تعز... من عاصمة الثقافة إلى ورقة صراع سياسية






تعز = أمل اليريسي - في الطريق إلى داخل مدينة تعز الواقعة وسط اليمن، تستوقفك آثار الدمار الهائل الذي لحق بالمباني والبيوت، ويشد انتباهك الانتشار الكثيف للعناصر المسلحة التي تتبع فصائل مختلفة خارجة عن سيطرة الدولة، والوضع الانساني الصعب الذي يعيشه سكان المدينة نتيجة الحصار الخانق الذي يفرضه مسلحو جماعة الحوثي على المدينة منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
وتشهد محافظة تعز مواجهات مسلحة عنيفة منذ أكثر من ثلاثة أعوام بين قوات الجيش الموالية للرئيس المعترف به دولياً، عبد ربه منصور هادي مسنودة بقوات التحالف العربي من جهة، ومسلحي الحوثيين (المتهمين بتلقي الدعم من إيران) من جهة ثانية.
على أطراف المدينة ومداخلها، تنتشر شعارات جماعة الحوثي ونقاطهم العسكرية على امتداد الطريق حيث يسيطر مسلحو الحوثي على تلك المواقع ويفرضون حصاراً خانقاً على المدينة.


 
اما في الشوارع والمناطق الواقعة داخل المدينة، تظهر رايات الفصائل المسلحة وشعاراتها في عدة مواقع بالإضافة إلى انتشار قوات الجيش الوطني، في مشهد يُظهر حجم الانقسامات التي تمتد إلى كل مفاصل الحياة في المدينة.
وبعد تحرير معظم أجزاء مدينة تعز خلال عامي 2015/2016 من سيطرة الحوثيين، اصبحت المدينة حالياً مُقسمة إلى مربعات أمنية تسيطر عليها ما يعرف بفصائل المقاومة الشعبية، وعلى رأسها الفصيل المحسوب على جماعة السلفيين بقيادة ابو العباس والفصيل المعروف بـ "المقاومة الشعبية" بقيادة حارث العزي والمدعومان من دولة الإمارات العربية من جهة، وفصيل حزب التجمع اليمني للإصلاح "الإخوان المسلمين" المدعوم من المملكة العربية السعودية ، وهو المسيطر الأكبر على المدينة.
وفي الوقت الراهن، توجد عدة فصائل مسلحة في تعز تتوحد جميعها في الظاهر في القتال ضد جماعة الحوثي وتحرير المدينة من سيطرتها، وفي الباطن يسعى كل فصيل من هذه الفصائل إلى التمدد في المدينة من اجل امتلاك زمام الفصيل أمور وناصية الفعل بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك الاقتتال مع بعضها البعض.

وقد انضمت فصائل المقاومة الشعبية، من بينها فصيل حزب الإصلاح (الإخوان المسلمين) بشكل رسمي إلى الألوية التابعة للجيش الوطني (بعد قرار الرئيس عبد ربه منصور هادي دمج المقاومة الشعبية إلى الجيش عام 2015) ويحصلون على مستحقاتهم المالية عن طريق الوية الجيش، بخلاف فصائل كتيبة أبو العباس وجماعة حارث العزي التي ما زالت حتى الآن ترفض الانخراط في الجيش الوطني وتتلقى الدعم مباشرة من الإمارات.

