كان حريصًا على كلماته طيلة حياته، يبدو لي مفهومًا الآن أكثر من أي وقتٍ سابق لماذا أصر على الحضور. رغم كل هذا لم أعرف صنع الله إبراهيم إلا بعد وفاته، ربما لأنني تأثرت كثيرًا عند قراءة كل ما كتبه الأصدقاء والكُتاب والصحفيين عنه، كل ما قالوه عن التأثير البالغ لأعماله في حياتهم وكتاباتهم، ولأنها كانت فرصة للنظر عن كثب في حياة الرجل الذي كتب وجهة نظره في مجتمع ظل على يساره طيلة العمر، متلصص أحيانًا وأمام لجنة المحاكمة في أحيانٍ أخرى، شطر في برلين وآخر في "بيروت بيروت"، صفحات قليلة في عام 67 وأخرى في 1970، عاش حياته بشرف ومتعطشًا لتلك الرائحة التي قد يتشممها كل من يقترب من "نجمة أغسطس"!
اللجنة: كابوسية حلم الترقي
لا يمكن إغفال التشابه بين رواية "اللجنة" الصادرة عام 1981 ورواية "المحاكمة" الصادرة عام 1925 بعد وفاة الروائي التشيكي الألماني فرانس كافكا، هذا التشابه ليس قائمًا على البنية الأساسية أو الحبكة، ولكنه متوفر كشرط أساسي لرواية قائمة على فكرة السلطة الحاكمة المطلقة التي تتحكم بشكلٍ كامل بحياة المحكومين. في حالة بطل رواية "اللجنة" لا نجد أي شكل معلوم للمسمى الوظيفي للأعضاء، لا يوجد مكان حقيقي كفضاء سردي إذ إن أحداث الرواية تقع في لا مكان، كذلك الشخصية "العبقرية" التي اختارها البطل لتصلح كمثال حي على الوطنية، هي شخصية فاسدة ونافذة في المجتمع يمكن أن تكون في أي منصب. يزداد هذا التأثر بكابوسية رواية الأديب التشيكي بتعدد مواضع الالتباس والتشوش عند البطل، الذي ينتهي به الأمر بأكل نفسه كعقوبة بعد قتله لأحد الأعضاء، في فعلٍ شديد التهور يشير لوجود العنف كحل في حالة الاضطرار للخضوع المطلق.
في مقدمة كتابه "بين كَتَبَة وكُتَّاب"، يكتب المُترجم والأكاديمي الفرنسي ريشار جاكمون تحيته لصنع الله إبراهيم شاهدًا على موقفه الشهير باعتذاره قبول جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي، واصفًا موقفه بإثبات إمكانية استقلالية المثقف العربي، وكذلك معنى تلك الاستقلالية وقيمتها. في كتابه الذي سعى فيه لتوثيق حقيقة المشهد الثقافي المصري خلال عقود لا ينفي ريشار انحيازه لكاتب أو لعملٍ أدبي بعينه، مؤكدًا أن سبب هذا الانحياز نابع من موقف صاحبه الاستقلالي ضد كل السلطات الدينية والسياسية والثقافية، لذلك وجبت التحية لصنع الله الذي ترجم رواياته، والذي ارتبط به ارتباطًا وثيقًا لمدة خمسة عشر عامًا كما جاء في الكتاب المذكور.
سيرة الزمان والمكان
لا يمكن قراءة صنع الله إبراهيم بدقة بمعزل عن مقدمات أعماله التي بدأت بعد خروجه من السجن برواية "تلك الرائحة" مرورًا بـ"إنسان السد العالي"، "نجمة أغسطس"، "اللجنة"، "بيروت بيروت"، "ذات"، "شرف"، وغيرها من الأعمال التي اتخذت صور توثيقية في بعض الأحيان عن الزمان والمكان. في المقدمات يبرر صنع الله عدم انتشار عمل على حساب الآخر، وكذلك تبدل الترتيب الزمني لأعمال كُتبت في حينه، ولكنها لم تُنشر إلا بعد سنوات طويلة، كما كتب في مقدمة نوفيلا "67" التي صدرت في صورتها الأولى ضمن الاصدار الثالث من مجلة "عالم الكتاب" المصرية في آب/أغسطس عام 2015، وصدرت طبعتها الأولى في عام 2017 عن دار "الثقافة الجديدة". يقول صنع الله إبراهيم في مقدمته للعمل إنه كتبها في فترة إقامته في بيروت خلال 1968، وحينما أراد نشرها في لبنان رفضتها كل دور النشر، بعد ذلك تركها تمامًا وبدأ كتابة "نجمة أغسطس" التي انتهى منها في 1973.
