، والثاني شعور مؤلم كون الرواية تعري الواقع المر وتطرح همجية و غرائبية الإنسان في أفعاله التي يغترفها بدافع العوز والضعف أو على العكس تماماً بدافع التسلط والرفاهية والعبثية

طارق فاضل بطل الرواية وكذلك الراوي الذي يسوق لنا قصة حياته التي بدأها بحارة الحفرة في منطقة جدة ، حارة أسماها أهلها الواقعون تحت أنياب الفقر المدقع والجهل المطبق حارة جهنم بسبب بعدها عن التطور الإنساني وامتلاءها بالقاذورات والنفايات الفعلية أو ما تجود به نفوس البشر التي جبلت على إتيان الأفعال القذرة جراء عدم تقليمها أظافر أروحها الجانحة نحو التوحش والهمجية
بعد أن يحط ذلك القصر العملاق المليء بالأضواء التي تخطف القلوب والعيون ويقف كمارد جبار بين البحر وأبناء الحارة يصبح هم الجميع الولوج إلى داخله الجنة كما يتصورون ليصبحوا خدماً عند السيد ينهلوا من كثبان الأوراق المالية التي لا تنضب من جيوبه
يستغل سيد القصر الذي يعتبر أبناء الحارة هوامش حياتية وجدت لكي تضفي على حياته مزيد من الراحة والرفاهية هؤلاء الناس ويستخدمهم عنده بأقذر المهن التي تحط من قيمة الإنسان ، فيستخدم طارق فاضل الشهير بشذوذه وقدرته الجنسية الهائلة التي ورثها أباً عن جد لمعاقبة كل من يقف بطريقة أو يخالفه من خلال جلبه بالقوة وإجبار طارق على اغتصابه أمام عيون السيد وكاميراته التي تصور هذا الفعل المشين
تبدأ الحياة بالتداعي في داخل طارق الذي تقف له عمته العانس التي تكن له كراهية كبيرة بسبب كرهها لأمه بالمرصاد معرية جميع أفعاله القذرة ما يدفعه إلى مبادلتها الكره بطريقة شاذة تصل به لحد تعذيبها وحبسها في غرفة داخل فلته بانتظار أن تموت وتريحه من عذابات نظرتها القاسية التي تذكره بكل ما اقترف
يظل الماضي يطارد طارق رغم محاولته طمر هذا الماضي بأكمله والابتعاد عن كل ما يذكره بماضيه وبـ " تهاني " حبيبته التي تسبب بموتها عندما فض بكارتها وهرب تاركها أمام مصير القتل من قبل والدها .
يبتلع القصر مسرات طارق ورفاقه أبناء الحارة عيسى الرديني أول الواصلين إلى القصر والذي كان سببا في دخول الجميع من بعده ، عيسى الذي تسبب حبه لشقيقة سيد القصر " موضي" بتلقيه لطمة قاصمة أفقدته عقله ودفعته للسير عارياً في طرقات جدة ومن ثمة إلى قتله برصاصتين من سلاح السيد . مصير عيسى كان أكثر مصائر أبناء الحارة تشوها ، فجميعهم دخلوا إلى القصر وهم يظنون إنهم يلجون " الجنة " لكنهم وجدوها ناراً حامية تتلظى الأرواح فيها تحت سطوة الذل و الدنس
النهاية كانت كصاعقة مباغتة تجعلك ترتجف من قمة رأسك حتى أخمس قدميك ، حقيقة عندما قرأتها واستوعبتها شعرت برعدة تجتاح جسدي ولم استطع أن أمنع عبرة مرت بأحداقي واستجمعت دمع كاد يفر من عيني
بصورة عامة بإمكاننا أن نسقط الرواية على الكثير من الأمور الحياتية فهي تستعرض مدى الاختلال الذي تعاني منه بعض المجتمعات من خلال تسلط من بيده المال والسلطة وتحكمه بمصائر المستضعفين الذين لا يملكون لا حول ولا قوة سوى الانجرار والخضوع لهذا التسلط والرضا بحياة الدنس مقابل حصد المال ظناً منهم أن هذا المال سيمنحهم العيش بكرامة غافلين عن أن " المال الفاسد لا يورث سوى المهانة و الضياع " .

