تكتيكات صامتة في إدلب.. والروس يحضّرون لاصطياد “الدرون”




هدأت الجبـ.ـهات وتوقفت المعـ.ـارك في إدلب مع دخول الاتفاق الروسي- التركي حيز التنفيذ، في 5 من آذار الماضي، لكن قصـ.ـف قوات النظام للمناطق القريبة من خطوط التماس لم يتوقف، كما شهدت مناطق جنوب إدلب عدة عمـ.ـليات عسكرية محدودة.


 
وثّق فريق “منسقو استجابة سوريا” 1064 خرقًا لوقف إطـ.ـلاق النار (الذي نص عليه اتفاق موسكو)، من قبل قوات النظام وروسيا، تشمل الاستهـ.ـداف بالقـ.ـذائـ.ـف المدفـ.ـعية والصـ.ـاروخـ.ـية والطائرات المسيّرة والطائرات الحـ.ـربية الروسية في عدة مناطق بإدلب وحماة وحلب، ما أوقع 18 قتـ.ـيلًا من المدنيين بينهم خمسة أطفال.
قصـ.ـف النظام لمناطق المعارضة وشنه هجـ.ـمات على خطوط التماس بإشراف وقيادة القوات الخاصة الروسية، قوبل بقـ.ـصف المعارضة لمنصات إطـ.ـلاق الصـ.ـواريخ وأماكن تمركز النظام والميليشـ.ـيات الرديفة، بحسب ما قاله المتحدث باسم “الجبـ.ـهة الوطنية للتحرير”، ناجي مصطفى، لعنب بلدي.لكن النظام وروسيا لم يكتفيا بالهجـ.ـمات وذهبا إلى أبعد من ذلك، بإجرائهما تدريبات للطيارين بالذخـ.ـيرة الحية تحاكي الواقع، معظمها كان في سماء مناطق سيطـ.ـرة المعارضة.

تدريبات جوية لمعركة المستقبل.. تكتيك روسي- سوري جديد

تسلّمت قوات النظام السوري، في 31 من أيار الماضي، الدفعة الثانية من مقـ.ـاتلات “MIG-29” الروسية الصنع، وبدأ طيارون سوريون بتجريبها، في 4 من حزيران الماضي، في إطار التعاون التقني بين روسيا وسوريا، حسب السفارة الروسية في دمشق.
ووثقت عدسات الناشطين في شمالي سوريا عدة تدريبات للطيران في سماء مناطق سيـ.ـطرة المعارضة، اُستـ.ـهدفت خلالها أهـ.ـداف جوية، دون أي استهداف لأهـ.ـداف أرضية.
الملمح الوحيد الواضح باستقراء بعض المعطيات الخارجية، دون وجود بيانات دقيقة، يظهر أن تدريب روسيا على طائرات “MIG-29” كان لاصطياد الطائرات دون طيار (الدرون)، بحسب ما يراه النقيب الطيار المتقاعد عبد الناصر العايد، في حديثه إلى عنب بلدي.
“MIG-29” طائرة اعتراضية، مهمتها صد هجـ.ـمات الطائرات جوًا، وليس لديها مهمات قـ.ـذف، لأن قوات النظام السوري لديها ضعف في هذا الجانب، وبالأساس لا توجد قدرات كبيرة لاعتراض الأهـ.ـداف الجوية، فكيف إذا كانت صغيرة كـ”الدرون”، حسب العايد.
ولم يكن لدى النظام السوري اهتمام بهذه العمـ.ـليات خلال السنوات العشر الماضية، وكرّس إمكانياته للطيران القـ.ـاذف، لاستهـ.ـداف مناطق المعارضة بقصـ.ـف الأهـ.ـداف الأرضية.
وبحسب العايد، لا يريد النظام السوري تطوير هذا الجانب بسبب الاحتمالات بمواجـ.ـهة الطيران التركي المسيّر فقط، فهي معـ.ـركة المستقبل بالنسبة له، إذ إن كل التنظيمات (بما فيها الصغيرة) صار بإمكانها امتلاك طائرات “درون”، وهو ما دفع النظام إلى شراء طائرات “MIG-29” رغم الضائقة المادية والوضع الاقتصادي المرتبك.
ورجح العايد تدعيمها بتجهيزات خاصة لاصطياد “الدرون”، وعلى الأغلب فرز النظام السوري 12 أو 13 طيارًا ليتدربوا على هذه العمليات، لذلك يجب أن تكون لديهم طلعات تدريبية مشابهة وتحاكي الواقع.