يقول صنع الله: "وعند عودتي إلى مصر في العام التالي كنت قد نسيت أمر رواية " 67 " وانشغلت بمشاغل الحياة وبمحاولة كتابة رواية جديدة، كما وجدت أن الأجواء السياسية والاجتماعية السائدة لا تساعد على نشر رواية كتبت في ظروف معينة وبحرية تامة، كما أنها قد تستخدم من قبل القوى اليمينية في حملاتها ضد الناصرية والاشتراكية. وهو وضع استمر طوال السنوات التالية (45 سنة منذ كتابتها). إلى أن قامت ثورة 25 يناير 2011".
المفارقة هنا أن صنع الله إبراهيم عانى من النظام الناصري وتم اعتقاله وسجنه لمدة خمس سنوات 1959 – 1964، بتهمة الانتماء إلى تنظيم شيوعي سري، ولكنه رغم ذلك حافظ على فنه بعيدًا عن أي محاولة الحصول على مكاسب شخصية تبعده عن مساره ككاتب يستخدم الكتابة للمقاومة والتوثيق. وعلى الرغم من أن الرواية الصغيرة لا تتعارك سياسيًا مع أي فصيل، إلا أنها تصلح كبوابة زمنية يمكن العبور منها لرؤية تفكك وانهيار المجتمع أخلاقيًا واجتماعيًا وصولًا للحظة الهزيمة المدوية في 5 حزيران/يونيو، حينما اجتاح الطيران الإسرائيلي المجال الجوي المصري وبدأت سنوات الاحتلال الذي لم ينته إلا بعد سنوات، وتحديدًا مع حرب تشرين الأول/أكتوبر عام 1973 مرورًا بحرب الاستنزاف. أما صنع الله الذي خرج من السجن، ثم ذهب بعد ذلك في 1968 إلى لبنان في انتظار انتهاء مصوغات تعينه بوكالة أنباء ألمانيا الديمقراطية - ألمانيا الشرقية آنذاك - سيكتب "برلين 69" التي صدرت في طبعتها الأولى عام 2014 عن "الثقافة الجديدة" أيضًا، ولكنها ستحكي عن دولة انشطرت إلى قسمين بعد الحرب العالمية الثانية. في هذه الرواية يحكي صادق الحلواني كواليس انضمامه إلى 17 مليون مواطن في ألمانيا الشرقية آنذاك، بينما يعيش ضعف هذا الرقم تقريبًا في الشطر الآخر، الذي ينعم بعيشة هانئة تحت جناح العالم الرأسمالي السعيد في ظل الانفتاح والرعاية الأميركية التي ستبتلع العالم كله فيما بعد وصولًا للحظة انهيار جدار برلين!
ستصدر رواية "1970" عام 2019، سيستخدم فيها صنع الله تقنية روائية فريدة، وهي الاعتماد على الأرشيف الصحفي لأغلب ما صدر خلال هذا العام، والذي ضم تفاصيل واقعة "أيلول الأسود" وشطر من حرب الاستنزاف وكذلك مباحثات عبدالناصر مع الاتحاد السوفيتي لإمداد مصر بالأسلحة اللازمة ومفاوضات عديدة غيرها، وكذلك سعيه لوقف أعمال العنف والمناوشات بين الدول العربية وبعضها البعض وصولًا للحظة وفاته في أيلول/سبتمبر من نفس العام. كل هذا بضمير المخاطب، المُعاتب أحيانًا، المشفق في أحيانٍ عديدة على رجل كان من نصيبه أن يحمل هموم العرب كلهم، أحلامهم وخيبات آمالهم. في هذه الرواية التي تضع الضحية والجلاد بين دفتيّ كتاب واحد وجهًا لوجهٍ. لا يمكن إغفال وضوح إعجاب صنع الله بالتجربة الناصرية وجعلها محل تقدير بالغ، رغم ما أصابه من عنف في مراحل متعددة منها. إعجاب مشوب بالمرارة والضيق والحزن، يصفه الروائي بأسلوبٍ شديد التماهي مع الحالة الصحية للرجل الذي استهلك كل طاقته الجسدية والصحية والنفسية لإنقاذ القطر العربي، الذي تشرذم بسبب الخيانات المتكررة والتوحش الإمبريالي والطغيان الإسرائيلي.