ولم تكن عملية الدمج هذه وفق معايير وأسس عسكرية فعلية، فبقى كل فصيل محتفظ بكيانه كمليشيا تمتلك أسلحتها الخاصة وتتلقى أوامرها من قيادتها كفصائل غير خاضعة للقيادات في الألوية العسكرية.
وفي محافظة تعز، أصبح المشهد السياسي والأمني معقداً للغاية ويجد المتابع صعوبة في تحديد ملامحه في ظل تداخل المشاريع الاقليمية والدولية في المنطقة.
وتتهم بعض الأطراف دولة الإمارات بالوقوف وراء الفوضى التي تشهدها المناطق المحررة في مدينة تعز، من خلال تجنيد جماعات سلفية وتقديم الدعم اللامحدود لها بالمال والسلاح، وعلى رأسها مجموعة السلفيين المعروفة باسم "جماعة ابو العباس" التي يقودها العقيد عادل عبده فارع، وهو متشدد سلفي في أواخر الثلاثينات من عمره يُكنى بـ "أبو العباس"، ونائبة عادل العزي وقوامها أكثر من ألفي مقاتل، إضافة إلى جماعة حارث العزي.
وينتمي معظم المقاتلين التابعين لجماعة "ابو العباس" إلى التيار السلفي، وهم من ابناء المدينة القديمة وأحياء الجمهوري وحوض الأشراف وغيرها من المناطق الشرقية الخاضعة لسيطرة الجماعة.
وتتلقى هاتان الجماعتان دعماً عسكرياً كبيراً من دولة الإمارات بشكل مباشر، ويعد هذا الدعم أكبر من الدعم الذي تتلقاه الألوية العسكرية المنضوية ضمن الجيش بشكل رسمي والتي تقاتل ضد الحوثيين.

ويعد ابو العباس الذراع الأيمن لدولة الإمارات في مدينة تعز، وهو أحد الشخصيات التي برزت في تعز خلال عملية تحرير المدينة عام 2015، وشارك في تحريرها من قبضة مسلحي الحوثيين والقوات الموالية لهم.
وأثار استمرار الدعم الكبير الذي يتلقاه أبو العباس من قبل دولة الإمارات العديد من التساؤلات حول الهدف الذي تسعى له الامارات في تعز من خلال دعم الجماعات المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة.
ويتساءل احمد المقرمي، رئيس دائرة حزب التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمين)، عن الهدف الذي تسعى الإمارات إلى تحقيقه من خلال تقديم الدعم لجماعة ابو العباس وبقية الجماعات التي تسير في نفس الاتجاه.

وقال المقرمي في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) :"ما هو المبرر لدعم أبو العباس بكل هذه الأسلحة وهو لا يشارك في مواجهة الحوثيين في هذا الوقت؟.. ألا يفترض أن يتم توجيه هذه الأسلحة والدعم للجيش الوطني الذي يواجه مليشيات الحوثي في مختلف جبهات القتال؟".

وتتواجد كتيبة أبو العباس في الوقت الراهن فقط في جبهة "الكدحة"،الواقعة غرب المدينة، لحمايتها من مسلحي الحوثيين، فيما يقع المربع الشرقي من المدينة تحت سيطرتها.

واستغرب المقرمي "كيف يتم إدراج أبو العباس ضمن قائمة داعمي الإرهاب، وفي نفس الوقت يتم رفده بالدعم العسكري من الامارات التي تعد إحدى الدول المشاركة في إعداد تلك القائمة؟".

واضاف "ما يزال هذا السؤال يتردد على لسان السياسيين والمواطن البسيط في مدينة تعز وخارجها دون وجود أي إجابة حتى اليوم."

جزء من الشرعية

بلحيته المتوسطة ذات اللون الأسود الذي يخالطه بعض البياض، وشخصيته الغامضة والهادئة والرزينة، يتوسط ابو العباس المقاتلين التابعين له في مقر قيادته الواقعة في المدينة القديمة، وسط تعز.

كان هذا المقر في السابق عبارة عن مدرسة عامة ومن ثم حولها مقاتلو ابو العباس إلى مقر لهم. في فناء مقر القيادة، تقف عدد من المدرعات والدوريات العسكرية التي حصلت عليها الكتيبة كدعم من دولة الامارات تحمل شعار "كتيبة ابو العباس"، ويفرض مسلحو ابو العباس حراسة مشددة على هذا المقر.