****

جملة عابرة من الرواية

" تمنحك الحياة سرها متأخرا حين لا تكون قادرا على العودة للخلف "


غلاف الرواية الفائزة
غلاف الرواية الفائزة

وغير "ترمي بشرر" للكاتب الفائز عدة اعمال من اشهر ها رواية فسوق وهي رواية عن مصادمة مع تعنت رجال هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر حينما يأتي اصلاحهم لتهشيم الناس وتحويل حياتهم إلى خراب نفسي واجتماعي من خلال مطاردتهم للناس حين يمارسون حياتهم الطبيعية ويتولد من ذلك نوع من الكسور الاجتماعية والتي تنتج عفنا اجتماعيا يستشري بين البشر ويحول البعض إلى منحرفين أو إرهابين متخذة من الارهاب الحادث في المملكة قماشة خلفية كنتاج لتصرفات الهيئة في خلق هذه النوعية التي تبحث عن السلطة السياسية والاجتماعية .
ثم تمعن في البحث عن التشوهات النفسية نتيجة العزلة وهي تصل إلى الشذوذ النفسي من خلال علاقة حب شاذة تماما ولها محاور كثيرة تبدأ بجملة هربت من قبرها وفي البحث عن الفتاة الهاربة تسرد تفاصيل انحرافها وماضيها الذي دفعها للعبادة والتنسك بعد القبض عليها من هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لتدخل في تدبير هرب للتخلص من عذاب وحدتها بعد أن تحول حبيبها إلى شيخ ومجاهد في دول افغانستان والعراق.
وتنشأ فلسفة الاجتثاث حينما تتابع من قبل محقق يؤمن بنظرية الاجتثاث، ويتحرك للمطالبة بإحلال هيئة الامر بالمعروف وأنها دولة داخل دولة هي ذات أبعاد اجتماعية ونفسية وأخلاقية.
--------------------------------------------------
ولمن لا يعرف اسلوب الخال في رواياته الاخرى في ما يلي مقتطفات من رواية "فسوق" أشهر روايات الكاتب الفائز ببوكر العربية للعام الحالي

في زمن الأحلام المرة لا نتذكر إلا الماضي ..

في أول ليلة من دفنها،جلس في صدر المجلس كلوح فصل دراسي سيء الاستواء،فمه فاغر عن آهة ضخمة،انتهت بقضم شفته السفلى متحسرا على فقدانها :

- قتلتني يا جليلة !

حين كان المعزون،والشامتون،والمستفسرون يقفون في مواجهته لا يلمحهم تماما،شخوصا يتحركون خلف ساتر ضبابي في ليل مطير،كتلك الأخيلة التي تتآخى مع السراب فتكتسب صفته .

عيناه زائغتان تحاولان دفع انهمار دمع تحجر منذ تلك الليلة،وتحولت أذناه الى عقربي ساعة مهمتهما الدوران لاجتياز برحة الوقت،غير معنيتان بالتوقف للحظة واحدة لتدبر أقوال وأحداث،غدت مهمتها المقدسة قطع تلك المسافة الدائرية التي لاتنته من رحلتها العبثية .

عقارب الزمن تعود لمواقعها ليس لتدليل على أنها كانت هنا،بل لتسترجع ماحدث في كل موقع على حدة،ملايين من الأحداث تنسخها يوميا على قرص ممغنط سيقرأ يوما ما.!

جلسته تلك تذكر الكبار منهم،بجلسته القديمة،حين التقى القاتل والعاشق تحت فىء تلك السدرة،كل منهما يعرف صاحبه،ومنشغل عنه بتفادى عربة جنون تجتاح جمجمتيهما معا بسرعة وعشوائية .