"إننا جميعًا نعيش بين أقارب وأصدقاء وأحباء دون أن نعرف أنهم يمكن أن يبيعونا بسهولة".
صنع الله إبراهيم "67"
صنع الله والزمان: حكاية العمر كله
المتتبع لمشروع صنع الله إبراهيم منذ بداياته حتى آخر أعماله، من الصعب أن يجد مبررًا للتشرذم الزمني داخل مسيرته، باستثناء بعض الأعمال التي ناسبت وقتها أو أتت على ذكر فترة معاصرة، نجد أن أغلب الأعمال تحدثت عن فترات زمنية بعيدة، ربما يكون الدافع هو اكتمال الحدث أو اختبار تأثير الزمن عليه، ولكن بنظرة شمولية نجد أن السبب الحقيقي ناتج عن اضطراب المسار الحياتي لكاتب استخدم نقاط رئيسية داخل سيرته الذاتية أحيانًا كنقطة انطلاق هذه الأعمال. في روايته "تلك الرائحة" نجد سيرة الخارج من السجن لتوه، الرجل الذي يوثق ظروف حياته الصعبة والمشتت بين أكثر من اتجاه. هذه روايته الأولى التي نقدها يحيى حقي بعد صدورها وقبل مصادرتها عام 1966 - أي بعد خروج صنع الله نفسه من المعتقل - قائلًا عن وصف صنع الله لبعض المشاهد المتعلقة بالجنس بأنها "القبح الذي ينبغي محاشاته، وتجنيب القارئ تجرع قبحه". يسخر صنع الله نفسه في مقدمة الطبعة الثالثة للعمل نفسه الذي صدر عام 2003 من خلط القراء بين حياته الشخصية وبين أعماله، مؤكدًا ضرورة الاستعانة ببعض الخبرات الحياتية داخل العمل الأدبي، لكنه لا يصنع نص شخصي توثيقي، كما لا يمكن لقارئ صنع الله إبراهيم أن ينحيه جانبًا في أغلب التفاصيل الفنية داخل الأعمال التي تتشابه مع خيوط حياته العريضة، نظرًا لأنه عاش ومات كما لو أنه شخصية روائية داخل عالمه!
"ولماذا يتعين علينا عندما نكتب ألا نتحدث إلا عن جمال الزهور وروعة عبقها، بينما الخراء يملأ الشوارع ومياه الصرف الملوثة تغطي الأرض، والجميع يشمون الرائحة النتنة ويشتكون منها؟"
صنع الله إبراهيم "تلك الرائحة"
في رواية "شرف" الصادرة في 1997، والتي تحتل المركز الثالث في قائمة أفضل 100 رواية عربية من إعداد اتحاد الكتاب العرب عام 2001، نجد رواية من أهم ما كُتب في تاريخ أدب السجون، ليس لإشارتها لكل ما يمكن أن يحدث للسجين داخل محبسه، ولكن لكونها رواية عن العالم الحقيقي ودورة الحياة اليومية داخل هذا السجن. يدخل شرف متهمًا بجريمة قتل حدثت دفاعًا عن الشرف، ومن هذه القافية ينسج صنع الله فيما يزيد عن 400 صفحة نصًا داخل نص، مستعينًا بتقنيات المسرح. تضم الرواية مسرحية كاملة يشرح من خلالها الدكتور رمزي مراحل الفساد الكبرى داخل المجتمع المصري. يتعدى الدكتور رمزي دوره كشخصية روائية داخل هذا النص، كونه الرجل الذي ينطق بكل التقارير التي تشرح انهيار القطاع الحكومي خلال فترة التسعينات، لتتعدى الرواية نفسها تصنيفها كمنتج أدبي وفني مدعم بالبيانات بشكلٍ نموذجي، ممزوج بالتقنيات الروائية التجريبية، لتصبح وثيقة حية على اقتراب هذا المجتمع من التآكل تحت وطأة الفقر، مُنذرًا بكارثة كبرى أو ثورة عاتية، وهو ما تحقق فيما بعد.