وتتهم العديد من الأطراف في تعز ابو العباس بالتبعية للإمارات وتنفيذ اجندتها في المحافظة وعدم الانصياع للحكومة الشرعية، إلا ان ابو العباس نفى ذلك واعتبره مجرد اكاذيب.
وفي لقاء مع وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) في مقر قيادته، قال ابو العباس انه جزء من الشرعية المعترف بها دولياً والتحالف العربي الذي جاء إلى اليمن لدعم الشرعية والرئيس هادي.
واضاف "نحن خرجنا من أجل الشرعية، خرجنا وقاتلنا بأوامر من الرئيس عبد ربه منصور هادي عندما دعا إلى النفير العام ضد مسلحي الحوثي. نحن منصاعون للشرعية وندعم التحالف الذي يدعم هذه الشرعية، فكيف لا نمتثل للشرعية ونحن نعمل لديها".
ونوه ابو العباس إلى أن "وجود سبب سياسي خاص للدعم الذي تقدمه الإمارات غير صحيح، فالدعم مرتبط بالشرعية وليس بأجندة الإمارات، كما أن الإمارات لا تدعمني حتى أتماشى مع أجندتها بل تدعمني لأنها تريد أن يتم تحرير تعز من قبضة مليشيات الحوثي، وتدعمني لأني أعمل تحت سقف شرعية الرئيس هادي".
وأردف "لو طالبت الشرعية الإمارات بإيقاف الدعم المقدم لأبو العباس فسيتم ايقافه".
وفي تشرين أول /أكتوبر عام 2017، أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية والسعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر، أبو العباس ضمن آخرين، في قائمة "داعمي وممولي الإرهاب"، وما زال اسم ابو العباس حتى الآن ضمن تلك القائمة.
ويرفض أبو العباس تصنيفه ضمن لائحة "داعمي الإرهاب"، معتبراً أن تقارير التصنيف تلك "كاذبة".
وقال "نحن أثبتنا عدم صحة التهم المنسوبة الينا بعد يوم واحد من صدورها، والتقيت فيما بعد بقيادة التحالف وطلبت منهم أن يثبتوا تلك التهم، وأكدت لهم استعدادي للمثول أمام القضاء، على أن يكون التحقيق في مدينة عدن، أو في دولة الإمارات أو المملكة العربية السعودية اللتان تقودان التحالف العربي".

ورداً على سبب عدم رفع اسمه من القائمة حتى اليوم، قال أبو العباس بثقة "لا زلت اتلقى الدعم من دولة الإمارات، اعتقد أن الأمور العملية هي أهم بكثير من النفي".

وتساءل أبو العباس "أنا الآن مصنف في لائحة دعم الإرهاب فكيف تدعمني الإمارات بمعدات عسكرية وسيارات وأسلحة وأنا إرهابي؟"، مضيفاً "هذا اكبر دليل على أن تلك الاتهامات غير صحيحة".

وأعتبر أن السبب وراء ذلك الاتهام هو "مكايدات سياسية من قبل حزب التجمع اليمني للإصلاح ومن على شاكلتهم"، حيث وُضع هو في وسط تلك المكايدات، حد تعبيره.

وقال إن من رفع المعلومات التي وصفها بـ "المغلوطة" لقيادة التحالف هي نفسها الأطراف التي تحاول زعزعة الأمن والاستقرار في المدينة، في إشارة إلى حزب الإصلاح.

مواجهات مسلحة واتهامات متبادلة

وتشهد مدينة تعز في الوقت الراهن توتراً كبيراً بين الفصيل السلفي والقوات الموالية لحزب التجمع اليمني للإصلاح، وتطورت الخلافات بين الطرفين، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة بينهما في نيسان /ابريل الماضي، خلفت أكثر من 29 قتيلاً بينهم قيادات من كلا الجانبين، حسب تصريحات مكتب الأمن، كما امتدت المواجهات إلى مناطق واسعة في المدينة، واستُخدمت فيها الأسلحة المتوسطة والثقيلة.