كان يجلسان سويا،أحدهما يريد اخماد نواح الشجرة،والاخر يبحث عن مغفرة لتخاذله عن اسعاف قلب عشقه،وحين قطع رأس أبو يوسف بقى محسن الوهيب وحيدا يحاول تفادي عربة جنون تحاول اختراق جمجمته من منافذ شتى .

أيقنت أسرته من عطبه المبكر،لم يعد يفعل شيئا سوى المكوث أسفل تلك الشجرة كظل لا يزول ،وترديد الكسرات في هوى تأجج وغدا نارا تذيب أجفانه حسرة على حبيبة لم يقدر على اختطافها من موت عشوائي .

انبرى جسده،وبقيت عظامه مترابطة بعصب نفر من كل جزء في جسده،تعبره الاقدام والعيون كمسمار دق في جذع شجرة ألفت مكانه كما تألف انحناءات شارع تعبره الأقدام يوميا،يتهلهل كأوراق شجر يابس وهش،وقبل أن يتلاشى استجاب ذووه لعابر سبيل أوصاهم أن يتركوه في صحن الكعبة بين حمام الحرم،وأن يغسل في كل يوم بماء زمزم عله يعود لرشده .

لم يكن يجرؤ على الإفصاح لكائن من كان : كيف تركها تموت وهي بين أحضانه،وكلما تذكر كيف دفعها لقاتلها ارتعد كارتعاد إبريق فار حتى ملت منه نار مستعرة ..

بعد سنين طويلة وصف نفسه بالخسة لصديق عمره مالك الدميني،وتدفق كسيل ضل الطريق ومن غير هدى استنجد بزبده كي يعيده لمجراه :

- قتلتني جليلة .

في الليالي المظلمة يخرج للقائها،وفي كل لقاء يعدها أن يطلبها من أخيها، ولم يكن الأخ ليفيق من شروده فقد غرق في خيانة زوجته .

في تلك الليلة قررا ان يذهبا لشيخ الحارة ناثرين عشقهما بين يديه،طالبين منه أن يقودهما للمحكمة أو أن ينضم هذه اللوعة بمعرفته،كان حذرهما أن يقفا على أبواب المحكمة من غير ولي،لذلك اختارا العمدة وقبل أن يكملا قرارهما الأخير لم يحتاطا جيدا من تحرك ضغينة أخيها على زوجته الخائنة،فبكر بالاقتصاص منها ..

نسيا نفسيهما في ليل لم يهتما برحيله،فتنفس الصباح بروحها،خرج عليهما حاملا شفرته التي اجتثت عشرات المخدات في تدريب متواصل لاجتثاث أحشاء امرأة هربت من رائحته مع عشيق لا يعرف لونه أو طعمه،وحين رأى أخته تذوب هياما بعشيق أخر،ضغينته لم تمكنه من اختيار خصمه جيدا،كان مهزوما من الداخل،جذب جديلتها ومرر شفرته على نحرها متهيجا :

- أيتها العاهرة،سأبدأ بك لأصل إليها .

لم يقف العاشق لرؤية عينيها قبل ان تغمض تماما،ولم يقف القاتل لاسترداد شهقة لم تدر باي منهما تمسكان،وتراكضا القاتل والعشيق في الطرقات يبحثان عمن يخفيهما من عينين حملتهما لاخرتها وهي متحيرة أيهما خانها ..

التقى أبو يوسف ومحسن الوهيب تحت ظل شجرة السدر يبحثان عنها،أحدهما يبحث عنها لاستعادتها،والاخر لاخماد شكواها ..