"إذا كان شرف موجودًا بجسده بين جدران الزنزانة الأربعة، فإن روحه كانت ترفرف في الخارج طول الوقت، ليلًا ونهارًا؛ فهو من سلالة شعبٍ عظيم فضَّل دائمًا أن يكون مستعبدًا كي لا يحرم من عشق الحرية والتطلع إليها".
صنع الله إبراهيم "شرف"
نجد أيضًا في عناوين صنع الله إشارات واضحة لزمن بعينه، صحيح أن الرواية ليست وثيقة وليست فيلمًا وثائقيًا، ولكن كل عمل هو ابن بيئته وزمانه مهما كانت مقوماته الفنية على تجاوز هذه العوامل. نجد في "برلين 69" توثيق حقيقي وحي لفترة زمنية نعرفها جميعًا باسم الحرب الباردة، وهي الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وحتى تفكك الاتحاد السوفيتي. يُشرّح صنع الله العوامل الثقافية والاجتماعية في دولة مثل ألمانيا، بتجاوز العامل السياسي الشهير، إلا أن حياة هؤلاء العامة داخل روايته كانت تشي باقتراب زوال الجدار القائم بين عالمين، أحدهما يعيش المرء محكومًا من الدولة والآخر يعيش فيه أقرانه محكومين بشكل أكثر حرية، حيث رأس المال وقدرة المرء على مراكمته، هما مقدار الفرد الواحد من الحرية المطلقة، وبالعودة إلى بداية الفقرة نجد هنا جزء من حياة صنع الله هو أساس المادة الروائية، حينما عمل في وكالة الأنباء قبل انتقاله إلى موسكو لدراسة التصوير السينمائي وصناعة الأفلام.
"أفظع شيء هنا هو حياة الناس الطويلة في ظل الوحدة".
صنع الله إبراهيم "برلين 69"
صنع الله إبراهيم والمكان: فضاء لا يخص المرء وحده!
باستثناء رواية "اللجنة" الكفكاوية، نجد أثرًا بالغًا لتعدد أسفار صنع الله إبراهيم داخل أعماله. في روايته "بيروت بيروت" المكتوبة في 1984، يواصل صنع الله سرد نتائج تشتت الموقف العربي تجاه المقاومة الفلسطينية. في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تستبيح سماء أغلب الدول انشغل العرب بمحاربة بعضهم البعض وقتل ما يزيد عن أعداد حروب دولية كبرى مجتمعة، وإنفاق مئات الملايين كمصاريف للحروب القائمة بينهم. يأتي ذكر الحروب العربية/العربية في رواية "1970" أيضًا، التي يضع فيها الكاتب التجربة الناصرية تحت المجهر بكل مزاياها وعيوبها الكبرى. تأتي "بيروت بيروت" كمتتم للحرب التي نشأت بين المقاومة الفلسطينية والأردن، ثم لبنان مرورًا بأحداث "أيلول الأسود" التي عاصرها الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، وأيضًا بالحرب الأهلية في لبنان التي ظلت تلوح في الأفق عقب انتصار تشرين الأول/أكتوبر 1973. في هذه الرواية يستخدم صنع الله تقنية السيناريو داخل الرواية مستعينًا بدراسته في موسكو، التي مكنته من إدخال تقنيات أدبية تجريبية بامتياز. تهدف التقنية المغايرة داخل النص الروائي عند صنع الله إبراهيم إضافة معلومات حقيقية مثبتة. نادرًا ما نجد عملًا من الأعمال الشهيرة له بلا عدة مصادر للمعلومات الوثائقية. في "بيروت بيروت" التي تتحدث عن حجم الاختراق الإسرائيلي للنسيج العربي ككل، يظهر الصوت الواضح المطالب باتحاد عربي ضد إسرائيل. يندد صنع الله بالتطبيع والعمالة لصالح الكيان الصهيوني، ويشير إلى سمات الخونة من كل الفصائل، مؤكدًا ضرورة حماية القضية الفلسطينية من الخلافات العربية/العربية، التي لم تؤدِ إلا إلى المزيد من الاحتلال الذي يتخطى مساحته الجغرافية، ليشمل ساحات الثقافة والسياسية والمجتمعات العربية. في المكان أيضًا برع صنع الله في رسم السجن كفضاء سردي، مستغلًا حادثة شرف كحدثٍ يمر من خلاله إعادة تعريف السجن وشرح طبقات نزلائه وتراتبية المحكومين فيه، متعرضًا بذلك لتوضيح طبقات المجتمع المصري وشرح سياقات صعود وهبوط أبرز علاماته باختلاف توجهاتهم.