وفي هذا السياق، أتهم أبو العباس حزب الإصلاح "بالسعي للوصول للحكم السائد في مدينة تعز"، مضيفاً "نحن نرفض ذلك، ونرفض أن ننصاع لمليشيات إخوانية، نحن حاربنا الحوثيين كونهم مليشيات، وكذلك لن نسمح لمليشيات الإصلاح أن تحكم تحت اسم مليشيات. نحن نريد دولة، و من يريد أن يكون تحت مظلة الدولة يجب عليه أن ينصاع للدولة".

وأوضح أبو العباس أن الإمارات هي دولة ضمن قوات التحالف دخلت اليمن بإذن "ولي الأمر" الرئيس هادي من أجل تحرير جميع المناطق اليمنية واعادتها إلى سيطرة الشرعية، أما الطرف الآخر (في إشارة إلى دولة قطر) التي تتهم بدعم الإخوان، "فهي ليست ضمن هذا التحالف".

ورداً على الاتهامات التي وجهها أبو العباس لحزب الإصلاح، قال المقرمي (رئيس دائرة الحزب في تعز)،:"حزب الإصلاح حزب مدني يسعى لتحقيق الحياة المدنية ويدعو جميع الفصائل في تعز إلى الانخراط في صفوف الجيش الوطني الرسمي وترك مسمياتها وحالة المقاومة الشعبية التي انتهت بقرار رئيس الجمهورية بضم كافة أفراد المقاومة إلى الجيش"، مشيراً إلى ان أبو العباس "رفض الانضمام إلى المؤسسة العسكرية ووضع نفسه تحت مسميات الفصائل".

الحد من نفوذ حزب الاصلاح

وعلى الرغم من توقف الاشتباكات بين الطرفين (أبو العباس وقوات الإصلاح) واحتوائها عبر وساطة قادها وكيل المحافظة عارف جامل، إلا أن الوضع لا يزال متوتراً بين الطرفين.

ويرى مراقبون ان المواجهات قد تتجدد في أي لحظة في ظل سعي الإمارات لإنهاء تواجد حزب الإصلاح في تعز— الذي تم تصنيفه من قبل بعض الدول ضمن قائمة الإرهاب باعتباره أحد فروع "تنظيم الاخوان المسلمين"، ومحاولة حزب الإصلاح إنهاء التواجد السلفي في تعز.

ويقول الباحث في شؤون التنظيمات المسلحة ع. ج (طلب عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية)، لـ (د.ب.أ) أن الإمارات تدرك جيداً أن حزب الإصلاح يعد أقوى الفصائل الموجودة في تعز، لذلك سعت لإيجاد طرف آخر بنفس القوة التي يمتلكها حزب الاصلاح.

ويضيف "تدرك الامارات أن السلفيين هم القادرون على الحد من نفوذ الاصلاح في المدينة، ولهذا تقدم لهم الدعم، وقد تغض الطرف أيضاً عن وجود عناصر من تنظيم القاعدة في صفوف السلفيين، وذلك لأن الامارات تعتبر جماعة الاخوان اشد خطراً من تنظيم القاعدة".

وتابع "على الأرجح، يتلقى أبو العباس دعماً من الإمارات، وعلى الأرجح أيضا، تتعامل الإمارات مع نائبه عادل العزي وليس معه مباشرة".

وارتبطت كتائب أبو العباس بشكل خاص بأسماء لشخصيات تتهم بارتباطها المباشر وعملها مع عناصر تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، من بينهم عادل العزي، نائب أبو العباس ويده اليمنى، وهو أحد المطلوبين في عدة جرائم من بينها القتل، قبل اندلاع الصراع المسلح في تعز، ويتهم بالتعامل مع العناصر التابعة للتنظيم والجماعات المتطرفة، إضافة إلى حارث العزي، الذي كان قياديا سابقا في تنظيم القاعدة، وقاتل في صفها حتى آخر لحظة من تحرير المناطق في الجبهة الشرقية لتعز، حتى أصدر التنظيم (أنصار الشريعة) قبل نحو عامين بيانا بأن العزي لم يعد من عناصرها.