الفصائل تدرّب مقاتليها

خرّجت فصائل المعارضة عدة معسكرات تدريبية لعناصرها خلال الأسابيع الماضية من “باب الاستعداد” ورفع الجاهزية وإعداد المقاتلين، ورفع كفاءتهم القتـ.ـالية، وزيادة القدرة على التصدي لمحاولات تقدم قوات النظام أو أي سيناريو يمكن أن تتخذه، حسب المتحدث باسم “الجبهة الوطنية للتحرير”، ناجي مصطفى.
وكانت التدريبات مركّزة ومكثّفة لتدريب المقـ.ـاتلين على أجواء القـ.ـتال وظروف المعركة، إضافة إلى تدريبهم على تكتيكات خاصة ونوعية لتفادي الضـ.ـربات الجوية الروسية.
 
كما أعلنت “هيئة تحرير الشام”، صاحبة النفوذ في إدلب، تخريج عدة دورات عسكرية لمقـ.ـاتليها، منها دورات رفع مستوى، وتخريج أكبر دفعة من مقـ.ـاتلي قوات النخبة “العصائب الحمراء” في أيار الماضي.

تكتيك جديد على الأرض بمشاركة القوات الخاصة الروسية

في 24 من حزيران الماضي، أعلنت “الجبهة الوطنية للتحرير” تصديها لهجـ.ـوم قوات خاصة روسية على محور بينين في جبل الزاوية جنوب إدلب، ورغم إفشال هجـ.ـومها، نعى فصيل “صقور الشام” (المنضوي في الجبهة) أربعة من مقـ.ـاتليه نتيجة الهجـ.ـوم.
وأوضح ناجي مصطفى لعنب بلدي أن قوات النظام حاولت سابقًا التسلل خاصة على محاور قرى بينين وحنتوتين وسهل الغاب، لكنها هذا الهجـ.ـوم كان الأول للقوات الخاصة الروسية بعد توقيع الاتفاق الروسي- التركي، في 5 من آذار الماضي.
في اليوم التالي أيضًا، شنـ.ـت القوات الخاصة الروسية، مدعومة بـ”الفيلق الخامس” المشكّل روسيًا، هجـ.ـومين متتالين على محاور جبل الزاوية، لكن الفصائل أفشلت الهـ.ـجوم وأوقعت قتـ.ـلى وجـ.ـرحى من القوات المهـ.ـاجمة، وتبع ذلك إعلان الفصائل إفشال عدة محاولات تقدم حسب مصطفى.
ولا يصدر أي تعليق من قوات النظام أو روسيا حول هذه العمـ.ـليات العسكرية.
واعتبر النقيب الطيار المتقاعد عبد الناصر العايد أن عملـ.ـيات الروس جنوبي إدلب تمهيد وتذكير بأنها ستسيطر على منطقة جنوب الطريق الدولي حلب- اللاذقية (M4)، وهذا “لا نقاش عليه”.
ويمكن أن تكون هذه العمليات تدريبية، أو لمنع إنشاء “استحكامات” متينة أو نقاط استناد قوية في خطوط دفاع المعارضة يصـ.ـعب تجاوزها لاحقًا.
العايد استبعد بدء الروس عملـ.ـيات واسعة، إضافة إلى عدم وجود استراتيجية واضحة أو عمل عسكري واضح خلال المرحلة الحالية، لكن من الناحية الاستراتيجية يريد الروس السيـ.ـطرة على جنوب “M4” وجزء من شماله لتأمينه، والأيام المقبلة ستكشف كيفية تنفيذ الاتفاق الروسي- التركي، سواء بالاتفاق مع الأتراك أو الفصائل أو عبر عمـ.ـلية عسكرية، حسب العايد.
 
وكان وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، قال، في 10 من آذار الماضي، إن جنوب “M4” سيخضع للرقابة الروسية وشماله سيكون تحت رقابة الأتراك، وذلك في إطار توضيح أحد بنود الاتفاق الروسي- التركي.