** **

حين سال دم القاتل في ساحة القصاص كان العاشق يسفح دموعه لنضوب صوتها ومغادرته للمكان،فقدها تماما،وتعافت ضمائر أهل الحي من مقتلها،لم يبق من جليلة سوى تقديس مضمر،وخطوات زائرين لشجرة السدر وجدوا عاشقا حبيسا ظلها،يتمتم باسمها كل حين،نحل كقلم حت من كل الجهات،براه العشق تماما،وحين أيقن اهله من عطبه استجابوا لنصيحة عابر سبيل (الذي قيل أنه النبي الخضر ):

- اذهبوا به لمكة ..

أهمل أهله نصيحة العابر سبيل لبعض الوقت،وتركوه أسفل الشجرة عل دعوة تنجيه أو موت يفنيه.

لقبه أهل الحي بالولهان أو العاشق الذي تخلى عن حبيبته في ليلة قتلها،وألفوا سماع قصائده الذابلة الميتة التي لم تقرب تعاطفهم إليه،يجلس صامتا جامدا كصنم لم يرمم بإتقان،يسند ظهره على جذع الشجرة وخيط متقطع من الدمع يغذي وجنتيه،وأذنان جائلتان كعقربي ساعة يمضيان في برحة الوقت غير مكترثتين بكل المقولات التي تسكب بالقرب منه،يجلس ساكنا كريح حبس في رئة ميتة .

رق له قلب عمه،فلام أبيه وأخوته لإهماله،وفي ضحى يوم غائض حمل للحرم وقذف هناك فتعلق بستائر الكعبة لأيام طويلة وعاش مع حمام الحرم،يوميا يجتث شيئا من صدره ويوزعه على أجنحة الحمام الملتف حوله،هذه الحركة المسرحية يؤديها يوميا تحت مزراب الكعبة،داعيا الله أن يطير عشقه من بين جوانحه كالحمام المحلق على بيته وأن يمحو عشقه لجليلة كما يمحو خطايا الطائفيين بحرمه.

ولم يعد من مكة إلا متزوجا ووديعا كحمام الحرم المكي يرف بجناحيه في كل مكان بدعة واستسلام،وانشغل بتكورات بطن زوجته مرارا وكل ثمرة تطرحها لا تأتي له بما يحب،وفي تكور بطنها الاخير كانت طفلته جليلة سلوته التي يردد اسمها كما يردد الأدعية الجالبة للاطمئنان والفرح .

هاهي الادوار تتجسد مرة اخرى،هروب امرأة مع عشيقها ورجل يبحث عنها ليغسل شرفه بالدم ..ربما كان في جلسته الصنمية تلك يفكر بالقصاص العادل،هروب الزوجة كهروب الابنة كلاهما عار يجب التخلص منه بالدم ..قال جملة أفشت شيئا مما هو فيه،هكذا فجأة صرخ :

- ليرحمك الله يا أبا يوسف !!

في اليوم التالي من هربها جلس كمن مسته العدوى،عدوى شبيهة تماما بمرض أبو يوسف حيث كانت عربة الجنون تبحث عن منذ صغير لتخترق جمجمته،يجلس سارحا عن الدنيا يضرب فخذه من غير إرادة مرددا :

- من يوصلني لرقبتها ..

** **

في تلك الليلة فر من صدر فتاة شوق مبرح فخرجت لتوليف عصفورين حبسهما فراق مضني،هي التي فتحت قفص صدرها وأسلمته كل التفاصيل التي كانت تنتظرها مقابل هذا الخروج وقبل أن يطمئنها ويودعها لشيخ الحارة شخب الدم من حنجرتها،وكان أجبن من ان يفديها بروحه .

الحياة تتكرر كاللحن المسروق،جمل لحنية من هنا وهناك تعيد لذاكرة سيرة اللحن الأول،

هاهو يجلس اليوم في غرفته،ونفس الدم يسيل من مخيلته ويتنقل بين جملتين فحين ينكسر يردد ::(قتلتيني ياجليلة)

وإذا طفح الدم من مخيلته يأخذ في الهذيان صارخا :

- ) من يوصلني لرقبتها ).

ابو ظبي - الهدهد
الثلاثاء 2 مارس 2010