العزي أيضا أحد المتهمين بتنفيذ سلسلة من الاغتيالات قبل اندلاع الحرب وفقا لتصريحات مدير الأمن الأسبق في تعز، مطهر الشعيبي.

وبعد أن تبرأت القاعدة من العزي، قاد جماعة من المتطرفين واتخذ حتى اليوم من (سوق الصميل وحي الهندي شرقي المدينة) موقعا جغرافيا لنفوذه، وكانت تحت سيطرته مرافق حكومية مثل المالية، البريد العام، وإدارة الأمن وكلية الآداب شرقاً، قبل أن يسلمها إلى أبو العباس العام الماضي.

في الوقت نفسه، يُتهم حزب الإصلاح (الإخوان المسلمين) بتلقي الدعم المادي من السعودية، "والتستر على عناصر تتهم بدعم الإرهاب"، مع تقلد تلك العناصر مناصب قيادية لدى فصائل المقاومة الموالية للإصلاح، والمنضوية تحت مسمى الجيش الوطني.

وارتبطت بعض الفصائل الموالية لحزب الإصلاح، بشخصيات متهمة بالتورط في دعم الإرهاب، من بينها قائد فصيل لواء الصعاليك، عزام الفرحان، المصنف بحسب تقرير لجنة الخبراء الصادر عن الأمم المتحدة لمجلس الأمن عام 2017، "بارتباطه بتنظيم داعش"، وهو نجل القائد الأول للإخوان المسلمين سالم عبده فرحان.

ولهذا الفصيل نفوذ كبير في تعز، وما يزال يسيطر على بعض المقرات الحكومية فيها، منها مبنى البحث الجنائي في منقطة المرور غربي مدينة تعز "كما أنه يتهم بمنع الحملة الأمنية من القبض على بعض المطلوبين منهم المطلوب بجرائم القتل سمير الشويطر"، حسب مصادر كانت تقاتل بصف المقاومة الشعبية سابقاً.

كما أشارت تلك المصادر إلى قيادي أخر موالي للإصلاح، ويدعى عدنان رزيق، قائد فصائل حسم، مؤكدة بارتباطه بالتنظيمات الإرهابية، وبإدخال عناصر القاعدة وداعش إلى مدينة تعز من محافظات شبوة ولحج وأبين بحجة القتال ضد "الروافض"- في إشارة إلى مسلحي الحوثيين.

وأوضح الباحث في شؤون الجماعات المسلحة (ع. ج)، أن تنظيم القاعدة سحب معظم عناصره من المدينة قبل أشهر، وأبقى على عدد محدود من عناصره الذين ينتمون إلى تعز، "وهناك معلومات مؤكدة تشير إلى إن بعض هذه العناصر تتواجد في مربعات أبو العباس".

وقد أدى الصراع المسلح الذي شهدته مدينة تعز، خلال أكثر من ثلاثة أعوام، إلى تدمير البنية التحتية لجهازي الأمن والجيش بشكل كامل، الأمر الذي ساعد في انتشار العناصر المتطرفة والخارجة عن القانون، حيث انتشرت شعارات تنظيم أنصار الشريعة (القاعدة) وشعارات تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية (داعش)، على جدران بعض أجزاء المدينة، ولكن معظم تلك الشعارات اختفت بعد الحملة الأمنية التي نفذتها السلطة المحلية في تعز لضبط الأمن.

لجنة امنية لضبط الأمن

في نيسان /أبريل من العام الجاري، شكلت السلطة المحلية في تعز برئاسة محافظ المحافظة ووكيل المحافظة، والأمن بقيادة محور تعز، لجنة أمنية للبدء بحملة تهدف إلى إعادة الأمن وضبط العناصر المطلوبة أمنيا، مع بسط السيطرة على المربعات التي تتواجد فيها تلك العناصر.