"بهذا لم يكن التوازن الطائفي مرحلة على الطريق إلى الوطن، بل تأجيلًا له، فقد صار الوطن هو الطائفة، أو بالأحرى صراع الطوائف".
صنع الله إبراهيم "بيروت بيروت"
صنع الله والأدب النظيف
لسنواتٍ طويلة تم التعامل مع المنتج الأدبي لصنع الله باستخفاف، لأسبابٍ متعددة نجحت في تهمشيه لبعض الوقت، قبل أن يصمم على الاستمرار والمثابرة والصمود. أسباب هي نفسها ساهمت في نجاحه وصناعته لأسطورته الخاصة، حتى من قبل موقف رفض الجائزة الشهير. المواقف السياسية الثورية لصنع الله لم تنجح في تكرسيه كمثقف يقف دائمًا على يسار السلطة، بل أثبتت إخلاصه وأمانته لأفكاره وموهبته التي قرر التفرغ الكامل لها منذ عام 1975 وحتى وفاته. وُصف أدب صنع الله بالأدب الأيديولوجي الموجّه، لأنه تضمن في كل عمل تقارير ومصادر صحفية وبيانات رسمية تدعم أفكار أعماله، على الرغم من التوظيف الفني التجريبي الرائد كخلق عمل داخل عمل فيما يُعرف بـ"الميتا سرد"، إلا أن صفة التوجيه لاصقت صنع الله بسبب جهل أو رفض المحيط الثقافي له ذائقيًا أو مجاملة لكَتَبَة السلطة، على حد تعبير ريشار جاكمون".
اتهم أدب صنع الله بالإفراط في إدخال المشاهد الجنسية داخل أعماله، وهي تهمة تلاقي قبولًا اجتماعيًا بالغًا حتى وقتنا الحالي، حيث لا يقترب الناس من أي منتج فني يمكنه أن يمس "قيم الأسرة المصرية"، وهو مصطلح مطاط شديد الاتساع، يمكنه أن يُلقي بكل من يتعرض له من قريبٍ أو من بعيد إلى السجن. هذا الاتهام الذي أدى لرفض رواية "67"، على سبيل المثال من كل دور النشر اللبنانية، كما كتب صنع الله في مقدمة الرواية، حيث تم اتهام بطلها بالهوس الجنسي، سيتم لصقه كوصمة على أغلبية أعماله، ما جعله يبتعد كثيرًا عن رواد الأدب النظيف أو قطاعات الأكثر مبيعًا، التي يكون بعضها - في فترات سابقة خصوصًا - مجرد قصص مدجنة لا تتلاحم مع الواقعي واليومي لأبناء المجتمع.
نرى الجنس كعنصر ميكانيكي في أغلبية هذه الأعمال المذكورة، كانعكاس لأفكار غير واعية تدور في ذهن الأبطال، كما يحدث في المشهد الختامي لرواية "بيروت بيروت"، حينما تحدث لحظة اللقاء التي تمناها البطل مع الناشرة التي عرض عليها كتابه، ولكن بمجرد أن تخبره عن إمكانية نشرها للكتاب في إسرائيل ينقلب حاله خلال العملية الجنسية ما يدفعه لخنقها! هذه التحولات التي تُشير دائمًا لانفعالات باطنية، منها على سبيل المثال رفض بطل هذه الرواية أي شكل من عمليات التطبيع مع إسرائيل، وكذلك رفضه التام للخيانات العربية التي تساهم في اختراق الكيان الصهيوني للعرب. هذا الاستنتاج ليس مقحمًا، ولكنه نتيجة تتبع علامات وضعها صنع الله داخل روايته عن طريق إضافة سيناريو لفيلم وثائقي عن الحرب في لبنان، ومدى استباحة النظام الصهيوني لهذا البلد عن طريق إشعال الفتنة بين طوائفه.
رحل صنع الله إبراهيم عنا في هذا العام، ولكن الأكيد أن مسيرة مثل هذه منذورة للخلود، ليس محابة لصاحبها أو مجاملة لنصوص، ولكن لأن كل ما كُتب بإخلاص لا بد له أن يصمد ضد الزمن، مهما كانت قسوة هذا الزمان ومهما كانت أيامه رديئة.


الصفحات
سياسة