هل طوّرت المعارضة نفسها؟

استخدمت القوات الروسية منذ تدخلها إلى جانب النظام، في أيلول 2015، أسلوب الأرض المحروقة ضد المعارضة، واستهـ.ـدفت كل شيء في مناطقها، من المدارس والمشافي والقرى والمدن والأسواق وحتى مخيمات النزوح، ما شكل ضغطًا على الفصائل العسكرية يضاف إلى الهجـ.ـمات الموسعة على نقاط التماس.
واستخدمت روسيا بعض الأسـ.ـلحة التكتيكية خلال معـ.ـاركها الأخيرة، منها مناظير الرؤية الليلية المتطورة جدًا، التي أُضيفت إلى عناصر المشاة والقنـ.ـاصين، وأجهزة استطلاع عبر طيران “الدرون”.
ورغم قدرات فصائل المعارضة المتواضعة، استخدمت تكتيكات معاصرة ومخصصة لمقاومة تكتيكات الروس، خاصة خلال محاولات التسلل، حسب النقيب ناجي مصطفى.
وأوضح قائد ميداني في فصيل “صقور الشام” المنضم إلى “الجبهة الوطنية”، معروف بـ”أبو داود”،  أن عمليات الروس تجري عبر مجموعات روسية مدربة تدريبًا عاليًا تخترق خطوط التمركز من الخلف، بتغطية مكثفة من طيران الاستطلاع، اعتمادًا على المناظير الحرارية والقناصات الليلية البعيدة المدى.
لكن بعد عدة عملـ.ـيات للقوات الروسية ودراسة خطط تقدمها، دربت فصائل المعارضة مقاتلين استطاعوا صد محاولات الروس، حسب القائد الميداني “أبو داود”.
كما نصبت قوات المعارضة عدة كمائن ليلية تساعد على كشف تسلل القوات المعادية، وزُودت بقناصات حرارية، إضافة إلى عناصر مدربين في الخطوط الخلفية، مهمتهم الانقضاض على قوات العدو خلال التسلل.
وتقـ.ـصف قوات النظام بشكل مكثف نقاط التماس مع كل محاولة كشف وتصدٍّ، إضافة إلى رمي طائرات “الدرون” قنـ.ـابل على أي هدف متحرك، حتى تستطيع القوة المـ.ـهاجمة سحب القتـ.ـلى والمصـ.ـابين، إذ لم يسيطر النظام بكل هذه المحاولات على أي مناطق منذ اتفاق “موسكو”.
استطاع النظام السيطرة على مناطق واسعة بعد العمـ.ـليات العسكرية التي أطلقها في نيسان 2019، باعتماده على الحشد الكبير للقوات العسكرية لتشتيت قوة فصائل المعارضة على الجبهات كافة.
ثم اعتمد على القصف المكثف خلف الخطوط الأولى والثانية لإفراغ المنطقة من المدنيين، واستـ.ـهدف أي شيء متحرك مع بدء الحملة العسكرية ضمن مسافة ثمانية كيلومترات خلف خطوط المواجـ.ـهة، حسب قائد عسكري ميداني (تحفظ على ذكر اسمه) في حديثه إلى عنب بلدي.
لكن حـ.ـرب الروس والنظام وتكتيكهم اعتمد بشكل أكبر على أسلوب الالتفاف (السيطرة على نقطة مقابل سقوط منطقة كاملة)، وهي سياسة جديدة لم تستطع فصائل المعارضة التعامل معها.
ولم تمتص الصدمة حتى خسرت مناطق واسعة، إضافة إلى اعتماد الطيران الروسي على صـ.ـواريخ ذكية وأسـ.ـلحة متطورة أخرى.
وأشار القيادي إلى أنه عادة قبل بدء الحملة العسكرية بـ15 يومًا، يبدأ التمهيد العشوائي للنظام وروسيا بقـ.ـصف من الطائرات المروحية بالبراميل، تتبعه ثلاثة أيام من التمهيد بالطيران الحـ.ـربي الدقيق، الذي يستـ.ـهدف المقرات والنقاط والخطوط الأخرى، ومع بداية الحملة تقطع طرق الإمداد بالقـ.ـصف المكثف والاستطلاع في الجو.
واتبع كل من النظام السوري وروسيا في السابق أسلوب الاستطلاع بالقوة (أسلوب تسللات لكشف نقاط تمركز المعارضة، وطرق الإمداد، خاصة الليلية منها، لخرق الترددات والقوة الموجودة في النقطة العسكرية)، لكن حاليًا لا يمكن المراهنة على السياسة الجديدة التي سيتبعها النظام، حسب القائد العسكري.
 

عنب بلدي - - اوطان بوست
الاحد 12 يوليوز 2020