وجاءت هذه الحملة الأمنية بعد توسع دائرة الاغتيالات، التي استهدفت قيادات وافراد من الجيش والمواطنين وخطباء وأئمة المساجد، في المربع (الشرقي)، والانفلات الأمني الكبير الذي شهدته تلك المناطق.

وخلال شهر آيار /مايو الماضي، عُثر على خمس جثث لجنود موالون لحزب الإصلاح (تم قتل بعضهم ذبحاً) في حي الجمهوري الذي يشتهر بأنه احد اوكار العناصر الإرهابية، وهو يقع ضمن المربع الذي تسيطر عليه جماعة ابو العباس.

في هذا السياق، قال رأفت الأكحلي، مدير الأمن في مدينة تعز، لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، أن الوضع الأمني في مدينة تعز، تحسن بعد الحملة الأمنية، مشيراً إلى أن الحملة الأمنية تقوم بواجبها على أكمل وجه و انتشرت في ربوع المدينة، لا سيما في المربع الشرقي والجنوبي الشرقي لمدينة تعز.

واضاف "الحملة الأمنية ساهمت في السيطرة على كثير من المنشآت الحكومية الخدمية وعلى رأسها المستشفى الجمهوري التي كانت تحت سيطرة مجموعة من الخارجين عن القانون، كما تم القبض أيضاً على بعض المشتبه بهم في ارتكاب جرائم وأعمال ضد القانون".

وفي إطار هذه الحملة الأمنية، سلمت كتائب ابو العباس جميع المقرات التي كانت تحت سيطرتها للشرطة العسكرية التي اقرتها اللجنة الأمنية.

ووفقاً للأكحلي، ستستمر الحملة الأمنية ما بين ستة أشهر إلى سنة كحد أقصى، مشيراً إلى أن "القضاء على العناصر التخريبية والمتطرفة لا يأتي في ليلة وضحاها، لذا حددنا الحد الأدنى لاستمرار الحملة الأمنية بستة أشهر او سنه كحد اقصى وهذه فترة طويلة ستتيح لنا معرفة الأوكار الخاصة بالمجرمين".

واستغرب المواطنون في مدينة تعز، من عدم الإعلان عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف تك العناصر المتطرفة خلال عمليات المداهمات التي أعلنت اللجنة الأمنية عن تنفيذها.

وأكدت ذات المصادر، أن قوات الأمن أطلقت سراح بعض المطلوبين أمنيا بعد أيام من احتجازهم، بعد "تدخلات من قبل شخصيات عسكرية وقيادية في فصائل المقاومة الشعبية".

وتعليقا على ذلك رد الأكحلي أنه لا يمكن أن تتواطأ أجهزة الأمن مع أي عناصر خارجة عن القانون، "ونحن نتعامل بما يثبت على الشخص وليست جميع الأحكام ثابتة".

من جهته، قال عارف جامل، وكيل المحافظة وقائد الوساطة بين كتائب أبو العباس والإصلاح، "كانت هناك مشكلة قائمة في مدينة تعز فيما يسمى بالمربع الشرقي حيث كانت تحدث اغتيالات لبعض أفراد الجيش الوطني هناك، و قضايا قتل، وكانت جميع مؤسسات الدولة في المربع الشرقي غير موجودة أو غائبة بشكل كامل فكان لا بد من تنفيذ حملة أمنية لتسليم جميع المؤسسات من قبل الفصائل التي كانت تسيطر عليها إلى قوات الأمن".

وأضاف " تم توجيه وتشكيل لجنة برئاستنا واتخاذ قرار بتسليم جميع مقرات الدولة إلى الدولة من بعض الجهات وبعض الأشخاص والفصائل الذين كانوا يسيطرون على هذه المؤسسات أثناء الحرب، وبالفعل تم تسليم جميع المؤسسات في المربع الشرقي".

وقال جامل، إن الحملة الأمنية تهدف إلى ضبط المطلوبين امنياً من أي فصيل او جهة ولا تستهدف شخصاً بعينه، مشيراً إلى أن ابو العباس مشارك في هذه الحملة.

وفيما يتعلق بإدراج أبو العباس وتصنيفه كداعم للإرهاب، أوضح جمال أن لذلك أبعاد سياسية أكثر من أي شيء آخر.

تأخر الحسم

وعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاث سنوات على بدء المعارك ضد الحوثيين في تعز، إلا أن هذه المحافظة المصنفة ضمن أكبر المحافظات اليمنية من حيث الكثافة السكانية لم تتحرر بشكل كامل من قبضة الحوثيين.

ويتساءل المواطنون والسياسيون في تعز عن سبب تأخير عملية الحسم في المحافظة، معتبرين أن تعز أصبحت ورقة تلاعب سياسية.

(ج.س)، أحد أفراد المقاومة الشعبية سابقاً، قال لـ (د.ب.أ)، أن هناك تخاذلا كبيرا بشأن تحرير محافظة تعز، محملاً الإمارات مسؤولية هذا التخاذل.

واضاف "تسعى الامارات إلى تأجيج الوضع في تعز من خلال دعم الفصائل المسلحة، بعيداً عن دعم الجيش الوطني، لأنه ليس من مصلحة الإمارات تحرير مدينة تعز في ظل التواجد الكبير لحزب الإصلاح الإخواني".

وأشار (ج.س) إلى أن مقاتلات التحالف العربي شنت أكثر من مرة غارات جوية على عناصر الجيش والمقاومة الشعبية أثناء تقدمها في عدد من جبهات القتال لإجبارهم على التراجع منها.

وأضاف "كيف لتعز أن تتحرر وكل فصيل يريد أن يكون حاكما على المدينة وأن يفرض سيطرته عليها سواء الفصيل السلفي، أو حزب الإصلاح ؟؟".

من جهته، قال العقيد عبدالباسط البحر، الناطق الرسمي باسم محور تعز، أن سبب تأخير الحسم في تعز يأتي لاستنزاف الحوثيين عسكرياً في الجبهات، إضافة إلى قلة الدعم الذي يتلقاه الجيش الوطني من قبل التحالف.

وتمنى البحر أن يكون هناك دعم كبير ومناسب لقوات الجيش في تعز للتحرك نحو الجبهات واستكمال تحرير ما تبقى من المحافظة من قبضة الحوثيين.

وطالب البحر أن يتم تقديم هذا الدعم عن طريق القنوات الرسمية وهي القيادة العسكرية ممثلة بقيادة محور تعز، والقيادة الأمنية ممثلة بمدير الأمن، والسلطة المحلية ممثلة بمحافظ المحافظة.

"نتمنى أن يتم التعامل مع هذه الجهات فقط حتى نضمن عدم تسرب السلاح وبقاءه في حوزة القيادات والجهات الرسمية ليتم استخدامه في الأهداف المحددة له، وتكون الألوية محاسبه عليه، ومن ثم تعود هذه الأسلحة إلى الدولة بعد انتهاء عملية التحرير".

ومع استمرار الدعم الإماراتي للفصائل السلفية، والدعم السعودي لفصائل حزب الإصلاح الإخواني في تعز، وغض الطرف عن العناصر المتطرفة المتواجدة بداخل هذه الفصائل، يحاول كل طرف التربص والاستعداد للقتال ضد الآخر من خلال توسيع نفوذه في السيطرة على المدينة والمرتفعات الواقعة بداخلها، الأمر الذي قد يطيل أمد الحرب الأهلية، ويعطي الحوثيين قوة الاستمرار في حصار مدينة تعز مع السيطرة على أطرافها.

أمل اليريسي
السبت 4 غشت 2018


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan